آخر تحديث:13:53(بيروت)
الإثنين 20/07/2020
share

أكياس النايلون... جانب من اقتصادنا المهدور

محمد حجيري | الإثنين 20/07/2020
شارك المقال :
أكياس النايلون... جانب من اقتصادنا المهدور لوحة فنية من أكياس البلاستيك في هولندا
شدني أن أكتب عن شيء، ربما لا يخص الثقافة بشكل مباشر، لكنه يخصّ ثقافة الحياة اليومية، وهو ذلك الكيس المصنوع من مادة النايلون البلاستيكية، ويستخدم لاحتواء وتغليف وحفظ المواد المختلفة، وينافس الكيس الورقي لقوته وصموده، إلا أنه شديد الضرر بالبيئة لعدم تحلله بسرعة وصموده لفترة طويلة... والحال إن من يتأمل مكبات النفايات العشوائية عند أطراف البلدات والدساكر اللبنانية، أو حتى على جوانب الطرق والأحراج، يلاحظ "الرفاه البيئي"، يستنشق الروائح المعسلة وبخور الحياة اليومية، ويلاحظ الكمية الهائلة من أكياس النايلون الملونة وكثيرة المصادر والتصميمات في أفخم المطابع، وهي التي تلوّث كل شيء وتسبّب الأضرار للطيور والأسماك والسلاحف البحرية والحيتان والمواشي والتربة، وبالتالي تنعكس على المواطن العادي في مأكله ومشربه... تحتاج أكياس النايلون وقتاً طويلاً حتى تتحلل، ورغم دعوات بعض البيئيين إلى تبديلها بأكياس الورق التي كانت تستعمل سابقاً، لكن هذا الاقتراح في لبنان، بقي حبراً على.. ورق، وبات ضرباً من "الطوباوية" في بلد تحكمه أبواق الفوضى وموازنات الإفلاس وجحيم الكسارات وفؤوس الغابات... 

دعا الناشط والصحافي البيئي حبيب معلوف، مثلاً، الى إلغاء كيس النايلون، واقترح وزير البيئة السابق والفاشل، فادي جريصاتي، أن تعمد المحال التجارية إلى بيع كيس النايلون بمئة ليرة لمن يطلبه من الزبائن، لكن معظم الاقتراحات والدعوات البيئية والنشاطات يتعامل معها الجمهور بطريقة اللامبالاة. مع العلم، بحسب أحد خبراء البيئة، أن لبنان يستخدم يومياً نحو أربعة ملايين كيس نايلون... وهذا الرقم في الاحتساب المالي يبدو ضخماً ومكلفاً، ويشكل اقتصاداً مهدوراً في الهباء... ومع ارتفاع سعر الدولار، شعر أصحاب المحال التجارية بعبء أسعار أكياس النايلون، اذ بدت أشبه بضريبة TVA جديدة، كيلو البندورة بـ2000 ليرة، وثمن الكيس الذي يوضع فيه من 100 إلى 200 ليرة؟! يقول أحد أصحاب السوبرماركات أن تكلفة الأكياس عليه نحو 800 ألف ليرة شهرياً. لنتخيل أيضاً عدد محلات السوبرماركات في لبنان، التي تهدر هذه المبالغ على الأكياس النايلون...

أحد الأفران الكبرى توقف عن إعطاء الزبائن أكياس نايلون لوضع ربطة الخبز، وبرر ذلك بارتفاع أسعار الدولار، وكتب على زجاج واجهته: عذراً من الزبائن، مَن يريد كيس نايلون، فثمنه 250 ليرة.. لنتخيل كم يستهلك الفرن الواحد من أكياس النايلون! فمع كل ربطة خبز هناك كيسان، الكيس الذي يغلف الأرغفة والكيس الذي توضع فيه الربطة... هناك هدر بملايين الدولارات على أشياء لا ننتبه إليها، بدءاً من أكياس النايلون مروراً بغالونات اللبن، التي يترواح ثمنها بين ألف وثلاثة آلاف ليرة، أو قناني المياه المعدنية وزجاجات العصير...

هل من ثورة على أكياس النايلون والأشياء الاستهلاكية؟ هل من نظام بيئي صارم يمنع المبالغة في استعمال البلاستيك الذي بات يسيطر على كل شيء في حياتنا اليومية، سواء في البيت أو العمل أو النزهات او الأعراس؟ وهناك محاذير كثيرة من مخاطر المواد الكيميائية المستخدمة في مواد التعبئة والتغليف البلاستيكية...

والنافل أنه منذ عقود طويلة وكيس النيلون يتحكم في يومنا. وتقول إحصائيات بأن حوالى 70 كيساً على الأقل، تتناقله أيدي كل شخص في السنة، لكن الغالبية تتعامل مع هذا الكيس من دون التفكير في عواقبه، فحجم ما يُرمى في العام يقدّر بحوالى 100 مليون طن من أكياس النيلون والسلع البلاستيكية. إلا أن سمعة أول كيس نايلون لم تكن هكذا، بل كانت طيبة، واعتبر قطعة ثمينة وهدية يجب الاحتفاظ بها والحفاظ عليها، لأنها كانت نادرة. ويقال إن بعض المهاجرين في أوروبا كانوا يرسلون أكياس النايلون إلى أهلهم في الوطن توضع فيها الهدية.

اليوم، ورغم أنه يساعدنا في نقل أغراضنا وفاكهتنا وأشيائنا الصغيرة، لكن كيس النيلون، بات، في الوقت نفسه، أقرب إلى وباء متنقل.. ومدفوع الثمن.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"