آخر تحديث:11:16(بيروت)
الأحد 19/07/2020
share

تأمّلات بيزنطيّة

أسعد قطّان | الأحد 19/07/2020
شارك المقال :
تأمّلات بيزنطيّة أيا صوفيا
من وحي اسطنبول التي ربحت جامعاً وخسرت ما هو أكثر من متحف...
كانت الطائرة على وشك أن تحطّ بنا في مطار أتاتورك. لم أعرف أنّه يونانيّ إلاّ قبل نهاية الرحلة بقليل. ألقى نظرةً على المدينة العائمة على البوسفور وهتف: «هذه البلاد كان يجب أن تكون لنا اليوم». فبادرته: «وهل تعتقد أنّ القيصر قسطنطين الحادي عشر كان في وسعه أن يردّ الهجمة العثمانيّة عن القسطنطينيّة؟»، فأجاب بكلمات غرائبيّة: «العام 1453، حين سقطت القسطنطينيّة، كان هناك في المدينة عشرة آلاف جنديّ وأربعون ألف راهب».


لم تكن الآيا صوفيّا هي محجّتي في المدينة ذات الأسماء الكثيرة. في اسطنبول، يتكشّف لك كم أنّ الأسماء لصيقة بالتاريخ. حين قرّر قسطنطين الكبير توسيع بيزنطية القديمة وبناء مدينة جديدة تحمل اسمه، كان يتصرّف مثل القياصرة الآخرين. فالإمبراطوريّة الرومانيّة تعجّ بالمدن المسمّاة على اسم الأباطرة وزوجاتهم. ولكنّ قدر القسطنطينيّة كان أن تصبح العاصمة الجديدة بعدما غزا الجرمان الجزء الغربيّ من المملكة المترامية. لقد وسم «الفتح» الجرمانيّ القسطنطينيّة بميسمه، فأضحت هذه المدينة «رومية الجديدة» بعد سقوط العاصمة القديمة في قبضة برابرة الغرب، وحين لم يعد هناك ما يذكّر بالانتماء الرومانيّ على ضفاف التيبر سوى مؤسّسة البابويّة. أطلق أهل القسطنطينيّة اسم «رومية الجديدة» على مدينتهم منذ القرن الخامس تيمّناً بالعاصمة القديمة. وهم كانوا أحياناً ينسون النعت ويسمّون القسطنطينيّة «رومية»، رومية فحسب. ولئن اتّصفت العاصمة الجديدة بطابع مسيحيّ تكرّس عبر إعلان القيصر ثيوذوسيوس المسيحيّة ديناً رسميّاً للمملكة، إلاّ أنّ الوثنيّة ظلّت مغروسةً طيلة قرون في ذاكرة مدينة البوسفور وفي عادات أهلها، حتّى إنّ القسطنطينيّة أضحت بين القرنين السادس والثالث عشر وريثة روما في الإدارة ووريثة أثينا في الثقافة. ولم يتغيّر هذا إلاّ حين بدأ نجم المدينة يأفل لمّا فتحها الفرنجة عنوةً العام ١٢٠٤ وعاثوا فيها فساداً، وكانت قد ظلّت عصيّةً على العرب المسلمين ستّة قرون.


لم تكن الآيا صوفيّا هي محجّتي، إذ كيف أهرب من كثافة المجد القيصريّ المتراكم في ثنيّات هذا الفضاء المعماريّ المتماوج؟ لا أعرف مكاناً في العالم يتحدّى كلمات يسوع الناصريّ «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» أكثر من الآيا صوفيّا.
والحقّ أنّ القيصر جوستنيان أرادها تمثيلاً أرضيّاُ للحكمة الإلهيّة، ومن هنا اسمها الذي لا علاقة له بقدّيسة من مصر تدعى «صوفيّا» كما يعتقد بعضهم. الفكرة المعماريّة تتلخّص بكلمة واحدة: الحكمة. الفلسفة في المصطلح اليونانيّ، هذا الجهد العقليّ الذي يدور ويتقصّى ويتحرّى ولا يقرّ، هي محبّة الحكمة. ربّما أراد جوستنيان أن يترك للأجيال وصيّةً قوامها أنّ الفلسفة الحقيقيّة هي طلب الإلهيّات. وربّما أراد أن تصبح الحجارة مرايا السطوع الإلهيّ الذي لا يسكن في حجارة. هل نجح في مشروعه الترميزيّ؟ لا شكّ في أنّ الكنيسة صارت أيضاً عنواناً للعبقريّة المعماريّة البشريّة. ولكن في الفكر البيزنطيّ ليس ثمّة تضادّ جذريّ بين الله والإنسان، بين الدينيّ والزمنيّ. الفصل بين الدين والدولة لم يأتنا من بيزنطية، بل من أوروبّا اللاتينيّة التي حفر الصراع بين البابا والملك حضارتها فأنشأ علمانيّتها.


لم تكن الآيا صوفيّا هي محجّتي، فأنا أطلب مكاناً آخر: دير الخورا، أو متحف القرية كما يسمّيه الأتراك. قلت لسائق التاكسي إنّي أقصد «جامع القرية»، فصحّح لي: «متحف القرية». هذا كلام تتحسّر عليه اليوم في زمن تبدو فيه العلمنة التركيّة سائرةً إلى الاندثار. حكاية متحف القرية تشبه حكاية الآيا صوفيّا: دير يعكس في شكله الحاليّ النهضة الفنّيّة في زمن الأباطرة الباليولوغ (القرن الرابع عشر) حوّله العثمانيّون إلى مسجد قبل أن يصبح متحفاً في القرن العشرين. من الطبيعيّ أن يعمد المسلمون إلى حجب الجدرانيّات البيزنطيّة في صحن الكنيسة، الذي كانوا يستخدمونه حيّزاً للصلاة. ولكنّ الأعجوبة تكمن في الأروقة الثلاثة الطويلة التي تحتضن كنيسةً سجد فيها المسلمون ودعوا باسم الله الواحد الأحد. يقال إنّ الفنّان الذي لا نعرف له اسماُ بدأ بالفسيفساء. وحين شحّ المال، استعاض عنها بالجدرانيّات. الثابت أنّه ترك لنا أجمل جدرانيّة لقيامة المسيح في العالم وسلسلةً من الرسوم هي من عيون الفنّ البيزنطيّ. المسلمون العثمانيّون، لئن ضربوا اسم القسطنطينيّة على مصكوكاتهم، إلاّ أنّهم كانوا يعون أنّهم في اسطنبول، في مدينة تضارع كبريات مدن العالم عراقةً وتبزّها جميعاً في اقتران الإسم بالهويّة الدينيّة الجديدة. ولكنّ هذه الهويّة كانت تأتي تراكميّة، لا تمحق الهويّة القديمة ولا تلغيها حضاريّاً. ومن ثمّ، كانوا في دير الخورا يؤمّون مسجدهم عبر الأروقة المكتظّة بالأيقونات البيزنطيّة وكأنّها نوافذ إلى السماء. لم يكن التصوير الذي يضيق به الإسلام الرسميّ يزعجهم. مئات السنين شاهدوا هذه الجدرانيّات ولم يسعوا إلى تغطيتها بالكلس. صار دير الخورا مكاناً يرفع فيه المسلمون الصلاة وأيقوناته تحتضن أدعيتهم المبرورة فتدلف الأدعية إلى تضاعيف الأيقونات وإلى ألوانها. كان مسجد القرية طوال قرون مكاناً للحوار الصامت بين المسيحيّة والإسلام.


كيف أشرح للشاب اليونانيّ الذي التقيته في الطائرة كلّ هذا التناضح بين الثقافات والأديان؟ كيف كان ليدرك أنّ المدينة ذات الأسماء الكثيرة، بيزنطية، القسطنطينيّة، رومية، اسطنبول، إسلامبول، أرحب بكثير من القوميّة اليونانيّة التي انبثقت من كلماته، ومن العثمانيّة الجديدة التي تهدّد اليوم بأخذ تركيا إلى مكان دامس هو مزيج من قرون وسطى ومن تعصّب دينيّ أحمق يتغذّى من هويّة تتقوقع على ذاتها؟ لعلّ جحافل الرهبان، حين اعتصمت في الديورة عوضاً من شهر السلاح في وجه محمّد الفاتح، آثرت بلّوريّة أيقونات دير الخورا على أمجاد هذه الأرض الفانية. لربّما أحبّ هؤلاء اللاعنف في كلمات يسوع الناصريّ أكثر من تشنّج خطاب الهويّة الذي يرسّخ العنف ويولّد العنف. في التحوّلات الكبرى التي ترتسم على مصائر المدن، هناك ما يحتجب خلف ستائر الصمت ويعصى على التأويل. القسطنطينيّة، التي صار اسمها الرسميّ اسطنبول في القرن العشرين، مدينة لا تختزلها انزياحات أديان السلاطين ولا تبدّلات الأسماء. ثمّة فيها اندفاق أسراريّ لا يفصح عن ذاته إلاّ حين تعانق المآذن السماء وترنو قباب الكنائس إلى المطلق.

غادرت اسطنبول وهذه الأفكار تنحت نفسي. كانت الشمس تغلّف الأثير بغلالة من ضياء، والبوسفور يحوّل اصطخاب الزبد على صفحات الماء إلى حكايات من تيه وذهب...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

أسعد قطّان

أسعد قطّان

أستاذ جامعيّ

مقالات أخرى للكاتب