آخر تحديث:13:59(بيروت)
الخميس 02/07/2020
share

طالما السيّد موجود

محمد حجيري | الخميس 02/07/2020
شارك المقال :
طالما السيّد موجود
طوال سنوات عشنا على وقع عبارة "لن تهزم(أو لن تركع) أمة قائدها فلان أو أميرها فلان"، وهي عبارة ناتجة عن ثقافة تقليدية موروثة، فيها شيء من الزجل اللفظي، والغرور الاجتماعي والديني، تستعمل في المهرجانات والخطب والقصائد وعلى الجدران والقمصان. وامتدت لتحضر في ثقافة ما يسمى بـ"العلمانيين العرب" (أو البعثيين ونحوهم)، فيكتب أحد غلاة آل الأسد "بعد انتهاء لقائنا بالرئيس الأسد، الذي أصرّ على وداعنا عند الباب الخارجي، قلت في نفسي إن أمة قائدها رجل مثل بشار الأسد بالتأكيد لن تهزم وانتصارها سيكون أعظم انتصار ضد أشرس حرب عرفها التاريخ"... ولا يمكن الرد على هذا الهذيان الانبطاحي إلا بقهقهة عابرة. 

وينشد أحد شعراء صدّام حسين، وهُم كثر: "طَلَع الصباحُ فليس تُهزَمُ أمّة في ذاتِ يومٍ أنْجبتْ صداماً"... وفي الواقع والمآل والمشهد، جرّ صدام (ومعه أميركا وإيران)، العراق، إلى خراب مديد ورماد لا ينتهي. وحبذا لو أن الأمور اقتصرت على هزيمة، بل إنها فجيعة وسرطان. ولا يختلف الأمر في "سوريا الأسد" التي أصبحت مدنها مدن أشباح وعصابات متنقلة وقطاع طرق ومقابر جماعية واحتلالات متعددة، بل إن سوريا بنسختها الأسدية أصبحت ميدان حرب ومجرد حقل لتجريب الأسلحة ونهب الثروات. وعلى هذا المنوال، تبدو عبارة "لن تهزم"، في أذهان غلاة الطغيان، نوعاً من نرجسية لا تقبل الجرح، كأنهم يعيشون الحياة في القصيدة أو الزجل، يحبون فوز الأسد وهزيمة سوريا وسحقها وتصدعها...

وتصل العبارة الرنانة إلى جمهور حزب الله: "لن تُهزم أمة أنجبت حسن نصرالله" كامتداد للثقافة السائدة والمتوقعة، وسمعناها على وقع الحروب المتكررة التي نتجت عنها شعارات رنانة وبلداً مدمراً ومنقسماً ومتوتراً. وعدا ذلك، انتشرت صورة كبيرة لنصرالله في حي من الأحياء أمام أحد المحال التجارية تحت شجرة رصيف، مع طاولة بلاستيكية عليها ربطات خبز، وربما بعض عبوات الملح، وصور أخرى صغيرة لنصرالله، وقاسم سليماني وعماد مغنية، (للتذكير: اغتيل الأول في بغداد، والثاني في دمشق)، مع عبارة "طالما السيد موجود ما حدا بجوع" بخط عريض، وبخط رفيع تهديد نصرالله في احدى طلاته لمن يحاول حصار حزب الله "نحن حنقتلك"... لا جديد في العبارة الرنانة والطنانة، فهي من ضمن الثقافة الخمينية والحزب إلهية السائدة والمستعادة والمستأنفة أمام كل منعطف أو ارتباك أو أزمة عامة يكون سببها حزب الله. وهي ليست أكثر وقعاً من اعتبار "الشهداء" والشبان والأبناء الذين يقتلون في المعارك الحروب والتفجيرات والقصف "فداء للسيّد أو قَدَمه". لن نجد عبارة أشد فتكاً من أمّ تقول عن ابنها "فدا السيد". أمام هذه العبارة يصبح كل قول متوقعاً، وكل عمل متوقعاً. هذه الثقافة تقوم على العبادة الشخصية، واعتبار الأمة رهن شخص "القائد" وموقفه، وخلاص الأمة يقترن بحضوره وخطبه في السراء والضراء.

ونصرالله، يقرن نفسه وحزبه دائماً بالانتصارات المجيدة، واعتبار نفسه وحزبه وإيرانه أنهم أخذوا الأمة (العربية والإسلامية) من ثقافة الهزيمة إلى الانتصارات، "ولّى زمن الهزائم" كما يقول. وهو المخلّص وصاحب الوعود الدائمة بالانتصارات الجديدة، "كما وعدتكم بالنصر أعدكم مجدداً". ويقرنه بعضهم بالحياة والوجوه والأكل والشرب، وربما الأوكسجين والتنفس والدواء والعلاج، فـ"طالما السيد موجود، لا وجود للجوع". يعني فلنتمدد ونرتاح من التفكير في الأزمة اللبنانية. لا تفكروا في شيء أيها اللبنانيون، لا تقفوا في الطوابير أمام محال الصيرفة بحثاً عن مئة دولار، السيّد موجود. لا تفكروا في ارتفاع أسعار كل شيء، السيّد موجود. لا تفكروا في شيء، السيّد موجود...

ويعشق الغلاة العبارات الفتاكة الأخرى "نحن حنقتلك". وهي عبارة الاستعداد الدائم للحرب، وقبلها كانت عبارات أخرى: "من يريد ان ينزع سلاح المقاومة بالقوة سنقطع يده ورأسه وسننتزع روحه، هذا بالحزم". وقد شكلت مقدمة لحروب واغتيالات في مرحلة ما بعد اغتيال الحريري. يقول الغلاة "طالما السيد موجود"، ولم يقولوا "طالما الخبز متوافر"، أي أن السيد قبل الخبز، وهو الموجود صانع الوجود لا الأشياء... 

ولم ير الغلاة ما آلت اليه الأمور، لم يروا العتمة اليومية، وطوابير الباحثين عن طحين أو خبز، أو جحافل العاطلين عن العمل، أو جحافل المطرودين من عملهم، أو مئات المؤسسات التي أقفلت أبوابها. كأننا على وقع هذه العبارة، أصبحنا نشبه سوريا والعراق، والنتيجة واضحة، فالمشهد أكبر من هزيمة، إنها كوارث متنقلة...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"