آخر تحديث:16:20(بيروت)
الأحد 05/07/2020
share

"كان يا ما كان ثورة": الفنان الملتزم نسخة 2020

حسن الساحلي | الأحد 05/07/2020
شارك المقال :
  • "كان يا ما كان ثورة": الفنان الملتزم نسخة 2020
    من أعمال سليم معوض
  • معالجة نفسيه
    معالجة نفسيه
  • سليم معوض
    سليم معوض
بعد 17 تشرين الأول وبشكل موازٍ لتنامي حضور بعض الفاعلين في الشارع، ازداد حضور نموذج الفنان الملتزم، في الوسط الفني المحلي. حصل ذلك بدفع من مؤسسات فنية رأت في هذا النموذج إستثماراً مثالياً لمساعدتها على توسيع دائرة مرتاديها، حيث استقبلت فنانين شاركوا في الإنتفاضة، وأعادوا تدوير اعمالهم المخصصة للمجال العام، لتصبح أكثر تناسباً مع سياقات العرض الخاصة.


لا نتحدث هنا عن نموذج شبيه بالفنان اليساري المناضل الذي عاش زمنه الذهبي خلال السبعينيات، بل عن نموذج ينتمي إلى زمننا الراهن، باقتصاده النيوليبرالي وفضاءاته "البديلة" واللا سياسية. يتحرك هذا النموذج غالباً في فضاءات "المنظمات غير الحكومية"، محاوراً سياسات الهوية والحقوق والتنيمة التي تتعامل مع "المجتمع" بصفته جسماً منفصلاً، بحاجة للتمكين والتوعية.

من بين الفنانين الذين ينطبق عليهم هذا التوصيف، سليم معوض الذي يقدم معرضاً تحت عنوان "كان يا ما كان ثورة" في غاليري "جنين ربيز" (الروشة - بيروت).

سبق للفنان أن عمل مع منظمات حقوقية تعنى بمجالات مثل المواطنة وحل النزاعات ونشر ثقافة السلام، كما أمضى سنوات في ادارة مشاريع بحثية، تهدف لخلق نماذج للتعامل مع ماضي المجازر الجماعية والإبادة في بلدان أفريقية مثل رواندا، كونغو...

يصف معوض نفسه بالكائن الميثولوجي اليوناني "المينوتور" أو "نصف الرجل – نصف الثور" الذي يتقاسم معه طبيعته "الثائرة" التي "تنخرط في ديناميكية اجتماعية تهدف إلى ثورة كونية تعبر عن الذات الجماعية". ثم يعرف فنه بـ"احد أعراض حركته كناشط إجتماعي، يجسد محاولاته العنيدة في ترسيخ قيم إنسانية عالمية دافع عنها لأكثر من عقدين"، لكن من دون ان يحدد معنى القيم الإنسانية العالمية التي يتحدّث عنها أو الثورة الكونية التي تعبّر عن الذات الجماعية.


لكن نستنتج بعد حين أن هذه القيم مستوحاة من قاموس المجتمع المدني، الذي أصبح سفير الثورة فجأة في لبنان، واحتل المنتمون إليه بسرعة واجهة التحركات، منظرين ومفسرين للمنتفضين "معنى الثورة ومعنى الحقوق المواطنية والواجبات".

ورغم فشل الإنتفاضة، استفاد بعضهم من الثورة والمنابر الإعلامية التي أُعطيت لهم، وربما لولا الإنتفاضة لم يكن ليتمكن معوض من تنظيم معرضه الأول في غاليري يعتبر من الأشهر في بيروت، خاصة انه لم يبدأ الرسم سوى منذ سنوات قليلة فقط.

تتابع لوحات الفنان المتأثرة بشخصيات بيكاسو الميثولوجية (لا تختلف كثيرا عن الجداريات التي رسمها في الساحات) مسار تحول المينوتور من ثور "ثائر" إلى بشري ثم إلى عجل "يذبح كما كان يفترض ان تذبح الثورة المعايير الإجتماعية البالية"، وهي برأيه المسارات التي مرت بها الإنتفاضة منذ بدايتها حتى نهايتها.

يقول حول معرضه: "رأيت ما حصل من ثورات خلال العقدين الماضيين، بدءاً من بلدان أفريقيا وصولا إلى البلدان العربية، التي لم يصل أغلبها إلى أي مكان، كأن الثور غير ثائر بما فيه الكفاية وهو يعود إلى الوراء عوضاً عن المضي إلى الأمام.... ثم عندما وصلت إلى ثورة لبنان قلت للناس أنها حالة غضب ومجرد جلسة علاج جماعية، ولن تصل إلى مكان طالما تفتقد لمشروع سياسي او ايديولوجي. كنت أقول لهم أن ما تطالبون به يمكن لأي زعيم أن يعطيكم إياه. أنا اعرف ذلك لأنني عملت مطولاً في مجالات الطائفية والدولة المدنية...".

من المثير في حديث معوض الذي تترجمه اللوحات بشكل مباشر، هو الفصل بينه وبين الناس، ورؤيته لنفسه كمن يعطي سر الحكمة لمن يرفضها، وهي إحدى مزايا العاملين في المجتمع المدني، الذين يرون أنفسهم ككائنات أعلى وأفضل من الشعوب التي تحتاج للتوعية والتمكين. لذلك، في الجزء الثاني من المعرض الذي يسميه "الدبكة"، يوجه انتقامه تجاه أولئك الذين لم يسمعوا: "لقد اطلقوا ثورتهم متسرعين، حيث استهلكوها مثل الوجبات السريعة، وتسرعوا في إلغاء الطائفية التي لم تمت وهي لا تزال متجذرة بعمق في وعيهم ورواياتهم.... شعب ثرثار يختنق بالبروباغندا، على عمق سطح الساحات العامة مثلما تثرثر القرود. شعب يبكي على ثورات عديدة في زوايا مظلمة، مثلما تتباكى الببغاوات. كفى طائفية ... خذ خنجرك واشطبها. ارقص فوقها واذبحها...". 

يستكمل معوض في معرضه الفني ما فعله سابقا في الساحات، أي البحث عن سبل التأثير عبر الفن، ليصبح الأخير مجرد وسيط وأداة، بالطريقة نفسها التي استعمل بها الفنانون الملتزمون الفن في عقود سابقة، ولو أن الأخيرين رغم اهتمامهم بالهدف النهائي لأعمالهم، إلا أنهم اعطوا اهمية للوسط الفني، وقدموا لنا اعمالاً عظيمة لا نزال نستمتع بها حتى الآن، وهو ما لا نجده عند الفنانين الملتزمين المنتمين إلى زمننا، الذين تبدو اعمالهم مجرد نسخ عن اعمال عظيمة، تفتقد للأصالة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها