آخر تحديث:11:22(بيروت)
الأحد 19/07/2020
share

"ممتلئات النعمة" حكاية نسوية حرة

روجيه عوطة | الأحد 19/07/2020
شارك المقال :
"ممتلئات النعمة" حكاية نسوية حرة كيف نروي من دون رواية، ومن دون أن نبني رواية؟
 
لا يمكن قراءة رواية غابرييلا كابيزون كامارا، "ممتلئات النعمة"، التي وجدت طريقها الى الفرنسية مؤخراً (دار les editions de l'ogre) سوى بوصفها ورشة. والحديث عن ورشة هنا يبغي تحديداً أن يوصل بين شغل كامارا على السرد، على شكله، على مقالبه، وبين شغلها على الموضوعة المحورية التي يتناولها هذا السرد مثلما تتناوله. بين الشغلين ثمة مشترك، وهو أنهما ينمان عن بغية واحدة: أن يكونا سبيلين من سبل الإطاحة بصور عن المناطق العشوائية والمدينة في الأرجنتين، ومع هذه الصور مراتب ومقامات وهرميات لا تؤدي سوى الى مضاعفة التهميش، والسحق. فتأخذ كامارا على عاتقها أن تجعل من روايتها ورشة من أجل هذه الإطاحة، التي تمضي من أحياء الصفيح الى الاحياء الثرية في بوينس آيرس.

من الممكن القول إن السرد في ورشة كامارا، لا يستقر على حال بعينها دون أخرى، فهو، وفي في دورانه وتناوبه، من المحال إمساك مصدره ووجهته مباشرةً، بحيث أنه، وحتى لو بدأ كتراسل، فهو ينتهي كمونولوغ، وبينهما، يصير مجرد توثيق دقيق لوضع اجتماعي. بالتالي، هو سرد متغير على طول صفحات الرواية، وتغيره يتعلق طبعاً بالوقائع، ولكنه، على اتصال بالشخصيات الرئيسية وامكنتها. هذه الشخصيات هي عاملة الجنس كليوباترا التي كانت تعيش في حي من أحياء الصفيح، قبل ان تتركه الى ميامي. وفي تركها له، تترافق مع الصحافية كيتي، التي كان تعيش في منزلها المديني قبل أن ترحل هي الاخرى. يرتبط السرد بالعلاقة بينهما، وهي، وإن كانت، وفي عقبها، تستوي على الحب، أو هذا ما تتكشف عنه شيئاً فشيئاً، غير أنها، وفي بدئها، كناية عن تحالف بين بطلتين، وبطولتهما في هذا السياق تعادل حريتهما.
 
يصح تعريف هذه البطولة-الحرية بكونها جمع ما يُحسب أنه لا يجمع عادةً، بكون الحياة بالتآلف مع كل تناقضاتها. فكليوباترا العابرة جنسياً، كانت عاملة جنس قبل أن تترك هذا المجال، وتشرع في وهب وقتها للحديث مع مريم العذراء، مرددةً أنها ظهرت لها من دون يمنعها هذا من التهكم على قدرها. في الكثير من الأحيان، تبدو كليوباترا أنها بلا حكاية محددة، منطقية، متسلسلة، على العكس، حكاياتها مفاجئة، وغير متناسقة، ومتشعبة. وهذا، على الأرجح، لأنها لا تتحدث بلسانها فحسب، انما بألسن كل سكان الصفيح... حكاية كليوباترا هي حكايتهم جميعهم، أما، كيتي، فهي، وبعبورها ايضاً، تروي حكاية النساء المسحوقات في مدينتها، في أدوارهن، وعملهن، ومقاومتهن للسلطات الذكرية، والضيق بهوياتهن الجامدة، ودفاعهن عن أجسادهن. حكاية كيتي، في الواقع، هي حكاية قدرتها على ترك منزلها، ومحيطها، وعملها، وطبقتها، على ترك كل شيء من أجل انعتاقها، وفي أثناء ذلك، رؤية العالم كما هو، من مدينتها الى حي الصفيح، والاحساس بأنه مفتوح على إمكانات واحتمالات شتى. بالتأكيد، سهل التنبه الى اضطراب كيتي في هذا العالم، في عالمٍ، الثابت أو الواضح الوحيد فيه هو حبيبتها، أي كليوباترا، لكن هذا الاضطراب حياله سرعان ما تتخطاه الى مكوث فيه، أو بالأحرى المشاركة في بنائه. فكليوباترا وكيتي تعمدان الى إعادة تدبير هذا العالم، وجعله فضاءً لتجارب الانصراف من النظام، ولتجارب العيش بطريقة مستقلة عنه.

فعلياً، لوصف ورشة كامارا السردية، فمن الممكن القول إنها تنتسب الى هذه التجارب، إلى أنها تجربة منها، وهذا لسبب رئيسي، وهو أنها لا تدور على أساس انتظام روائي ما، بل إنها تدور من أجل التخلص منه. فيصعب على القراء، الذين يبحثون عن أفكار ووقائع وهيئات شخوصية ثابتة وراسخة، ان يجدونها في تلك الورشة، كما يصعب عليهم أن يجدون حبكات وحلول. ما يقعون عليه هو حكايات متغيرة، ومتبدلة، ولا ترسو على بر واحد، حكايات مضادة للحكايات.

كيف نروي من دون رواية، ومن دون أن نبني رواية؟ ربما، هذا هو السؤال الذي تدفع اليه ورشة كامارا، والذي، وإن لم تجب عنه بالكامل، لكنها، طرحته بإتاحتها رواية تعبر للسرد، وسرد يعبر الرواية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب