آخر تحديث:11:26(بيروت)
السبت 04/07/2020
share

"تيك توك": منصة الأداء

شادي لويس | السبت 04/07/2020
شارك المقال :
"تيك توك": منصة الأداء يأتي "تيك توك" كمسرح منوعات رقمي، مسابقة مواهب متاحة للجميع
"في المستقبل سيكون بمقدور أي شخص أن يحظى بـ15 دقيقة من الشهرة العالمية".. نبوءة آندي وارهول، فنان البوب الأميركي، التي أطلقها قبل أكثر من نصف قرن، وجدت بعض تحققها في تلفزيون الواقع ومسابقات المواهب التلفزيونية وبعدها شبكات التواصل الاجتماعي. أما تطبيق "تيك توك"، الوافد الجديد نسبياً، فيكثف فرصة الشهرة، ويقصّر زمنها إلى 15 ثانية فقط، لكنه يوزعها على قاعدة أكبر.

تنمو جماهيرية شبكة مقاطع الفيديو الصينية، بمعدلات غير مسبوقة. في العام 2018، أضحى "تيك توك" التطبيق الأعلى تثبيتاً في العالم، متخطياً فايسبوك ويوتيوب وإنستغرام. وفي العام التالي، كان عدد تثبيتات التطبيق قد تجاوز المليار. يحذر مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لفايسبوك، من تيك توك، ونوعية الرقابة التي يمكن أن تفرضها الحكومة الصينية على محتواه، ويرد البعض بأن تحذيراته ليست سوى محاولة للطعن في منافس ينمو بسرعة هائلة. قبل يومين، أعلنت إدارة فايسبوك إغلاق تطبيق "لاسو"، بعد عام ونيف من إطلاقها له، فالتطبيق الذي كان نسخة من تيك توك وقُصد به منافسته، فشل بشكل مهين في الحصول على حصة تُذكَر من السوق. 

يبدو فايسبوك اليوم، مثل جدارية رقمية، ليست قديمة بما يكفي لتتحول إلى أرشيف مغلق أو متحف، وأكبر جداً من أن تتهاوى ببساطة. الشبكة الاجتماعية التي لاتزال متربعة على القمة، تتحول ببطء إلى كراسة مذكرات جماعية لجيل يتقدم في العمر. جيل الألفية أو الجيل "واي" يصل إلى منتصف الثلاثينات من العمر الآن، ألبومات صوره ونصوصه على الحائط الأزرق تميل إلى النوستالجيا مع الوقت. طبقات من عمليات التنقيح تجرى على لوائح الأصدقاء في فايسبوك، لتتردد القناعات ذاتها في فقاعات مغلقة ومعزولة، ويعاد إنتاج الجدالات الموسمية دورياً وبإيقاع رتيب. تويتر، الذي أضحى يشبه شريطاً إخبارياً/دعائياً مقتضباً، سريع الظهور وسريع الاختفاء، ما زال أكثر حيوية، لكنه يبدو وكأنه تحول إلى شبكة تحكمها علاقات وأغراض شبه مهنية، شديدة الجفاف، ولا شخصية بشكل واضح ومباشر. 
 
يأتي "تيك توك" كمسرح منوعات رقمي، مسابقة مواهب متاحة للجميع ومستمرة على مدار الساعة، كباريه من المستقبل، برنامج تلفزيوني بجدول فقرات طولها محدد بربع دقيقة لا أكثر، تيار دائم وهائل من المادة الترفيهية: الأغاني والرقص، فقرات الكوميديا، مقتطفات من تلفزيون الواقع، مقالب عائلية، موضة وسخرية سياسية، فيديوهات تعليمية تمرّ كومضة، وألعاب سحرية وخدع، وكل شيء يمكن تصوره. الجيل "زد"، المولود في منتصف التسعينات حتى منتصف الألفية، والذي استخدم التطبيقات الرقمية منذ سن مبكر، هم الفئة الأكثر تمثيلاً بين مستخدميه.

يقدم التطبيق إمكانات استثنائية لتحرير الفيديوهات المنشورة، تسمح بالفلاتر والتحكم في السرعات واختيار موسيقى الخلفية من بين طيف واسع من الخيارات. تتيح وحدة الإنتاج الافتراضية تلك، لكل صنّاع المحتوى، دمج أدائهم عبر التقطيع والمزج مع أغاني ومقاطع موسيقية ورقصات ومشاهد فيلمية ودرامية ذائعة الشهرة، إضافة إلى أن يصنعوا ويصبحوا جزءاً من "تريند"، بمرجعيات ثقافة جماهيرية معممة ويسهل التعرف عليها. ويحظى المؤدي/المستخدم مكان النجم، لربع دقيقة كاملة، بفرصه لجذب بضع عشرات أو بضع ملايين من المتابعين.

يعتمد محتوى "تيك توك" بشكل كبير على عملية إعادة إنتاج لانهائية، ومتجددة بوتيرة مذهلة، الرقصة أو الأغنية نفسها تؤدَّي آلاف المرات، لكنها تبدو في كل مرة مختلفة، بشكل أو بآخر. يقضي المشاهدون ساعات وهم يتابعون سيلاً من الفيديوهات القصيرة لهاشتاغ واحد، أو للتنقل بين أكثر من "تريند"، فيما تُمارس عليهم جماليات الأليف المختلف، تأثيراً شبه منوّم، ويشكو المتابعون من تعلق إدماني، ويضطر بعضهم إلى مسح التطبيق من حين إلى آخر للتغلب عليه. 

يتشارك "تيك توك" في خصائصه، الكثير من المنصات التي سبقته. لكن أكثر ما يميزه هو اعتماده على الأداء الاستعراضي للمشاركين فيه. أداء جسدي، النص المكتوب أو الصوتي يكون في حده الأدنى، أو خلفية في معظم الأحيان. المشاركون ليسوا أعضاء في شبكة صداقة مثل فايسبوك، وليسوا معلقين أو مساهمين في إنتاج نصي كما في تويتر. بل هم مؤدون، في منصة هي ساحة عرض مرئية، أكثر منها أي شيء آخر، وعبرها يوجهون مادتهم إلى جمهور/متابعين، ويمكن لأفراد هذا الجمهور أن يكونوا نجوماً أيضاً إن حاولوا. 

في مصر، تشن الأجهزة الأمنية حملة ممنهجة ضد "فتيات التيك توك"، بمساعدة تقليدية من عدد المحامين المداومين على رفع قضايا الآداب العامة، وبمساعدة أكبر من عدد من المؤثرين عبر منصات رقمية أخرى، وبالأخص "يوتيوب". إمكانية تقديم محتوى أمام جمهور واسع، من دون تحكم أو رقابة مؤسسات السلطة، تزعج الجميع، لكن أكثر ما يبدو مزعجاً في ذلك المحتوى، ويجعله أكثر إزعاجاً حين يتعلق بالنساء، هو أن يكون ذلك المحتوى هو أداء، وأداء بالجسد تحديداً. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب