آخر تحديث:10:30(بيروت)
الخميس 30/07/2020
share

ظاهرة خالد خليفة

نزار آغري | الخميس 30/07/2020
شارك المقال :
ظاهرة خالد خليفة خالد خليفة
 
قرأت في صحيفة "فهرس الكتب" الإيطالية، لينديتشي دي ليبري، أن السيدة ماريا أفينو نالت جائزة الترجمة عن ترجمتها لرواية خالد خليفة "الموت عمل شاق". في المناسبة كتب ماريو ماركيتي مقالاً، في الصحيفة، عن الرواية، جاء فيه: "يجب على الجميع قراءة هذا الكتاب. إنه بيج ترنر (تعبير إنكليزي يستعمل للإشارة إلى أن القارىء يستعجل تقليب الصفحات بسبب التشويق)، بالرغم من موضوعها المأسوي. خليفة يعيش في دمشق بشجاعة. كتبه هي محاضر اتهام ضد حكم الرئيس بشار الأسد".

المقال كله على هذا المنوال. أي أنه وصف لواقع الحال السوري. ليست هناك كلمة واحدة عن الجانب الأدبي للنص. ومع ذلك يعتبرها من أفضل ما اجترحته قريحة كاتب سوري.

أي قارىء حصيف، دع عنك الناقد، سيرى أن الرواية ليست أفضل عمل روائي سوري بل ولا أفضل عمل للكاتب نفسه. الواقع أنها، مقارنة بروايتيه السابقتين، "مديح الكراهية" و"لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة"، هي الأضعف من حيث الحبكة واللغة والمعالجة الفنية والشخصيات.  
من يغوغل خالد خليفة (يبحث عنه في الغوغل) سيرى ما يثير الدهشة. كتبه مترجمة إلى كل اللغات تقريباً، الحية والميتة، وتنشرها أرقى دور النشر العالمية، بما في ذلك بنغوين وفابر أند فابر وأكت سيد،الخ.. وتكتب عنه كبريات الصحف العالمية، كما لم تكتب عن كاتب سوري، أو عربي في عموم القول، من قبل. 

نحن، والحال هذه، أمام ظاهرة: ظاهرة خالد خليفة.
لماذا خالد خليفة من بين الكتاب السوريين، بل العرب أجمعين؟
الظاهرة كما يعرفها موقع ويكيبيديا هي حدث خارق للمألوف. تستعمل الكلمة للإشارة إلى وقائع تتحدى المنطق ويصعب تفسيرها.
ولكن كيف تصنع الظاهرة؟ من يقوم بصنعها والترويج لها؟ كيف يتم تسويقها؟ 
من الذي يقيم النص الأدبي ويعلي من شأنه من بين مئات النصوص الأخرى؟ الناقد الأدبي؟ المؤسسات؟ الإعلام؟

ما هي الأشياء التي تلعب دوراً في أن يتبوأ هذا الكاتب أو ذاك المكانة البارزة التي يمكن أن يتبوأها وتسلط عليه الأضواء دون غيره؟ العلاقات؟ الصدفة؟ الظروف السياسية التي يمر بها بلد الكاتب؟

ما المعيار لاختيار كاتب معين ووضعه في الواجهة؟ القيمة الأدبية أم الثيمة السياسية؟ وهل النص في هذه الحالة منتوج إبداعي، أدبي وفني، أم أداة دعائية؟ بروباغندا؟

وفي الأخير، ما دور الترجمة، والمترجم أو المترجمة، في خلق الظاهرة وشيوعها؟ هل تقوم الترجمة بإيصال النص بإيجابياته وسلبياته إلى القارىء أم أنها تقوم بسد الثغرات وتقويم الاعوجاجات والرفع من سوية النص ليصير متيناً متماسكاً، أي تخلع عليه لبوساً جديداً غير ما كان عليه في الأصل؟

"الموت عمل شاق" رواية قصيرة، نوفيلا، قليلة الشخصيات والأحداث. ثلاثة أخوة يقومون بنقل جثة أبيهم من دمشق إلى مسقط رأسه في قرية قريبة من حلب. ولأن الأوضاع في سوريا كانت في تلك الآونة، وماتزال، مضطربة، فإن عملية النقل تواجه صعوبات كثيرة بسبب الحواجز العسكرية والأمنية المنتشرة على الطريق. وهي حواجز تابعة للحكومة والمعارضة على حد سواء. 

فكرة كهذه، يمكن أن تعالج، أدبياً، بألف طريقة وطريقة. يمكن لها أن تتجسد في نص عبثي أو سوريالي، يعكس الواقع العبثي والسوريالي. كما يمكن لها أن تكون كوميديا سوداء (أو تراجيديا هزلية). يمكن أن تنهض في مناخ خانق، جحيمي، مثل رحلة بطل رواية كافكا إلى "القلعة".
كان يمكن للنص، المتكئ على هذه الفكرة، أن يصور العطب الروحي والأخلاقي والإجتماعي، الذي أصاب الإنسان في سوريا. غير أن النص الذي كتبه خليفة سهل، بسيط، لا يفلح في الغوص إلى الأعماق. إنه نص تقريري يفتقر إلى العمق والرحابة والغنى والثراء. هو أقرب إلى مناخ مسرحيات محمد الماغوط ودريد لحام: "الحدود"، "كأسك يا وطن"، (لنتذكر أن خالد خليفة كان كاتب سينارهات تلفزيونية، وربما مايزال؟). 
الرواية، إن صح تسميتها كذلك، مباشرة في معالجتها، سطحية في حبكتها وساذجة في رسالتها، فضلاً عن لغتها اليومية الدارجة التي هي في متناول يد كل من يقدر على تسطير الجمل والعبارات، أي تلك اللغة الخالية من أي بعد جمالي أو تخييلي (أن تكتنز اللغة بالخيال لا أن تكون مجرد ناقل للحدث كأي  تقرير خبري أو نشرة أخبار).  

هو ذا نص طافح بالتراكيب المألوفة عن الحرب، وبشكل ركيك في الكثير من الأحيان. تعابير تبعث على الملل من كثرة التكرار: "الإبن الذي يقول لوالده أن النزاهة والقيم هي شحاطة بلاستيكية" (هكذا حرفياً).

الحوارات فوقية لا تضيء أعماق الشخصيات ولا تعكس صراعها الداخلي. حوارات عادية من تلك التي تجري في الشارع بين الناس بعيداً عن حمولات نفسية أو روحية. توترات عابرة. إنها في الواقع مبتذلة. فالقول المشاع، المبذول، المرمي للكل هو قول مبتذل. 

الاهتمام منقطع النظير الذي حظي، ويحظى، به خالد خليفة في الأوساط الثقافية الأوروبية لم يحظ به أي كاتب سوري، من الأموات والأحياء على حد سواء. لماذا؟ هل هناك جوانب إبداعية كامنة في نصوصه نعجز نحن القراء عن اكتشافها فتضيع منا متعة القراءة والتذوق التي ينالها القارىء الأوروبي (ولكن من قال أن نصوص خالد خليفة قد سحرت أن القارىء الأوروبي، في عموم القول، بالفعل؟ لنكن دقيقين إذن ولنقل: هؤلاء الذين يكتبون عنها بكل هذا التهويل).
 مرة أخرى: لكن لماذا خالد خليفة بالذات؟

لماذا ليس فواز حداد، خليل صويلح، سليم بركات، مها حسن، نبيل سليمان، وغيرهم الكثيرون؟
علمتني التجربة ألا أصدق كل شيء تكتبه كبريات الصحف العالمية في ما يتعلق بتقييم كاتب أو نص.

لقد قرأت في الغارديان والإندبندت واللوموند والباييس والكورييري ديلا سيرا، وسواها من كبريات الصحف الأوروبية، مقالات تقريظية عن الكثير من المؤلفين، من آسيا وإفريقيا، بالرغم من أنهم لا يتمتعون بالمواهب الأدبية والكتابية التي تستحق مثل تلك الإشادة وذلك التقريظ. هناك أمثلة كثيرة تكاد لا تحصى.

سأورد هنا مثالاً أعرفه عن قرب:
محمد أوزون هو كاتب كردي من تركيا. هاجر إلى السويد وبدأ يكتب روايات باللغة الكردية. أقام شبكة واسعة من العلاقات عبر الجالية الكردية الكبيرة. أصدر ست أو سبع روايات. كان يكتب باللغة الكردية فيترجم له أصدقاؤه إلى التركية ومن التركية إلى السويدية ومن السويدية إلى الإنكليزية والفرنسية.

احتفت به الأوساط الثقافية السويدية والنروجية، وأقامت له الأمسيات وحفلات الإستقبال مثل نحم سينمائي ونشرت كتبه في دور نشر إنكليزية وفرنسية وألمانية مرموقة.

كتبت عنه الصحف الأوروبية مقالات تشبه، في تقريظها، هذه التي نقرأها عن خالد خليفة. وهي، مثلها، تركز على الجانب المضموني للنص وليس السوية الكتابية. فأوزون "كاتب قدير لأنه يكتب عن القضية الكردية". كتبت الإندبندت أنه "رائد الرواية الكردية" وقالت الديلي ميل أن "محمد أوزون هو  أكثر الشخصيات تأثيراً في النضال من أجل الثقافة الكردية". وكتبت ليبراسيون أن "محمد أوزون يكتب عن الأكراد باللغة الكردية رغم أن الكردية ممنوعة في تركيا ورغم أن لا وجود للقارىء الكردي". 

ثم تنسى الصحيفة هذا القول تماماً حين تكتب في نهاية المقال أن أوزون "ذهب إلى ديار بكر فاستقبله الآلاف من القراء الكرد".

الحال أن هؤلاء القراء لس فقط لا يستطيعون القراءة بالكردية بل إن غالبتهم أميون تماماً. الأكراد في تركيا كانوا يقتنون رواياته ليس لأنهم قراء روايات أو اصحاب ذائقة أدبية، بل كنوع من التحدي للسلطات تشبثاً بأي نص مكتوب باللغة الكردية. كان الكثير من الأطفال والنساء والكبار في السن، الذين لا يعرفون القراءة، يقتنون الكتب للاحتفاظ بها كأثر كردي لا أكثر.

روايات أوزون ساذجة وخالية من أي قيمة جمالية. وهي فوق هذا مليئة بالأخطاء اللغوية.  
كتب ياشار كمال مقدمة النسخة الفرنسية من رواية له بعنوان "في أثر النور"، التي صدرت عن دار لارماتان، ونشرت لوموند ديبلوماتيك نص الكلمة. يقول فيها ياشار أن محمد أوزون روائي كردي لا مثيل له.

بعد ذلك اختفى محمد أوزون واختفت معه رواياته. مثل سلعة انتهى تاريخ صلاحيتها. 
الروايات الجيدة تبقى. تترك أثرها في الذهن والذائقة والذاكرة بعيداً عن المناسبات والمواسم والأحداث. نصوص محمد أوزون لم تخطف ألباب القراء مثلما خطفت أفئدة المعنيين بالسياسة وحقوق الإنسان والمهاجرين وغيرهم من البشر، الذين تضع لهم الأوساط الأوروبية تبويباً خاصاً حسب بلدانهم وقومياتهم ومذاهبهم وأديانهم وأوضاع بلدانهم، وما إذا كانوا لاجئين أو هاربين أو ملاحقين.

يحضرني هنا مثال آخر: حين أتيت إلى النروج قبل عشرين سنة، كان إسم روائية فلسطينية تدعى سوزان أبو الهوى على كل شفة ولسان كما يقال. وكنت أصطدم بروايتها "صباح في جنين" في كل المكتبات. هنا أيضاً كان الإحتفاء كبيراً والترجمات تتوالى والكتاب يحتل قائمة الأكثر مبيعاً. من يقرأ تلك الرواية سيكتشف من الصفحة الأولى كم هي سطحية وساذجة. هي مرافعة عاطفية في الدفاع عن القضية الفلسطينية بالطريقة التي قال عنها محمود درويش: انقذونا من هذا الحب. ومع ذلك فقد انشغل بها الوسط الثقافي الأوروبي بشكل كبير.

يتعلق الأمر إذن بظاهرة أوروبية. ظاهرة موسمية تفرضها ظروف محددة سرعان ما تنتهي لتحل محلها ظاهرة أخرى. يقوم النص المعني بدور مرسوم يمكن لأي نص آخر أن يحتله. أشياء كثيرة تلعب الدور لأن يحتل هذا النص أو ذاك الموقع في هذا الوقت أو ذاك. القيمة الفنية ليست واحداً من هذه الأشياء، للأسف. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

نزار آغري

نزار آغري

روائي وناقد ومترجم، سوري كردي، مقيم في أوسلو