آخر تحديث:19:02(بيروت)
الجمعة 31/07/2020
share

جاكلين الشابّي... معاني كلام القرآن زمَن فترته الأصليّة

المدن - ثقافة | الجمعة 31/07/2020
شارك المقال :
جاكلين الشابّي... معاني كلام القرآن زمَن فترته الأصليّة
يصدر قريباً عن منشورات الجمل كتاب "رَبُّ القـَبـائـل، إسلام محمّد" للباحثة جاكلين الشابّي، ترجمة ناصر بن رجب. والشابي، مستشرقة فرنسية، وُلدت عام 1943، أستاذة شرفية في مجموعة من الجامعات، تخصصت في دراسة التاريخ الوسيط للعالم الإسلامي، ودرست أصول الإسلام بمقاربة أنثروبولوجية تاريخية. أستاذة مبرزة في العربية وحاصلة على الدكتوراه في الآداب. ننشر هنا مقدمة الطبعة لعربية بالاتفاق مع الناشر.


كيف تطّور معنى اللّفظ الذي كان سابقا يفيد بالأساس العلامة الدّالة على الطّريق وإنارة درب المسافِر إلى الدّلالة على معنى جديد يصف قدرات الله الخارقة ويحثّ على الإيمان به؟ قد يبدو هذ السّؤال غريبا. ومع ذلك، فهو يمثّل واحدة من المفارقات التي يدعونا إليها نصُّ القرآن. فنحن قلّ ما نجد خطابات يستند فيها البحث عن الإيمان على الأرضيّة الخاصّة للمحيط الطّبيعي والبشري بصورة مكثّفة مثل تلك التي يعتمدها خطاب القرآن. وهذه الظّاهرة لم يلاحظها إلاّ القليل من الباحثين، وذلك بالرّغم من أنّها نُحِتت في الكلام القرآني نفسه وترسّبت فيه كأحفورة لا تمّحي مهما كانت تصاريف الزّمن. فآثارها الخاطفة تظلّ وكأنّها مرسومة في اللّغة القرآنيّة نكاد نراها لو أمعنّا النظر قليلا واجتهدنا كما ينبغي لتتبّع المؤشّرات التي تقودنا إلى الكشف عن خبايا وجودها.

إنّنا غالبا ما نميل إلى الاعتقاد، فيما يتعلّق بالشّأن الدّيني، بأنّ المُتعالي، الماورائي، هو الذي يقود زمام فهم الأشياء وإدراكها. ولكنّ هذا غير صحيح دائما، إذ أنّ الواقع الملموس هو الذي يصنع أحيانا التصوُّر ويدمَغه. فالفكر ينصهر في ضرورات الفضاء الذي يعيش فيه ويصطبغ بها. إنّ مثل هذا الحديث يقودنا بطبيعة الحال إلى العودة بالقرآن إلى سياق زمنه الأوّل، سياق المحيط الذي انبثق منه. وهذا يعني أيضا اعتبار خطاب القرآن على أنّه مندرج في متناهية زمَانيّة للمجتمع الذي عاش فيه القارئ (محمّد) لما كان قبل كلّ شيء عبارة على كلام موجَّه للنّاس المعاصرين له والذين يعيشون في مجتمعهم الخاصّ بهم. هذا المجتمع كان مجتمع شبه الجزيرة العربيّة المنحصر ضمن حيّز ترابيّ ضيّق جدّا في البداية، منطقة الواجهة الغربيّة لشبه الجزيرة المترامية الأطراف، الممتدّ بين مكّة والمدينة، على مسْمَع من الحواضر الصّغيرة والقبائل البدويّة المترحِّلة في محيط هاتيْن المدينتيْن اللّتيْن أسّستا على التّوالي الإسلام الأوّل.

ولهذا، فليس من الغرابة في شيء أن يلتزِم التّاريخ (والمؤرِّخ) بالتخلّي عن كونيّة المعنى، حتّى وإن كان ذاك المعنى هو الذي يقوله دين أصبح امبراطوريّا ثمّ عالميّا يُعطي لنفسه الحقّ، كلّ الحقّ، في تبليغ حقيقته للنّاس أجمعين. وذلك من جهة أنّ التّاريخ لا يشتغل على ما هو سّماوي في مطلَق يتجاوزه. بل هو يعمل بأكثر تواضع، إذ يركّز همّه على محاول فهم الطّريقة التي من خلالها آمَن أناسٌ من منطقة مّا، ومن فترة معيَّنة، وكيف تصوّروا الإله وعبدوه وأقاموا له الشّعائر.


أهل القرآن، وأهل البيْبل

هناك تمييز آخر يجب طرحه منذ الوهلة الأولى بأشدّ ما يمكن من الوضوح. فالإسلام، الذي نزح مغتَربًا في الأمصار التي فتحها أواسط القرن السّابع ميلادي، وقبل أن يقبَل في نهاية الأمر ودون أيّ تحفّظ، بعد ما لا يقلّ عن مائة سنة، بإدماج الشّعوب المحليّة غير القبَليّة، لم يكن أناس القرآن في وضعيتهم الأولى هم أناس البيْبل. ولا ينبغي بأيّ حال من الأحوال الخلط بينهم وبين سكّان المناطق الحضريّة والزّراعيّة للمَشْرِقيْن، اللّذيْن لهما تاريخ يُعدّ بآلاف السّنين، من المشرق المتوسِّطي إلى مشرق بلاد ما بين النّهرين وبلاد بابِل الذي يتاخِم هو نفسه العالم الإيراني، القريب والبعيد في نفس الوقت والمختلِف بحكم ولاءاته السّماويّة الزرادشتيّة التي لا علاقة لها بعالم البيْبل.

لقد كان أصحاب القرآن أناسا مغايرين تماما، على عكس سكّان تلك الأراضي العتيقة. فهم ينتمون إلى عالَمِ رُعاة الإبل الغريب والمنبوذ والذين يتّبعون شِعابا مجهولة يتيه فيها دون رجعة كلُّ مَن لم يعرف مساراتها ولم يتمرّس على مسالكها. شمالا، عند حوافّ منطقة يهودا للصّحراء الموحشة، صحراء تضيع إلى ما لا نهاية نحو الجنوب؛ فمن أبواب أورشليم، المدينة المقدّسة، أين تبدأ كلّ عام مطاردة كبش الفداء الذي يهيم بين الأحراش لكيلا يعود أبدا. من مؤاب إلى إيدوم والتي لا حدود بعدها، هؤلاء الآخرون، الذين ليسوا بشرا بأتمّ معنى الكلمة من وجهة نظر البيْبل، ودائما يراهم كأعداء يجب محاربتهم، هم مَن يسكُن مكان الموت والهلاك. رجال كبرياء وغُلوّ hubris كما كان يقول قدماء الإغريق، تقودهم انفعالات جامحة تدفعهم إلى المشاجرة والاقتتال على الدّوام، فهم يبدون وكأنّما تسكنهم وحشيّة منغرسة في طبعهم. كيف لا، أليسوا من أرض الشّيطان عزازيل (عزرائيل في القرآن) التي يُساق إليها كبش فداء إسرائيل حيث يُقدَّم هناك كقربان للتّكفير عن الذّنوب؟

هذا الفارق الجوهري بين نوعيْن من البشريّة الذي يتمّ تصوّره من وجهة نظر رجال الشّمال في رؤيتهم لجنوب الجزيرة العربيّة، لا ينبغي أبدا التّقليل من شأنه عند مقارنة كلام القرآن مع ما يقوله البيْبل، وذلك بالرّغم من أنّ القرآن يبدو أنّه يتحاور مع البيْبل، وهو بالفعل ما يحدث غالبا، من خلال استحضاره شخوصا قديمة، من موسى إلى إبراهيم، يجعل منها مرجعيّاته الأساسيّة. ولكن، يجب ألاّ نخطئ التّقدير على الإطلاق، فالقرآن يتحدّث عن البيْبل ولا يتحادث مع البيْبل ناهيك عن البيْبل الذي يتحادث مع القرآن. فالكلام القرآني هو عبارة عن مونولوغ حتّى وإن اتّخَذ في أغلب الأحيان شكل حوار. وهذا ما سيفضي من جهة أخرى إلى سوء فهم رهيب. وهو ما سنراه بوضوح في المدينة عندما سيمتنع أهل التّوراة المحلّيّين، أي يهود المدينة، امتناعا باتّا عن التحاور مع القرآن، ويعترضون بكلّ عنف على الرسالة النبويّة على مرأى ومسمع من محمّد وهو يقف مشدوها من غير حول منه ولا قوّة.

في الواقع، حتّى في الحوار العاديّ جدّا، فإنّنا لا نسمع بالضّبط فحوى الرّسالة التي يُراد تبليغها لنا. فما بالك إذن عندما يتعلّق الأمر بحوار يحمل مثل هذا الكمّ من الرّهانات؟ أن تتحدَّث عن الآخر هو بشكل من الأشكال أن تتحدَّث قبل كلّ شيء مع نفسِك وليس مع الآخر. سيَعي محمّد ذلك على حسابه الخاصّ أو بالأحرى سيُكْرَه عليه كرها وذلك دون أن يتوصَّل أبدا إلى فهم طبيعة الرّفض الذي جوبِه به. إذ أنّه سيُواجه ما نسمّيه عادة بحوار الصُمّ. ومحمّد، الباحث عن الحوار لمساندة قضيّته وضمّ النّاس إليها، سيجد نفسه في وضعيّة متناقضة. فكلامه لا يُسمَع إلاّ بعد وقوع حدث مّا، يُقرُّ به هو في النّهاية، يأتي مصدّقا لخطابه أمام أولئك الذين كانوا يرفضون الاقتناع بمجرّد كلام مُلْهَم كان قد وجِّه لهم. وهو ما سيُمّيه المأثور الإسلامي لاحقا "أسباب النّزول" حيث يأتي الحديث أو القرآن لتقرير هذا الفعل أو ذاك.


الخطاب والخطاب المضادّ
لنتناوَل الأشياء من بدايتها. إنّ الحوار الذي يريد محمّد إثارته هو الحوار مع قريش في مكّة، القبيلة التي ينتمي إليها. إذ نرى في الجزء المكّي من الخطاب القرآني أنّ المستَهدَفين، والوحيدين في تلك الفترة، هم أفراد قبيلته، الذين يقول محمّد، وهو مجرّد فرد من أفراد القبيلة آنذاك ("صَاحِبُكُم"، سورة التّكوير، 22)، أنّه جاء يُبلِّغهم ما نزل عليه من الوحي. ومن المعروف أنّ هذا الخطاب المبكِّر، الذي يُشكِّل في مقاصده الجزء الأكثر أهميّة في القرآن، وقع تفنيده بقوّة. ومحمّد، "المِنْذِر"، سيقوده تجرُّؤه إلى حدّ إخراجه من أسرته ومن قبيلته (لعنة عمّه، أبو لهب، سورة المسد). إذ أنّه سيضطرّ إلى مغادرة مكّة واللّجوء إلى حيث يستطيع إلى ذلك سبيلا. ستكون يثرب (المدينة لاحقا)، على بعد أقلّ من 500 كلم شمال مكّة، ملاذه الأخير ومُستقرَّ هجرته.

ستكون وضعيّة محمّد خلال فترة هجرته في المدينة مختلفة اختلافا نسبيّا عن وضعيّته في الفترة الأولى. وبالفعل، حتّى يتسنّى له فرض نفسه في مجموعة قبَليّة غريبة عنه، كان لزامًا عليه أن ينطلق في عمل سياسي وعسكري في آن واحد ويثبِت أنّ القَدَر كان إلى جانبه، أي أن كلّ أعماله تكلّلت بالنّجاح. فقد كان هذا هو الثّمن الذي جعل قبائل المدينة أوّلا، ثمّ مجمل قبائل العربيّة الغربيّة تتبَعه على إثر بعض الغزوات النّاجحة ضدّ القبائل المعادية له. وسيتمّ ذلك بحسب الأعراف والأشكال التّقليديّة للقتال المتّبعة في مجتمع الجزيرة العربيّة في تلك الفترة، أي استخدام الهجوم المفاجئ، "غارة"، الذي كان مقبولا تماما. تجدر الملاحظة أنّه خلال هذه المرحلة الثّانية، التي يعكسها الجزء المدنيّ من القرآن، نرى أنّ الخطاب لم يعد يُلقى كتمهيد لتداعيات متوقّع حدوثها (كما كان عليه الحال بالنّسبة لدعوة أهل مكّة للإيمان بالدّين الجديد طيلة المرحلة السّابقة)، بل بالأحرى بعد وقوع الحدث. فقد أصبح الأمر متعلّقا حينئذ بالمصادقة عليه وتبريره من خلال إعطائه بالقول الموحى تأييدا إلاهيّا. فمحمّد في هذا المحيط الجديد، بعد أن كان مجرّد "منذِر" قَبَليّ مكّي أمام عشيرته، اكتسب أمام الآخرين مكانة نبيّ ورسول يُبلِّغ كلام الله على غرار أنبياء ورسل البيْبل الذين سبق وأن تحدّثت عنهم قصص القرآن في الفترة المكيّة.

خلافا لما يحدث في المدينة، نرى أنّ مَن يحمل الكلام القرآني المكيّ هو إذن رجل ما يزال يُخاطب قبيلته بالذّات فقط ولا أحد غيرها. وغنيّ عن البيان أنّه لم يكن واردا في ذهن محمّد أن يقاتل عشيرته بحدّ السّيف. المعركة الوحيدة المتاحة هي إذن معركة الألفاظ التي تُتبَادَل باللّجوء إلى كلّ المخزون البلاغيّ الذي من شأنه أن تقود إلى الإيمان. غير أنّ هذا لا يتمّ دون عنف من كلا الطّرفيْن، عنف في التّعبير والصّيغ، عنف في الخطاب، وفي الخطاب المضادّ وما يترتّب عن ذلك من جواب. وهذا الخطاب يقدِّم هذه الميزة الجوهريّة المتمثّلة غالبا في استعادة كلام الخصوم أو على الأقلّ في السّماح بتخمين مضامينه. يكون من المفيد إذن أن نضع مقابل الخطاب الظّاهر لنصّ المصحف الخطابَ الذي أصبح غائبا عنّا منذ تلك الفترة والذي يكون معارضو محمّد قد تفوّهوا به. هذا بطبيعة الحال شريطة أن يسمح لنا النصّ القرآني بأن نستشفّ، ولو جزئيّا، محتوى ذاك الخطاب الغائب.


بالرّغم من تعرّضه لإخفاقٍ مستمرّ، ولرفضٍ متعنِّت للاستماع إليه، مهما كانت طبيعة الحجّة التي يستعملها وقوّة الإقناع التي تحفزه، فإنّ كلام القرآن سيتوسّع نطاقه ويتناسَخ إلى ما لا نهاية. فالتكرارات القرآنية التي لا تُعَدّ ولا تحصى هي التي تُسبِّب عائقا للقارئ غير المطّلِع في يومنا هذا. وكلام القرآن يتضخّم ويتورّم في محاولة لكسب معركة الألفاظ ليس بغية إهلاك المعارِض والقضاء عليه قضاء مبرما، بل من أجل جلبه وكسب تأييده. غير أنّنا نعرف أنّ هذه المحاولات كانت قد باءت كلّها بفشل ذريع. وهو ما جعل الخطاب المكّي ينتهي بالظّهور في مظهر متشائم فيما يخصّ هاته المسألة. فهو يذهب أحيانا إلى حدّ التّعبير عن يأسه بعد أن فقد محمّد أمله الجنوني، وهو الذي كان قد اعتقد لفترة طويلة أنّه قادر على كسب إيمان عشيرته بما جاء به وولائها له. إنّ مقاربة هذه المدوّنة اللّفظيّة التي زُعِم أنّها مكيّة (الأمر لا علاقة له بطبيعة الحال بترتيب السّور إلى مكيّة وأخرى مدنيّة كما نراه الآن في المصاحف) والتي يمكن أن نجتهد في تجميعها فإنّنا نرى فيها الخطاب يمرّ باستمرار من الإثبات القطعي، إلى التّقرير ثمّ إلى الرّد الذي يبحث بدوره أن يترسّخ داخل تكرار يحمل في ذاته يقينا لا يتزعزع. ولكنّ هذا الخطاب الذي يغلب فيه الطّابع المكّي، وكما هو عليه بالتّحديد بحكم طابعه الصّدامي مع المعارضين والمجادلين هو أيضا وبصفة جدّ ملموسة يكشف عن علاقة بالعالَم، وبمجتَمع وبحالة ذهنيّة معيّنة.


في وظيفة الآية في القرآن

الآية التي تدَّعي، في أقوى معانيها، أنّها تعبير دالّ، بل وأكثر من ذلك أنّها البلاغ المبين، تجد نفسها تتربّع وسط منظومة الكلام القرآني. فهي تشكِّل حجر الزّاوية لتصوّر عالَمٍ لا يتوصّل إلى الإعلان عن نفسه إلاّ لأنّه بالأساس أوّلا وقبل كلّ شيء هو عالَم حيّ ينبض لدى كلّ شخص ينتمي إليه هو من أهله. الآية القرآنيّة تتميّز بوضوحها. فهي مرئيّة بدرجة لا يمكن معها أن تخطئها عين. إذ يمكن أن نقول عنها بالتّعبير الدّارج أنّها واضحة وضوح الشّمس في الظّهيرة. وهذا الحضور الواضح جوهريّ في حدّ ذاته. فلا يمكن ألاّ يراها إلاّ الأكمَه، إذ هي تتعلّق بصورة أو بأخرى بحقيقةٍ تُعمي الأبصار بقدر ما هي حاضرة بقوّة. ولكن، إذا كان الإدراك الحسّي للآية القرآنيّة بهذا الزّخم، فذلك لأنّها قبل كلّ شيء تستند مباشرة إلى أُسٍّ مادّي، إلى نمط معيّن، وأكثر من هذا إلى ضروراتٍ حياتيّة محدَّدة. وبالتّالي، فلا غرابة في أن تبقى الآية مرئيّة بشكل ملموس حتّى عندما تهاجر داخل فضاء لم يُصبِح شيئا آخر غير فضاء من الكلام والتصوّر.

والآية، هذه العلامة السّاطعة بنورها، هي التي تشير اليوم إلى المقاطع التي تتكوّن منها سور القرآن. وهذا يُظهِر كم أنّ اللّغة العربيّة المعاصرة، وحتّى إلى حدّ مّا العربيّة الكلاسيكية التي يمكن أن نسمّيها العربيّة ما بعد قبَليّة، هي نَسّاءَة لمعنى ألفاظ القرآن في سياق استعمالها الأوّل، سياق النبيّ وهو يواجه عشيرته في مجابهةٍ كانت حقيقيّة ومُعاشَة. وعندما نتساءل عن معنى الآية كشيء مادّي فإنّنا نجد مقطعا قرآنيّا من سورة الشّعراء، 128، 129، يقدّم لنا عنصرَ إجابة ذا أهميّة فائقة. فحتّى وإن كانت اللّفظة، "آية"، ترد فيه بمعنى سلبيّ فهذا ليس من شأنه إلاّ أن يدعِّمها ويجعلها أكثر دلالة.

المقطع الذي أشرنا إليه آنفا يتعلّق بقوم عاد، الشّعب العربي الأسطوري، الذي غالبا ما يرد مقترنا بصنوِه القرآني، أي أقوام ثمود الذين هم كلّهم من المكذِّبين. وهم بتكذيبهم هذا يمارسون شتّى أنواع الآثام التي يشجبها القرآن. وبالمناسبة، هذا المقطع التي نتحدّث عنه هنا يتعلّق بقوم عاد بمعزل ولو لمرّة واحدة عن ثمود. سيصبح هود، عبر تدرّج القرآن، الرّسولَ الخاصّ بهذا الشّعب الذي يُفسِد في الأرض (كلّ شعب يبعث الله فيه رسولا من بين أفراده يُنذِره بعاقبته الوخيمة إذا كذّب بالرّسالة التي يحملها)؛ وعلى هذا المنوال، يقوم هود، المنذِر، بالتّنديد بصنيع قومه في خطاب يُفتَرض فيه أنّه سيعيدهم إلى الطرّيق السّوي:

"أَتَبْنُونَ [أتجرؤون على بناء منازل] بِكُلِّ رِيعٍ [كلّ مكان مشرف من الأرض مرتفع] آيَةً [أي ظاهر للعيان مثل علامات الطّريق] تَعْبَثُونَ [ولكن عبثا تفعلون ذلك، فما ذلك إلاّ لعب ومجون] وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ [قصور وحصون مشيّدة لا تتهدّم] لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [وكأنّكم ستبقون في الأرض خالدين فيها، وليس ذلك بحاصل لكم، بل زائل عنكم، كما زال عمّن كان قبلكم]".

والجذر "خ/ل/د" يطرح إشكالا من حيث التصوّر في سياقه الأصلي؛ فهو يدلّ على فكرة الدّوام وطول العُمر مع الاحتفاظ بنضارة الشّباب، فالشّيخ الطّاعِن في السنّ لا يشيب ويبقى نضرا كشابّ في مقتبل العمر.

في محيط عيش كهذا، يسكن فيه النّاس منازل هشّة ومؤقَّته، من خيام أو منازل من طين (في الواحات)، التي مآلها الخراب السّريع، فإنّ الأبنية الحجريّة والهياكل الصّلبة جدّا التي يُفتَرض أنّ بقاءها يتجاوز عمر الإنسان بكثير، تُعتَبر لا فائدة منها. وتعنُّت الإنسان على وسْم حضوره على الأرض من خلال منشآت غريبة في مثل هذا السّياق المحلّي يُعتَبر عملا شنيعا، مِلْؤه الكبرياء والغرور، من شأنه الإساءة للذّات الإلهيّة. ونحن نجد هنا، في صياغة مختلفة عن صيغ القرآن الأخرى، مثالا لما يمكن أن نُطلِق عليه "المُتلازِمة الفرعونيّة للقرآن" (le syndrome pharaonique du Coran).

بمعزل عن السّياق الخاصّ لشبه الجزيرة العربيّة كفضاء جغرافي يُخضِع سكّانَه لشروط عيش قاهرة في وسط قاحل، شحيحة أمطاره، فإنّه من الصّعب أن نفهم لماذا يُعتَبر تشييد أبنية فوق المرتفعات على أنّه تحدٍّ للإله. وبناء على ذلك، نرى أنّ مترجمي القرآن، بسبب عدم لجوئهم لتحليل سياقيّ للنصّ، لم يفهموا جيّدا معنى هذا المقطع. إذ لا يمكن فهمه إلاّ إذا أخذنا بعين الاعتبار الوسط الحيوي الذي يعيش فيه أناسٌ من هذا العالَم الذي يكون فيه النّافل من الأشياء منبوذا وغير مرغوب فيه، لا لشيء إلاّ لأنّه لا يُسهِم أبدا في الحفاظ على الحياة.

ولهذا ينبغي للآية، لكي تُصبِح إيجابيّة، أن تُثبِت مدى جدواها والفائدة التي تعود بها على البشر. والآية (الصّرح) المنصوبة فوق مرتفع لا معنى لها ولا يمكنها أن تكون مكان عيش ومسكَن. فهذا ضرب من الجنون. إذ أنّ المرتفعات المقفرة التي لا ماءٌ فيها ولاَ كَلأٌ هي أرض موحشة لا يأنسها البشر ولا يختلفون إليها. فهي تنتمي لفضاء الجنّ، وأرواح الصّحراء الشرّيرة. أمّا حياة القبائل، فإنّها تتمركز في المنخفضات وفي أسفل الأوديّة مثل "بطن" مكّة (الذي تتحدّث عنه سورة الفتح، 12 "وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ")، قريبا جدّا من ماء البئر الجوفيّة. والبدو، من ناحيتهم، ينصبون مرابعهم في وِهَاد تكون مختفية عن الأنظار خوفا من الإغارة عليهم وتوقيّا بقدر المستطاع من عنف عوامل الطّقس وما تسبّبه من خراب ودمار. ولهذا نرى أنّ التصوّر للرّياح العاصفة في القرآن يمثّل عقوبة من تلك العقوبات المرعِبة التي هي إمّا تهديد للشّعوب المكذِّبة بالاندثار والثّبور، وإمّا انذار بقدوم موعد يوم الحساب.

فهنا إذن، وبالتّضاد، نرى المعنى يشرع في بناء نفسه، ونفهم بشكل أفضل ما تعنيه اللّفظة في محيطها الأصليّ. فالآية فوق المرتفع يمكن أن تكون إيجابيّة، ولكن في هاته الحالة لا يمكن أن تتعلّق إلاّ بعلامة طريق، بإشارة لا ينبغي أن يخطئها المسافر، ومنارة تهدي النّاس حتما ليبلغوا مقاصدهم سالمين. من جهة أخرى، نرى أنّ هذا هو المعنى الذي سعى إليه رودي باريت (Der Koran, Weg Zeichen, sub XXVI, 128)، (Weg Zeichen = علامة الطّريق)، وهو المترجم الذي يبلِّغ عموما أفضل تبليغ عن نصّ القرآن، حتّى وإن بدا أنّه لا يُقَيِّم البعد الحقيقي للخلفيّة الواقعيّة الملموسة للصّور المحليّة القويّة جدّا التي ينقلها الكلام القرآنيّ. وسورة الفتح، 20 "وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا"، حتّى وإن كانت سورة متأخِّرة، فهي تقدّم لنا صياغة جليّة تماما للاقتران الدّلالي للطّريق (صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا)، بالإرشاد (وَيَهْدِيَكُمْ)، وبـ "الآية" على أنّها تشير إلى "علامة الطّريق".

وفي الإبّان، سرعان ما تلقَّف خطاب القرآن المكّي هذه اللّفظة. ففي هذا المجتمع الذي كان شُغلُه الشّاغل وضع علامات لتأمين طرق القوافل حتّى تصل إلى برّ الأمان، فإنّ الجانب العقلاني لا يتورّع عن الارتكاز على تصوّرٍ بهذه الحيويّة لكي يُثبِّت وجاهته ومشروعيّته. وعلى هذا النّحو نرى أنّ "الآية"، بشكل من الأشكال، وقعت مصادرتها من طرف الكلام القرآني ليفرضها كتعبير بامتياز عن "المشيئة الإلهيّة". فقد أصبحت اللّفظة بمثابة دعامة حاسمة في محاولة حمل النّاس على الإيمان، إلاّ أولئك الذين يتمادون في انكارهم لما هو بديهيّ جدّا، أي ما تأتي به الآية، حسب ما يؤكِّده لنا القرآن.

هذا التّكتيك المرصود لبناء المعتَقَد الجديد يفضي إلى زخم من الآيات يُدعى النّاس إلى التعرّف عليها على أنّها التجلّي السّاطع للحضور الإلهي وقدرته الخلاّقة. ولفظة "آية" تأتي في صيغة المفرد كما في صيغة الجمع "آيات"، وذلك في صياغات مختلفة كلّها تدعو النّاس إلى التعقّل: "كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (البقرة، 242؛ إلخ...). فالنظام الطّبيعي للسّماوات والأرض، وتعاقب اللّيل والنّهار، والاتّجاه الذي تنفخ فيه الرّياح، والطّريقة التي تتوزّع فيها الأمطار الموسميّة فوق الأراضي القبَليّة، واخضرار المراعي وتكاثر قطعان الأنعام، ومصير النّاس والشّعوب؛ كلّ هذا يُصبِح دالاّ إلاهيّا من خلال استعمالٍ واسعِ النّطاق لمصطلح "آية". وعليه فإنّ النّاس ينبغي عليهم أن يتِّبعوا، كما يتّبعون الطّريق التي تقود إلى برّ الأمان، المسارَ الذّهني المرسوم (واضح المعالِم) الذي سيقودهم إلى التعرُّف داخل كلّ شيء نافعٍ لهم على آية دالّة على الحضور الإلهي. ومن هنا ستصبح المدوَّنة النصيّة التي ستَشحَذ هذا المفهوم وتنحته بالغة الأهميّة.

وبالرّغم من ذلك، نلاحظ أنّ هذا الخطاب المُلهَم أخفق إخفاقا ذريعا في مجتمع القبائل البراغماتي؛ وهو ما أثار انتقادات قرآنيّة لاذعة عن عماء النّاس وزيغهم وهم يرفضون بصورة غير مفهومة الإقرار بما يرونه بأمّ أعيُنهم كما يقول القرآن: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ".

عندئذ، ينقلب الخطاب ضدّ ذاك الذي يلقيه أمام عشيرتهن أي ضدّ محمّد. إذ تردّ القبيلة بخطاب مضادّ تطلب منه فيه الاتيان ببراهين، وهذه البراهين ينبغي لها أن تكون ماديّة ملموسة حتّى تتأكّد وتؤمِن بها. ونرى القرآن يردّد، بشيء من الحسرة والأسى، هذه المطالِب في عدّة مقاطع ويعتبرها مجرّد هراء وعبث.

والمقطع 90-93 من سورة الإسراء هو ولا شكّ أبلغ ما جاء في القرآن في هذا الصدد:

"وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا"

ثمّ تتبع قائمة من المطالب، كلّ واحدة منها أكثر عبثيّة من الأخرى:

"أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا"

إذا كان هذا الطلب مكيّا فهو بالفعل غير واقعي بالمرّة، إذ أنّ مكّة ليست واحة على الإطلاق.

"أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا (أي قِطَعًا: وهي مذكورة في مقاطع قرآنيّة أخرى على أنّها آيات إلاهيّة يبدو أنّ القرآن يحرص عليها حرصا شديدا ويشدّد عليها، غير أنّها على ما يظهر كانت قد أثارت سخريّة عشيرة محمّد) أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً"،

"أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا (المفروض أنّه كتاب ما ورائي فقط) نَّقْرَؤُهُ (أي نقرأه بمثابة القرآن) قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً (مازال الأمر لا يتعلّق هنا بمنزلة "الرّسول" عند الله، بل بمجرّد صفة له)".

فهل ينبغي علينا أن نأخذ هذا الخطاب على أنّه خطاب حقيقيّ، أم هو خطابُ حُنْق وغُلوّ يُراد به الاستهزاء بكلام الخصم؟ نحن نعرف من خلال مقاطع قرآنيّة أخرى أنّ محمّدا كان محلّ سخرية واستهزاء من طرف عشيرته. وقد وردت مشاهد تصف ذلك بشكل متواتر جدّا في القرآن، الشيء الذي يضفي مصداقيّة على حدوث هذا الاستهزاء فعلا. إذن، فهل يكون الأمر متعلّقا بسّخرية مُغرِضة مُشِطّة؟ حتّى وإن كان من المستحيل علينا تأكيد ذلك، فإنّنا نستطيع على أيّ حال أن نفترض بأنّه وقع بالفعل طلب الاتيان بآيات بيّنات عبّرت عنه العشيرة حتّى وإن لم تكن هي ذات الآيات التي طالبت بتحقُّقها فورا على مرمى أبصارها.


الآية بين الرّجاء والتحقٌّق

كانت العلاقة بين محمّد، المبلِّغ للكلام الموحى، وبين قبيلته قد وصلت إلى طريق مسدود تماما. وفي هذه اللّحظة الحاسمة، حيث كان فشل هذا الخطاب يبدو أنّه أصبح صريحا لا رجعة فيه، كان محمّد يأمل في أن يُكرِمه ربّه بمعجزة مّا. وهذا على ما يبدو الشيء الذي يقوله مشهد ذو نبرة مكيّة، بالرّغم من تموضعه في مجموع يحتوي أيضا على آيات مدنيّة صريحة (بالخصوص تلك التي تتعلّق بدين الحنيفيّة، دين إبراهيم)، الذي تصوِّره الآية 35 من سورة الأنعام:

"فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ". أي أنّ الله هنا يسأل محمّدا ما إذا كان باستطاعته، حتّى يُقنِع عشيرته، أن يتَّخِذ سَرَبا في الأرض، أو مَصْعدًا يصعَد فيه كالدَّرَج، فاليَفعَل.

هل يمكننا أن نفترض أنّنا نعثر هنا على أثرٍ للموضوعة البيبْليّة المتعلّقة بسُلَّم يعقوب؟ السّؤال يبقى مطروحا.

لكنّ بطبيعة الحال لن يقوم محمّد بأيّ شيء من هذا القبيل، ولن يصنع سلّما ولن يحفر نفقا، ذلك لأنّ الله هو وحده الذي يقرّر حسب مشيئته أن يهدِي أو لا يهدي الذين يتعنّتون في تكذيبهم بآياته. هذا في حين أنّ أهل مكّة، هؤلاء الذين يرفضون الإيمان بهذه الآيات ويمعِنون في تكذيبهم، كُتِب عليهم أن يظلّوا في غيّهم يعمهون كما تقوله عنهم الآية 39 من نفس السّورة: "وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ".

في الحقيقة، يبدو أنّ الحلّ كان مختلفا. فحتّى لا يَغْرق المُنْذِر، محمّد الذي أُسِئ فهمه، في اليأس التّام وحتّى يستطيع أن يستمرّ في إيمانه بقضيّته، يبدو أنّه اقتفى آثار موسى، سلفه الذي أُعْجِب به شديد الإعجاب. موسى الذي كان، بأمر صريح من ربّه، قد واجه فرعون مصر الذي يعتبره القرآن، وهو يستعيد ما قاله البيْبل، أسوأ طاغية متجبِّر حملته الأرض.

إنّ قصّة هذا الملك الدنيوي الجبّار والنبيّ موسى تشكّل دون منازع أهمّ القصص القرآنيّة التي وردت في الفترة المكيّة. فهي تضع على الرّكح، من جهة، فرعون وهو يحدّى الرّبّ مباشرة من خلال بناء "صَرْح" (هل هو تصوّر للأهرام؟) حتّى يستطيع به الصّعود إليه (سورة غافر، 36: "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا..."، 37: "فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى")؛ ومن جهة أخرى، موسى الذي يطلب منه ربُّه أن يذهب إلى فرعون لكي يهديه بعد أن تلقّى كلام ربّه: "إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى" (سورة النّازعات، 16 وهي أقدم آية في هذا الموضوع).


وهنا أيضا، ليس بإمكاننا إلاّ أن نلاحظ بأنّ الأمر يتعلّق كذلك بآيات. فحتّى يكون لموسى ما يلزمه من القوّة لإتمام رسالته فإنّه يضطرّ إلى إظهار الدّلالة الكبرى لفرعون: "فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى" (النّازعات، 20)، أي أنّ موسى أرى فرعونَ تلك الآية، التي هي يده التي أخرجها بيضاء للنّاظرين، وكذلك عصاه إذ تحوّلت ثعبانا مبينا؛ وهنا يتحّدث المفسّرون، من بينهم الطّبري مثلا، عن آيتيْن (أي يد موسى وعصاه).


سنختم هذه المقدّمة، التي أفردناها للتّرجمة العربيّة لكتاب صمّمناه وكتبناه منذ ربع قرن، بتساؤل نتركه مفتوحا وعلى محكّ الدّرس والتّفكير. وهو التّساؤل المتعلّق بالآية الأولى من سورة الإسراء، وهي سورة استخدِمت كمبرِّر عند العديد من التّفاسير وفي القصص التي تجتاحها من كلّ جانب الخوارق والعجائب لتُغذّي بذلك، وإلى ما لا نهاية، المُعتقَد الجماعي.


بيد أنّه، إذا رجعنا إلى النصّ القرآني نفسه، وإلى الاستعمال الذي خُصِّص، هنا أيضا، للفظة "آية"، كتعبير عن الدّليل القاطع، فإنّنا يمكن أن نتساءل لمعرفة ما إذا لم يكن "الإسراء" (السّفر اللّيلي والأرضي)، الذي يقع الحديث عنه في هذا المقطع (تجدر الإشارة إلى أنّه لا يشتمل على أيّ "معراج") هو الذي ربّما سيقود السّاري إلى الوادي المقدّس الذي يقع على يمينه والذي يُسمّيه القرآن "طُور": "جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ" (سورة القصص، 29؛ طه، 80)؛ ذاك الطُّور، أين أوحى الرّبُّ ما أوحى من الأحكام والشّعائر إلى موسى، وهو مكان "العُلَّيْقَة المشتعِلة"، التي يرى فيها البيْبل نارا نهاريّة وملتهبة في حين أنّ القرآن يقول أنّها ليليّة ("ذُكِر أنّ ذلك كان في الشتاء ليلا"، الطّبري، تفسير)، مَثلُها في ذلك مثل كلّ الأماكن التي ألهمَته.

 

 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها