آخر تحديث:14:39(بيروت)
الخميس 30/07/2020
share

ماريو فارغاس يوسا يشرب الشاي في بغداد

شاكر الأنباري | الخميس 30/07/2020
شارك المقال :
ماريو فارغاس يوسا يشرب الشاي في بغداد يوسا
كنت أمر بشارع المتنبي بعض الأيام وألتقي بأصدقاء كثيرين، بعضهم غاب منذ قرون، وبعضهم ما زال حيا، والبعض يتشارك معي القارة ذاتها أو الكوكب الأخضر فقط. غابة كتب هو شارع المتنبي، يجتمع فيه الماضي والحاضر، وهو ذاكرة بغداد الآيلة إلى الاندثار. لكن مثلما زار النرويجي كنوت هامسون شارع المتنبي عبر روايته الذائعة الصيت "الجوع"، وكنت اشتريتها من الرصيف ذات جمعة ساخنة، زاره كاتب آخر ما زال حيا، وفد من أرض الهنود الحمر، ورقصات العبيد المجلوبين من أفريقيا، وسحر الماكومبا المبثوث في أشجار الباباي. فوجئ المتنبي بزيارة غريبة لتلافيفه، لقد جاء هنا الكاتب البيروني ماريا فارغاس يوسا بشحمه ولحمه، وانتشر الخبر بين مثقفي بغداد انتشار النار في الهشيم.

قبل ذلك، وحين صدرت الترجمة العربية لرواية "حفلة التيس" ليوسا، عن دار المدى، كنت أعيش في دمشق، وقد أهداني مترجم الرواية صالح علماني نسخة منها. قررت قراءتها فورا، دون توقف، وقد تناول فيها يوسا أجواء السلطة في بلد من بلدان أميركا اللاتينية، وكنت كلما توغلت في الرواية أشعر وكأنني أعرف الأحداث، بل وبعضها عشته أيام كنت في العراق.

حفلة التيس
الشخصيات لا تختلف عن تلك التي سمعنا بها، وعرفنا قصصها، فحفلة التيس تتحدث عن الديكتاتور، كيف يعيش، ويفكر، وينتقم، ويكافئ، ويثأر، وكيف يصنع الشائعات حوله، وفي البلد، من أجل إدامة سلطته. كيف يبتكر مريدوه وحاشيته وسائل التملّق وحبائل الإيقاع بخصومهم والوصول إلى إشباع نزواتهم للمال والنساء والعقارات. عشت مع الرواية تلك، يومين، في غرفة مغلقة، تقع في أزقة جرمانا الدمشقية، ووجدت نفسي في القصر الجمهوري العراقي المطل على نهر دجلة، بقبابه وحراسه وتقاليده، مرمره وهيبة القوة المنتشرة حوله. ورحت استبدل الأسماء اللاتينية بأسماء عربية لساسة، وعساكر، وكتّاب رسميين، وشعراء سلطة، وكان أن التقيت، بعد تلك القراءة، مترجم "حفلة التيس" صالح علماني في مقهى الروضة وسط دمشق، وأول ما سألني عن تلك الرواية، قلت له إنني قرأتها مذهولا، فهي رواية عن شخصية صدام حسين، وعن حاشيته، وعن بذخ السلطة وعنفها، كما كان الحال بالضبط في العراق. وافقني صالح الرأي، وأخبرني أنه عاش الإحساس نفسه، فالديكتاتور هو الديكتاتور، سواء كان في اسبانيا أيام فرانكو، أم في بغداد صدام حسين، أم في أفريقيا عايدي أمين وتشيلي بينوشيه. ويبدو أن ديكتاتور أميركا اللاتينية لا يختلف عن الديكتاتور العربي بتخلفه، ووقاحته، وجهله، وبربريته. السجون وفظاعتها متشابهة، وكذلك الحاشية البائسة المأفونة التي تزيّن له عبقرية لا يمتلكها.

في تلك الحقبة كنت عادة ما أجلس في مقهى الروضة، مع مثقفين سوريين وعراقيين، وشكلت ترجمة حفلة التيس حدثا في الفضاء الثقافي. صحيح أن أحداثها يمكن أن تحدث في بغداد، لكنها وفي ذات المستوى يمكنها أيضا أن تجري في دمشق، الحزب واحد، والحاكم واحد، مما جعل من الرواية متكأ مناسبا لدى المثقفين السوريين المعارضين لكي يعقدوا المقارنات، لكنهم يعقدونها مع نظام صدام حسين، وينسبون له أحداثا دموية جميعنا يعرف أنها جرت في سورية. كان الخوف يرتشف مع كأس الشاي، وفنجان القهوة، وكأس الليمون، على طاولات مقهى الروضة الدمشقي. فارغاس يوسا كتب عن حقبة الديكتاتوريات في أميركا اللاتينية التي انقضت منذ عقود، وحلت محلها ديموقراطيات، مختلف عليها، كما في البرازيل والبيرو وتشيلي والأرجنتين. لكن يوسا على ما يبدو مهووس بتتبع شبح الديكتاتوريات في العالم، رغم فكره المحافظ البعيد عن الثورات. الجميع يتذكر رأيه في الثورة الكوبية، وكيف رشح نفسه للانتخابات الرئاسية عن اليمين، لذلك ما أن سقط نظام صدام حسين حتى سافر إلى بغداد، وكان ذلك في صيف عام 2003 ، أي بعد أشهر فقط من سقوط النظام المدوي على يد أكثر من ربع مليون جندي أجنبي.

بعيني نسر عجوز

يقول الشاعر العراقي حسين علي يونس إنه كان يتسكع في شارع فلسطين وسط بغداد حين التقى صدفة بيوسا، كان يتمشى هناك قرب ساحة بيروت، يتطلع بتلك الوجوه الخارجة من مقبرة، والبنايات التي تشبه عجائز متهالكة، ويراقب الجنود الأميركان بعيني نسر عجوز. ولأن يوسا معروف لدى الكتّاب العراقيين لذلك رافقه حسين علي يونس لبضع ساعات، وكأنه غير مصدق رفقة أشهر كاتب عالمي، وذلك قبل أن يحوز على جائزة نوبل بسبع سنوات. بعد ذلك شاع خبر وجود يوسا في الإعلام والصحافة، وعرف بعدها أنه جاء ليقف على حقيقة الوضع في العراق، ويقترب من الالتباسات المرافقة لهذا البركان العالمي. قيل إنه كان يكتب عن ذلك إلى صحيفة اسبانية على ما أعتقد. سافر يوسا إلى النجف والتقى المراجع الدينية، وحاور قادة الكتل السياسية في بغداد، وسافر إلى كردستان العراق ثم التقى كبار السياسيين والمسؤولين، كما عايش الشارع في تنوعه وتناقضاته، وقدم شهادات لمواطنين عاديين عن التغيرات الجديدة، والنظام السابق، والغزو الأجنبي، ومفهوم التحرير، والاحتلال والمقاومة. كل ذلك من وجهة نظر شرائح واسعة من العراقيين جنوبا وشمالا، شرقا وغربا.

شعرت لدى سماع الخبر بالغيرة والأسف، لأنني ككاتب وإعلامي لم أفكر يوما بالقيام بجهد مثل ذاك، رغم أن هذا من واجباتي الثقافية والوطنية، وفكرت كيف يمتلك هذا الرجل الدافع والقدرة على بذل جهد سياسي وثقافي واجتماعي أقل ما يقال عنه إنه خطر وشاق من أجل رسم خارطة شاملة عن بلد عاش تلك الأحداث المأسوية. وقع يوسا بالتأكيد على منجم من المادة الأولية النفيسة للتحليل، والعرض، والتوثيق، والقصّ، الشيء الذي لم يجرّبه أي كاتب عراقي، سواء كان روائيا أو مفكرا أو شاعرا. كانت اللحظات لحظات تاريخية، لا في العراق فقط بل على الصعيد العربي والعالمي، ومعايشة تلك اللحظات تجربة فريدة لا تنسى. وعدا مشاعر الغيرة تلك كان ثمة إحساس بالأسف، فهنا لدينا كاتب من أميركا اللاتينية اهتم لهذا الحد بالانقلاب التاريخي الكبير الذي حدث في الجزء الآخر من العالم، فتجشم عناء الرحلة، وركب المخاطرة، وجاء إلى شعب غريب عنه في اللغة، والتقاليد، والأفكار، لكي يرى ما يدور على خارطته، ويؤلف كتابا عن تلك التجربة أصبح من أكثر الكتب مبيعاً بعد أن فاز يوسا بنوبل. الكتاب ترجم تحت عنوان، يوميات في العراق، في وقت لم يتجرأ أي من المثقفين العرب على ركوب هذا المركب الخطر. التجربة العراقية عنيفة، ومتنوعة دون شك، وتهز قناعات وبديهيات لطالما عشنا عليها، لكنها لم تثر فضول أي مفكر أو كاتب عربي لكي يراها على شاشة الواقع، بينما تجلت التجربة العراقية المتناقضة، والمثيرة، في الفكر العربي وذائقته عبر مصفاة الآيديولوجيا، والأحكام المسبقة، والتبسيط، واعتماد البديهيات السابقة، والشعارات التي أثبت الزمن فشلها وفجاجتها. بل وبلغت النفاجة ببعض الكتّاب العرب من روائيين، وشعراء، ومنظرين، أن يؤلفوا كتبا وروايات عن واقع لم يروه سوى في الشاشات الفضائية، ولم يعرفوا بشره إلا عن طريق الأخبار العاجلة، عبر مبدأ الإسقاط الذاتي الذي لا يمتّ إلى الوقائع بصلة. هذا الاستخفاف الفكري، والفني، هذا الستريوتايب العربي، بعيد كل البعد عن كاتب مسؤول وملتزم بمهنة الكتابة مثل ماريو فارغاس يوسا.

الفردوس على الناصية

قرأت له في دمشق دفاتر دون ريغو برتو، وامتداح الخالة، وكتابه المهم، الفردوس على الناصية الأخرى، حيث ترصد فضاء الحداثة الأوربي عبر تتبع حياة الرسام الفرنسي بول غوغان وهروبه إلى هاييتي، ثم شيطنات الطفلة الخبيثة. وكانت امتداح الخالة حقل اشتغال جديد لم نألفه في الرواية العربية. كل ذلك يعيد إلى الأذهان إشكالية الكاتب الملتزم، العالمي في رؤيته للعصر، ومشاركة البشرية في همومها السياسية والثقافية والمعيشية. لكن ليس الالتزام الآيديولوجي، الفج، المنتشر لدينا مثل وباء، إنما الالتزام بالحدث الواقعي، والإنساني، واحتكاكه معه، والتفاعل مع ما ينتجه على مدار اليوم والساعة. وكانت معظم روايات يوسا منذ، "من قتل موليرو" وحتى "شيطنات الطفلة الخبيثة"، ذات نفس واقعي، يلعب الحسي، والملموس، والمجرب، أدوارا مهمة في بنائه الفني وسحر سرده، فكأن الكاتب يحدث قارئه عما عاشه أو خبره ذات مرة.

فثلاثيته "دفاتر دون ريغو بيرتو" تحفر في جمالية الجسد، وروعة الحياة الكامنة في تفاصيلها، وكأنه يتبع نصيحة سيدوري، صاحبة الحانة في ملحمة جلجامش، التي تقول ناصحة: "داعب الزوجة التي بين أحضانك واملأ كرشك بالطعام، ودلل الصبي الذي بين يديك، فالحياة التي تبغي لن تجد"، وهذه المقولة جزء من حكمة كتاب "امتداح الخالة". أما "شيطنات الطفلة الخبيثة" فهي ألف ليلة وليلة معاصرة، عن المرأة، والإنسان بشكل عام، وفيها يتجه يوسا نحو الحدث مباشرة، لكي يتحول القص إلى مغامرة ومتعة خالصة، دون أن يعير كثير اهتمام إلى التحليل الفلسفي، أو محسنات اللغة والإنشاء، بل وحتى التقاليد الروائية المتوارثة. المرأة عارية، والرجل في كامل الأبهة الشاذة. أما "حفلة التيس" فبانوراما لن تتكرر لديكتاتور قد لا يولد مستقبلا في التاريخ البشري. وكان أن تلقف المثقف العراقي هذه الروايات وخاصة "حفلة التيس"، و"امتداح الخالة"، كما لو كانت نتاج مخيلة محلية، ازدادت اقترابا من ذائقة الفرد العراقي بعد أن عرف بخبر اهتمام هذا الكاتب بهموم بلده العراق، وبحثه عن حقيقة ما يجري بعد الزلزال الكبير الذي أطاح بعرش الديكتاتور.

وبعد فوز فارغاس يوسا بجائزة نوبل بدأت شبكة الفيسبوك للأدباء العراقيين تتناقل قصصا وحكايات عن يوسا العراقي الذي تمشى ببدلته البيضاء في يوم حزيراني حار في شارع فلسطين، وتجول على مكتبات شارع المتنبي، ثم جلس في مقهى الشابندر، غير بعيد عن السراي الذي حكم منه الوالي مدحت باشا ولاية بغداد، وأسس أول مطبعة وجريدة في البلاد سماها "الزوراء". قيل إنه تناول الشاي العراقي الثقيل بينما أكد البعض أنه رآه يدخن التنباك العراقي، بصحبة الشاعر الستيني رياض قاسم، مستطلعاً صور الفنانين العراقيين، والعرب، التي تتناثر على جدران المقهى قبل أن يتم تفجيره بخمس سنوات تقريبا.

رسائل
والروائيون الشباب يتداولون كتاب يوسا "رسائل إلى روائي شاب" بشغف، ويبحثون عن يومياته التي أصدرها في كتاب حول زيارته إلى العراق، واستغرقت عشرة أيام، وكتب فيها واحدا من الفصول المهمة عن إقليم كردستان، ومطالب الساسة الأكراد الذين قابلهم، وهموم شعب يعيش خارج هيمنة السلطة المركزية منذ ما يقرب العشرين سنة. هذا التوق لمعرفة العالم، وتجربة العيش بين ثقافات مختلفة، وسعة الأفق الحضارية، والموسوعية المعرفية، ولمس البركان ساخنا، هي التي جعلت من أدب ماريو فارغاس يوسا أدبا إنسانيا يعاقر أحلام الشعوب كافة. وهو في معظم رواياته، ومقالاته، يقترب من القارئ كما لو كان صديقا قديما يحدثه عن قصص بني البشر. القصص المتشابهة، المضحكة والمبكية، الكاذبة والمتناقضة تناقض الإنسان ذاته، مهما اختلفت أديانهم، ولغاتهم، وألوانهم.

(*) مدونة نشرها الروائي العراقي شاكر الأنباري في صفحته الفايسبوكية

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها