آخر تحديث:13:23(بيروت)
الأربعاء 15/07/2020
share

فصيح كيسو لـ"المدن":بيروت وقعت في الفخ مع مدن المشرق

محمد حجيري | الأربعاء 15/07/2020
شارك المقال :
  • فصيح كيسو لـ"المدن":بيروت وقعت في الفخ مع مدن المشرق
    اتيت إلى بيروت قبل الحرب الاهلية بعام، كنت مراهقاً يبحث عن اختبار الحياة والمستقبل
  • صلاح ستيتية مشاركا في احد معارض فصيح كيسو
    صلاح ستيتية مشاركا في احد معارض فصيح كيسو
  • فصيح كيسو
    فصيح كيسو
  • زمن الخراب
    زمن الخراب
عرفتُ اسم الفنان السوري فصيح كيسو من خلال أغلفة الكتب التي صممها، وقد وصلتني في بداية التسعينات. بقي اسمه راسخاً في ذاكرتي، وفي السنوات القليلة الماضية، صرت، في كل مرة اكتشف شيئاً جديداً من ضمن اهتماماته، وكلها تدور في فلك التصوير والتصميم والفيديو، إذ جعل من أعماله "بيتاً بمنازل كثيرة"، وهنا مقابلة عن تجربته ومسيرته...

- من خلال تجربتك تبدو متشعب الاهتمامات الثقافية، وتظهر في اكثر من مجال، مسرحي وفوتوغرافي وفنّي... أي مجال أقرب إليك، وتبدع فيه أكثر؟

منذ دراسة الفن في الجامعة اللبنانية، كان شغفي بالمعرفة والتجربة متعدد الاتجاهات، وأنا طالب في قسم العمارة الداخلية، أخذني التصوير الضوئي صوبه والمسرح عبر التكتل والتجريب، الذي أسس له المسرحي رئيف كرم والترابط الذي ادخلته بين التصميم الداخلي والغرافيكي. كانت هذه بدايات التنوع والذي تعمق في ما بعد ليشمل العمل في أغلفة الكتب وتصاميم الإعلان، وترسخ أخيراً في تجربة المزج بين التصوير الضوئي واللوحة كتكوين تشكيلي. وخلال إقامتي ودراستي في مدن مثل موسكو ونيويورك وملبورن وسدني، ومتابعتي للتطورات التي طرأت على التعبير الفني العالمي، اذ أصبحت الفكرة هي الأساس والأدوات مكملة، هنا ترسخت التعددية أكثر في تقديم أعمالي، التي امتزج فيها ليس فقط المواد وإنما التخصصات، فاستخدمت الأداء الحي والفيديو والفيلم والصورة واللون والكومبيوتر والطباعة في إيصال الفكرة. لذا، لا وجه ثابتاً لي حتى الآن، فكل فكرة أنفذها قد تبنى على أسلوب ومواد لم أتطرق أو تطرقت إليها مسبقاً، لأن كل الفنون قريبة مني، بل إنني أعمل منذ التسعينات على نظرية تداخل الاختصاصات -أي الفنون- بما فيها العمارة. إلا أن موضوعي واحد: الانسان أو الجسد، والتأثيرات التي يخضع لها في مسيرته، من الولادة الى تلاشيه.

- ما الذي بقي في ذاكراتك من تجربة تصميم أغلفة الكتب، وأي مدرسة كنت تستلهم في التصاميم؟

لتصميم أغلفة الكتب متعة تختلف عن متعة العمل على معرض خاص، انها اختصار لما في داخل الغلاف إو اشارة بصرية تجذب القارئ له. فتصميم الكتاب في الثمانينات يختلف عن تصميمه الآن لأنه يخضع لتغيرات النص كسياق، وأدوات الترويج له كمنتج. إنها عملية ممتعة جداً ودقيقة، أي عقلانية، لأن الفن الظاهر في غلاف الكتاب، عليه أن يعكس محتوى وفكرة شخص آخر، وفي الوقت نفسه يعكس شخصية مصممه. وقتها، اعتمدتُ على تشكيل العناصر الرئيسة الواردة في النص بصرياً، واعتمدتُ على إظهار هذه العناصر في غلاف الكتاب بحيث أعطي للمشتري اختصاراً بصرياً للنص المكتوب، أي عملية شبيهة بتقدمة الكتاب. انها تجربة تشمل الإبداع واكتساب المعرفة من النصوص المتعددة التي يقرأها المصمم قبل البدء في تشكيلاته البصرية.

- عشتَ في بيروت في مرحلة كانت صاخبة بالأسماء من تيارات أدبية وسياسة متنوعة، متى أتيت الى هذه المدينة ولماذا؟ وكيف عشت، ولماذا غادرت، وهل فقدت هذه المدينة دورها كواحة للحرية والنهضة؟

أتيتُ إلى بيروت قبل الحرب الأهلية بعام واحد، كنت مراهقاً يبحث عن اختبار الحياة والمستقبل، وقتها كنت أعمل في ورق الجدران والموكيت وكان أول شخصية فنية معروفة التقيها، رسام الكاريكاتير بيار صادق في مكاتب جريدة النهار، وذلك لدفع فاتورة شرائه مواد ديكور. ومكاتب النهار بدأت أتردد عليها بفعل صداقاتي التي بدأت مع الناقد الفذ نزيه خاطر. غادرت بيروت، حيث كنت أدرس إدارة أعمال في الجامعة العربية، عائداً الى الحسكة في سوريا للاستعداد للامتحانات حيث كانت بداية الحرب... بعد "حرب السنتين" عدت إلى ممارسة المهنة نفسها وأصبحت طالباً في معهد الفنون. سنوات مضت من العلم أنتجت تجارب في التصوير الضوئي، تلتها صراعات لم أكن اتوقعها... كانت نتيجة لموضوع اعتقدت انه لا يشكل خطراً على مدينة نهشها العنف وأسكتها الموت. وقتها شكل موضوع الجسد العاري في أعمالي، نقاشات وصراعات على قبوله أم رفضه. لكن بفضل تكاتف مثقفيها، وجد هذا الموضوع طريقه في بيروت لأن هذه المدينة، كما قلت، كانت واحة للحرية والنهضة الثقافية. نعم فمثقفوها كانوا غيورين على إلغاء دورها كمدينة عربية يلجأ إليها المبدعون العرب. ومنذ ذلك التاريخ بدأت تدريجياً تفقد دورها هذا، ووقعت في الفخ مع باقي مدن المشرق العربي كدمشق وبغداد، مدن انتقلت فيها الصراعات السياسية الى صراعات دينية، أسست للقتل والدمار، عندها تنحت الثقافة جانباً... وهنا يبدأ المرء الهجرة في البحث عن واحة بديلة للحريات المسلوبة قسراً، حيث نشطت الطوائف وصعدت القوميات، وأصبح قبول الآخر ورفض المختلف ثقافة غالبة في المشرق.

- كتب الزميل يوسف بزي غداة وفاة عادل فاخوري "كان عادل فاخوري بشَعره الفوضوي المشتعل بياضاً، أشبه ببطريرك الشلة التي كانت تلتئم في الكافيتريا والحانة: موسى وهبة استاذنا "الهيغلي" في الفلسفة ومرجعنا في الهزء من الأحزاب والأيديولوجيات والأفكار الكبيرة، عبد الأمير عبدالله الصحافي اللاذع والأبرع في النميمة وتدبير المقالب الساخرة، رئيف كرم المسرحي الذي يريد تفكيك المسرح تجريباً وعبثاً، محمد شمس الدين الرسام الوديع بتجربة تشكيلية تحاول تأليف تجريد أكثر شرقية، فصيح كيسو الفوتوغرافي الهارب من أرياف سوريا البائسة إلى بيروت المدمرة، سهام ناصر التي لا تتوقف عن إخراج بروفات مسرحيات طلابها في كلية الفنون، فوزي بعلبكي الرسام المتشدد الذي ظل يؤجل معرضه الأول إلى ما بعد انتهاء الحرب، داوود الرز المناضل السابق في اليسار المتطرف، إدوار القش أستاذ علم الاجتماع، علي حيدر المثقف الذي موّل طباعة نشراتنا الشعرية وأنتج أعمال عادل فاخوري، وعبد الحسين حجازي الموظف الهادئ الذي يكتب أحياناً... أذكر أيضاً الممثلة المسرحية سامية جعجع، الشاعرة السوريالية نائلة الأغر، الرسامة ريم الجندي، أستاذة الفلسفة التي كنا نسميها "أرملة كانط"، ثم نحن الشبان "الأغرار": شبيب الأمين وصديقه اليومي حسين نجدي، يحيى جابر، اسكندر حبش، وكاتب هذه السطور". ماذا تذكر من هذه المرحلة؟

أجمل المراحل تلك التي كتب عنها الشاعر يوسف بزي، حياة صاخبة لهذه الأسماء في مدينة لم يغب عنها العنف الذي كان يأخذ استراحة بين فترة وفترة. نبحث عن بعضنا البعض ونلتقي في مقاهي شارع الحمراء وفي حاناتها، وتمتد لتشمل كورنيش المنارة ومقهى شاتيلا وصولاً الى الروشة حيث معهد الفنون، بذرة محبتي وعشقي لبيروت الغربية. فالفيلسوف العبثي والصديق الوديع عادل فاخوري، الذي كان يحاضر في كلية الآداب، غالباً ما كنا نلتقيه نحن الطلبة في الحانة المقابلة للكلية، ليغدق علينا البيرة ويضع أغاني الطرب.
كان منزل رئيف كرم أحد أهم الأماكن التي نلتقي فيها، وكانت البيرة سيدة السهرات، يوكل إلينا حمل صناديق البيرة التي كان يمولها الشريكان عادل ورئيف. بعد إحدى السَّكرات، ليلتها كان هناك قصف على "بيروت الغربية"، وبعدما ساد السكون بعد منتصف الليل، خرجت وعادل وغسان خريزان. وفي تلك الشوارع المعتمة والصمت المخيف، كان عادل يردد بصوت عال نرافقه احياناً "الدني ورشة وترابها كمشة، وتراب فوق تراب وتراب عم يمشي"، وفي هذا السكون سمعنا صراخاً يأمرنا بالتوقف والركوع، كان أحد عناصر حاجز لم نلاحظه للجيش السوري. ركعنا وجاءت الضربة الأولى من العسكري لغسان وطارت نظّارته وهو يسأل "من وين انت ولاااا؟" وحاول عادل ان يحمينا بأنه فاعل الضجيج، وتلتها الخبطة الثانية له فما كان مني الا أن خلعت نظارتي حرصاً عليها واستعداداً للخبطة، وكما فعل مع غسان وعادل قال لي من أين أنت فكان الجواب "من سوريا"، ولم أتلقّ الخبطة. هذه القصة تداولتها الشلة لسنوات، واستعملها المسرحي رفيق علي أحمد في إحدى أعماله المونودرامية. ذكريات بيروت الحرب بشلتها وبمقاهيها والأمل بانتهاء التقاتل يوماً ما، بالتوازي مع غزارة الانتاج الثقافي في تلك الفترة والتي رسختها المدينة الكبرى والمقسمة لتصبح منطقة الحمراء هي بيروتنا.
ولعل مهرجان المنارة والذي انبثقت فكرته من مشروع جامعي قدمتُه كطالب في مقرر السينوغرافيا، وكان عبارة عن تحويل كورنيش المنارة إلى أماكن عروض مسرحية ورقص وشاشات في الهواء الطلق. مشروع تخيلي لا أعتقد أنه من الممكن تنفيذه حتى الآن، إلا أن رئيف كرم بسّطه وجعله ممكناً. وتشكّل "مختبر المنارة"، الذي أشرفتُ عليه بالتعاون مع عدد كبير من فناني بيروت وممثليها ومصممي الأزياء وموسيقيين ومطربين، فكانت تجربة فريدة في المسرح الشعبي المتنقل.

- بين ريف الحسكة وحرب بيروت والهجرات والمنافي الى استراليا وروسيا وغيرها، ماذا يعني لك المكان في هذه البلدان؟

نحن خُلقنا في أماكن الرعب، ولو تلمسنا في حياتنا نوعاً من تحقيق الذات، وربما هذا من حسن حظنا لأنه دائماً كان لدينا تصور أجمل عن أماكن لا نعرفها وعن حريات أوسع نبتغيها، لكن في النهاية، هناك في كل الأمكنة الجميلة قيود ما تنبثق عن مجتمعاتها وسياساتها. فأنا ما زلت في بحث عن ذاك المكان. "سيكر"، اسم القرية التي ولدتُ فيها والمكونة آنذاك من 11 بيتاً طينياً من دون كهرباء، ما زالت تنهش ذاكرتي، أزورها من وقت إلى آخر، رغم أنها مهجورة، وبعض من صور جسدي العاري يزين أرضها والتي عرضتها في التسعينات. أما الحسكة، المدينة في الشمال الشرقي من سوريا، والتي انتقلت لها وأنا في الثامنة من عمري مع عائلتي في بداية الهجرة من الريف للمدينة، فقد أمضيتُ فيها مراهقتي وتأثري حينها بفرقة البيتلز الانكليزية من الشارلستون الى الشعر الطويل، وأسستُ ثقافتي السينمائية الأولى، حيث كانت أفلام بريجيت باردو وكلينت ايستوود و"أبي فوق الشجرة"، وكل ما كان يصدر عالمياً يصب في صالات هذه المدينة الثلاث، سينما فؤاد وسينما دمشق وسينما القاهرة. من هناك، غادر ابن الـ18 إلى بيروت بحثاً عن مدن الحريات، مدينة تعرفت عليها من الأفلام التي كانت تنتج فيها. بيروت، مصدر علمي والتي فيها كوّنت ثقافتي وأسست فني، فمدينتي الأولى هي بيروت. أما ملبورن فقد فتحت لي الأفق واسعاً وساعدتني في تطوير ورسم شخصيتي الفنية المعاصرة والمتعددة، بالدعم المادي واحترام المختلف. كما ساعدتني على تكوين عائلة، فكانت فنانة الفيديو "كارمن صبا"، وفنان الرسوم المتحركة "كن صبري" لكلٍّ اسمان غربي وعربي، ربما لإعطاء هذا التمازج الثقافي بين الشرق والغرب، ولا شك أن هذا رسخ تعلقي بهذه المدينة الى جانب الحريات الفكرية فيها. أما نيويورك وموسكو فكانت محطات فقط، فتحت أبوابها لتجاربي وزادت من معرفتي بالثقافات المختلفة. 

- ما الذي دفعك الى الاهتمام بتصوير الرقص الشرقي وعالمه، ومعروف ان الكثير من المثقفين، ربما يتبذلون الرقص في العلن ويمجدون الراقصات في السر؟

الفكرة في معارضي تأتي من الواقع الشخصي المعاش. ولهذا أتت فكرة الرقص الشرقي التي أثارت اهتمامي وأنا في الغرب، بينما وأنا في الشرق لم تكن تثير اهتمامي إلا احياناً إذ اختلس النظر في بعض البارات. وبدأ اهتمامي به من خلال الفيلم عن الرقص الشرقي في استراليا والذي اخرجته زوجتي السابقة سامية ميخائيل أو جعجع، والتي ورد اسمها في الشلة التي تكلم عنها يوسف بزي. لماذا يهتم الغربيون بهذا الرقص وخاصة النساء؟ هذا السؤال الذي ناقشته اعمالي التي من خلاله تنوعت أدوات التعبير عندي في هذا المعرض. حيث استخدمت الآداء الحي والفيديو والتجهيز باستخدام مواد متنوعة، طغت عليها الصورة الضوئية والصوت، كله بهدف التجريب. والغريب ان هذا النوع من الرقص في الغرب هو مثير للجدل ايضاً واكتشفت ذلك عبر تسجيل صوتي لمقابلات مع  أكثر من عشر راقصات في عمل فني يعتمد الصوت فقط. في الغالب عندما أبدأ العمل على موضوع ما، لا انتبه إلى ردّ فعل المجتمع أو ردود الأفعال على هذه المواضيع، الا انه مع سير العمل اكتشف انه مثير للجدل وأحياناً اشدد على هذه الناحية في سبيل معرفة كمية ونوع الاستجابة من الجمهور أو من الذين أعمل معهم. فالتفكير في ما هو مقبول أو مرفوض ليس وارداً عندي، والا لما كنت تطرقت الى موضوعة العري وإشكالياته في ثلاث مدن عربية هي تونس وبيروت ودمشق... وفي الحقيقة، فإن موضوع الرقص الشرقي أثار بعض المشاكل لي في ملبورن، كما حصل في بيروت عن موضوع العري. 

- تستنتج في احد معارضك أن الجسد تحول إلى مجرد بضاعة معروضة لا بد من تزيينها، موضحاً ذلك في لوحة ثالثة أرفقتها بعبارة من كتاب تاج العروس «النساء لعب الرجال، فليزين الرجل لعبته». هل هذا الاستنتاج ينطبق على الرقص الشرقي، وهل يمكن اعتبار الرقص مشجعاً للذكورية؟

النساء في الغرب يعتقدن أو يؤمنّ، وبحسب تجربتي في استراليا، أن الرقص الشرقي هو موضوع نسائي بحت ولا يحق للرجل أن يتدخل فيه الا كمتفرج من بعد... طبعاً هذا هو الرأي الغالب حسب مقابلاتي مع الراقصات، وحسب الفيلم الذي أخرجته سامية. وأعتقد أن مسألة الإثارة التي يولدها هذا النوع من الرقص تتبع طريقة ومكان أدائه، فتختلف من غرفة النوم إلى المطعم والى خشبة العرض، وعلى ما أعلم فإنه في بعض الفئات المجتمعية في سوريا تكون بدلة الرقص من تجهيزات العروس. هناك تجارب جماعية اي مجموعات نسائية في الغرب تستخدم الرقص الشرقي كعرض بصري لا علاقة له بالاثارة. اذاً المجتمع وثقافته الجنسانية يحددان دلالات الرقص الشرقي. تاريخياً، وبحسب المستشرقيين، هو نوع من الرقص لإثارة الذكور، وإذا كان على هذا النحو فقد آن لنا أن نحرره، ليصبح فناً كباقي الفنون المعاصرة مثل الباليه، ونقله من الحاله الفردية الى الخشبة المعاصرة. ولعل عملي المعنون "النساء لعب الرجال" فهو تحديداً يتكلم عن هذا الموضوع، فأنا طرحته الى بضاعة معروضة مزينة كفكرة وتجريد الجسد وزينته كأسلوب، لكن الهدف الأساس كان إظهار اختلاف مفهوم الجسد والجنسانية بين الشرق والغرب، مستعيناً بنص "تاج العروس" التاريخي الى جانب الجسد كتمثيل في الغرب جغرافياً. وبالطبع اختلفت قراءة هذا العمل، وكان مصدر احتجاج من قبل تجمعات نسوية، تحويل الجسد إلى بضاعة مزينة معروضة، بينما الهدف كان نقد هذه التصورات التي جاءت في تاج العروس. والحق يقال إن هذا العمل بالذات والمعرض ككل، نتجت عنه مشادة ثقافية مع مجموعة من النساء واتّهمت بالذكورية والاستشراق عبره وعبر مجموعة هذه الأعمال والتي سميت بـ"التصادم الثقافي". وهنا أذكّرك بما قلته سابقاً، إن الأمكنة التي نعيشها تسيّرها الأفكار والسياسات الاجتماعية.


- يأخذ عري الجسد حيزاً من اهتمامك، بغض النظر عن الأفكار عنه، كيف تقرأ العري في بيئتك السورية والاجتماعية، وكيف قرأ الجمهور نظرتك الى العري؟

تجربة العري تعود الى 30 عاماً، عندما عرضتُ الجسد العاري مستخدماً الصورة الضوئية في ثلاث مدن عربية هي تونس في آذار، وبيروت في تموز، ودمشق في كانون الأول من العام 1990... تناولي للجسد في بيروت ربما انطلق من فهمي للحريات في السلوك المجتمعي البيروتي وتقبّله لهكذا موضوع، بينما أتت التجربة ونتائجها مختلفة. ولهذا أصررت على أن أختبر مدناً عربية أخرى، وكانت تونس الأكثر تقبلاً لهذه التجربة، خجلاً من المشرق المنفتح كما قالوا، لأن هذا المعرض كان الأول والأخير هنا. وأتت دمشق بعد بيروت وإشكاليات العرض فيها، وكانت رقابة المركز الثقافي الفرنسي هي الصادمة، لا الرقابة السورية بفضل مدير الفنون وقتها طارق الشريف. تجاربي الحالية هي عن الجسد أيضاً وعلاقته بالمكان ومرحلته التاريخية فيه، أي تأثير الحرب على الجسد المستباح، التي تطرقت لها أيضاً في بعض أعمال العام 1990. ومن خلال عرض الجسد في بداياته في ثلاث مدن عربية، كانت القراءات متشابهة والصحافة والنقاد تناولوها بطريقة ايجابية، لإن الإيروتيكية تكاد تختفي على حساب الفكر الإنساني والتكوينات التي يشكلها الجسد في أعمالي. وأخيراً، أنا لا أفرض أفكاري أو أعتبرها مثالية، فمجتمعاتنا ترفض فكرة العري لأسباب كثيرة، ودوري هو إثارة موضوع قبوله، إلا أن المجتمعات العربية في تراجع بخصوص هذه الموضوعة والأسباب كثيرة.

- ما الذي جعل بعض الصالات في بيروت تمتنع عن استقبال معرضك عن العري؟

أعتقد أن المنع كان سياسياً، أو أن الموضوع كان مخالفاً لاتجاهات اللبعض من مديري الصالات من وراء الكواليس، علماً انه تمت الموافقة في البدايات، ثم طبعت الدعوات وألغي العرض. والجواب اليقين عند أصحاب هذه الصالات، وكم هي رغبتي شديدة لمعرفة السبب منهم بعد 30 عاماً. في النهاية، ما عدد جمهور الفن في المدن العربية، وما مدى تأثير الفن في المجتمع، لا أعتقد أن الفن قد يغير، إلا أنه يهذب أو يطور العملية الاجتماعية.

- إلى أين وصلت في التجريب الفوتوغرافي؟

أصبحت الصورة جزءاً من القراءة الكلية للأعمال الفنية، ترافقها مواد متعددة تكمل بعضها البعض، فهي لم تعد كما في العرض التقليدي، والذي قدمته في البدايات، رغم أن هناك تجارب أقوم بها بين حين وآخر، كما في المجموعة التي صورتها في مدينة الحسكة العام 2011، والتي أطلق عليها: أداء فوتوغرافي. وهي لم تعرض بعد.

- ما تأثير الأحداث السورية في السنوات الأخيرة، في أعمالك الجديدة؟

أحد أهم أسباب عودتي إلى سوريا، التي تركتها مع بدايات الأزمة هو معايشة انعكاسات الحرب على الإنسان السوري. يبدو أن هذا الأمر هو داء العيش في بيروت الحرب، والتي أعطتني خبرة العيش في أماكن الخطر. فبيروت الحرب أنتجت فيها مجموعة كبيرة من التجارب، عن الحصار ومغادرة الفلسطينيين. وتجارب الحالة السورية أوسع، ربما لأن الأحداث متنوعة وممتدة في منطقة جغرافية شاسعة، إلا أن الهدف منها واحد. كنت مع أول الداخلين الى مدينة تدمر الأثرية المدمرة، مع كاميرا فيديو محمولة، أسفرت عن تطوير تجهيز فيديو بدعم من المجلس الأسترالي للفنون بعد عودتي لأستراليا العام 2016، وأسفرت عن تقديم عرض في دار الأوبرا بدمشق في تشرين الأول 2019 بدعم من جامعة القلمون، التي أدرّس فيها كلما اشتقت للعودة أو كلما أريد خوض فكرة جديدة عن الأحداث هنا. سيطرت نظرية تداخل الاختصاصات على العرض، من أداء راقص الى تمثيلي وأداء موسيقي، يرافقه غناء ضمن فراغ يحوي أعمدة تدمرية وأربع شاشات ضخمة لفيديو عن تدمر بمؤثرات صوتية من تأليف فرقة ألمانية، حيث رقص 14 راقصاً على موسيقى فيفالدي، تحت سقف من التوتياء مثقوب بالرصاص والمتفجرات، هو سقف سوق حمص القديمة نفسه، لكن في غير مكانه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"