آخر تحديث:15:57(بيروت)
الثلاثاء 07/07/2020
share

الهيبة

رشا الأطرش | الثلاثاء 07/07/2020
شارك المقال :
الهيبة مطار بيروت بعد إجراءات كورونا (غيتي)
كم هو غامر ذلك الزهو الذي يشعر به كل لبناني، مقيماً كان أو مهاجراً، كلما تذكّر أنه ينتمي إلى وطن ذي هيبة. وطن تنخره الهيبة نخراً، في كل تفصيل، كل صغيرة وكبيرة.

فبعد "الذات الرئاسية"، والأديان والطوائف وعموم زعمائها الروحيين والزمنيين، و"المقاومة" وسلاحها، نبّهتنا السلطة إلى ما غاب عنا قُبيل 17 تشرين الأول 2019، فلكزت كثراً من الساهين بيننا عن قيمة الليرة ووزن النظام المالي والنقدي. فبعضنا كان قد شرع في المسّ بهيبة الليرة حينما راحت تتدحرج قبالة الدولار، ووجبت توعيته في مكاتب أجهزة أمنية. فالليرة تلهو على مزلجة العملات الصعبة، واللعب لا ينال من الهيبة، بل إنه من شيم المُهاب النازل إلى صفوف الجماهير ومرحهم.

كنا قد لمسنا، في 7 أيار 2008، وبالحديد والنار، هيبة "شبكة الاتصالات" التابعة لحزب الله. وكي لا ننسى، تم تذكيرنا مؤخراً بهيبة المعابر غير الشرعية ومنافذ التهريب مع سوريا الأسد.. لزوم "المقاومة". والهيبة، كما الكرامة والعزة، أهم لعموم اللبنانيين من تدارك بعض مسارب الدولار والسلع والمحروقات، في خضم أزمة الجوع والإفلاس، وأهم للسوريين من حصارهم وتشريدهم. ومَن قال إن "وحدة المسار والمصير" انفكّت؟ ما زالت الحرب السورية تجمعُنا، مشاركة اللبنانيين فيها جليلة ووقورة وسط المقتلة الأهلية والطائفية ونُصرة الاستبداد وإعادة رسم الخريطة الديموغرافية. ونتضافر، من حيث ندري أو لا ندري، بـ"الحِمية الغذائية" لجيشينا، فالجيش اللبناني صار نباتياً، والجيش السوري أزيل عن مائدته الأرز واللبن وبعض الخبز. هكذا أخفّ وأصحّ وأهيب. وبالطبع، تجمعنا الليرة، لبنانية وسورية، وهيبتهما. هنا، وهناك، يُعتقل من ينال من سمعتهما في مواقع التواصل الاجتماعي.

وللهيبة ذراع طويلة، تصل إلى جواز السفر اللبناني وأرزَته. هذا الجواز الذي، إن أبرزته في سفارة أو مطار، انتظمَ من أجله طابور، خصوصاً بعد كورونا، وأزمة المصارف والدولار الذي ينتحي جانباً، بكامل عنفوانه، لحظة تسديد تعرفة الفيزا. وهذا ما فهمه جيداً، مخرج لبناني استدعته معلومات الأمن العام في بعبدا للتحقيق، قبل أيام، على خلفية فيديو صوّره ونشره في "فايسبوك"، ويظهر فيه وهو يرمي الباسبور اللبناني في مكبّ النفايات، تهكماً على أحواله ومواطنيه. التهكم قلة هيبة.

بل إن للبلدات والقرى، أيضاً، هيبة لا بد من احترامها. بلدية سحمر البقاعية مثلاً تغار على أبنائها. في سحمر، وثق تسجيل فيديو قيام ثلاثة شبان باغتصاب طفل سوري، وبين المغتصبين من يرتبط أو أهله بحزب الله، وهنا يمسي للهيبة ثقل أكبر. التحقيقات والتوقيفات جارية، وكذلك كلام كثير عن ضغوط وتمييع و"تواري مشتبه فيهم عن الأنظار". لكن.. الهيبة، الهيبة يا أولي الألباب، لعلكم تتعظون. رفعت بلدية سحمر دعوى قدح وذم على الناشطة زينة حسين نعيم، "بتهمة شتم قرية بأكملِها وإهانتها"، واتهمتها بأنّها "ما زالت تحاول تحريف القضية بالتصويب على إدعاءٍ كاذب بحقنا حيث اتهمتنا بالتستر على المطلوبين من قِبَل البلدية وفاعليات البلدة، في حين أن القاصي والداني يعلم بأنّ بلدية سحمر ومخاتيرها وأهلها قاطبةً، بشيبها وشبابها وشاباتها وفاعلياتها وأحزابها وجمعياتها، دانت ذاك العمل الشنيع واستنكرته. والكل يعلم أيضاً بأن المطلوبين قد تم تسليمهم إلى القوى الأمنية المختصة". وبعد التحقيق مع زينة في مخفر القرعون، وقّعت على تعهد بعدم التعرض لسحمر وأهلها، فبلدات الناس ليست لعبة.

هكذا تأخذ الهيبة مجراها. ضروري، وإلا استحال العيش. حتى الاعتداءات المتكررة على الصحافيين، واستدعاؤهم وعشرات الناشطين إلى المقار الأمنية، لا تخدش هيبة الحرية. بل تعززها، مكنونة ومصانة في بيوت القلوب بدلاً من انكشافها على شرفات الألسنة والمدونات وسطوح الإعلام. الانتحار، بأثر من الفاقة والعوز، لا هيبة فيه أصلاً. نذمّه باعتباره ضعفاً واستسلاماً، بل وحراماً في عُرف السماء التي فتحت أبوابها لتضرعات اللبنانيين لتعوّض عن الآفاق المسدودة في وجوههم على الأرض.

وهيبة البلد، ممثلاً في قياداته، محفوظة. ومَن يساوره أي شكّ، ليس عليه إلا قراءة تسريبات محاضر الاجتماعات مع ممثلي صندوق النقد الدولي ومنشورات المستقيلين من الفريق الحكومي المُفاوِض. فنحن الذين حيّرنا الخبراء الدوليين وجعلناهم يدورون حول أنفسهم فاقدين أعصابهم. حتى ذلك الدبلوماسي الأوروبي رفيع المستوى في بيروت، حينما قال لصحيفة "الغارديان" البريطانية: "لطالما رجوناهم (أمراء الحرب/السلطة) أن يتخلوا عن نظام المحسوبيات ويتصرفوا كدولة طبيعية، لكنهم ما زالوا يتصرفون وكأنهم يبيعوننا سجادة"... فهذا إقرار بالشطارة. والفهلوة غمزة يرمي بها صاحب الهيبة صورَته في المرآة.

والصورة مهمة وتستحق. وهذه "حكومة الصورة" كما بات يسميها إعلاميون وناشطون منذ أن ضُربوا وكسّرت معداتهم في مطار بيروت لأنهم لم يكتفوا بالبث "الإيجابي" لإجراءات كورونا، ولم يقنَعوا بصورة الوزيرين المُشرِفَين، وصورة لبنان فاتحاً ذراعيه لمغتربيه، ولسياح يحلم بهم كل ليلة، مثلما يحلم المُعدَم بجائزة اللوتو ولا يملك ثمن ورقتها. هكذا، جلسنا جميعاً، مُهابين مُحترمين، أمام شاشات التلفزة نشاهد حفلة بعلبك الافتراضية ونسمع "صوت الصمود". وفي البال أغنية فريد الأطرش، للوطن الحبيب، السكّر الذي يذوب، الأسمراني المهيوب الذي لا نجد على شاكلته إلا محبوباً واحداً "ومش معقول نلاقي اتنين". 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها