آخر تحديث:16:32(بيروت)
الثلاثاء 14/07/2020
share

حينما بثّ ذاك "الشيء الإعلامي" انحطاطه

رشا الأطرش | الثلاثاء 14/07/2020
شارك المقال :
حينما بثّ ذاك "الشيء الإعلامي" انحطاطه من الاعتصامات أمام وزارة الإعلام (علي علوش)

باتت التناقضات سِمة المشهد الإعلامي اللبناني. بين نموذج يكبّر الأمل والقلب، لوعي ونشاط وحماسة تحرك من أجل حماية حرية التعبير وكل مَن يعمل بها أو حولها، صحافيين وناشطين ومدوّنين.. وبين نموذج، أقل ما يقال فيه أنه الحقارة الموصوفة في التعاطي مع ضحايا جرائمَ وانتهاكاتٍ وتسويف للعدالة، وهو مثال السوقية والجهل الكامل بمعنى المهنة وهدفها الأصل وأخلاقياتها الأساس، إضافة إلى بداهات حقوق الإنسان والكرامة البشرية.

في يوم واحد، الإثنين 13 تموز 2020، تابعنا في الصباح مؤتمراً صحافياً لإطلاق "تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان"، حيث تمت تلاوة تجارب ملاحقات واحتجاز وترهيب وضرب وتحقيقات وتعهدات مُخالفة للقانون يُجبر كثر على توقيعها، إضافة إلى توثيقات مرعبة للقبضة الأمنية المتزايدة على العمل العام، الإعلامي والمدني. في ذلك الصباح، أعلنت 14 منظمة حقوقية وإعلامية، لبنانية ودولية، تراصها في "جبهة" واحدة في مواجهة هذا كله، بالدستور والقانون، وبمزيد من العمل في الشارع والمؤسسات، رغم الطريق المفتوحة غالباً من أرض الحدث إلى المستشفى أو أحد المقرات الأمنية، ورغم "ريوهات" الجيش التي ظهرت على باب المبنى المضيف للمؤتمر.

وفي مساء اليوم نفسه، خرج طوني خليفة، أولاً بإعلان ترويجي لحلقته تحت عنوان "أول إطلالة للطفل السوري المغتصب ووالدته"، وكأنه يستضيف أحد نجوم الغناء والترفيه، ثم بُثت الحلقة التي تعلق الكلمات في الحلق قبل أن تنجح في وصفها: محلول عجائبي من الصحافة الصفراء، وأسئلة الدفق العاطفي المبتذل، وغياب ألفباء العمل الصحافي وبالتالي الهدف من إجراء المقابلة مع الطفل وأمه، حتى لو لم يظهر وجه الطفل. فماذا غير الإثارة؟ أين القضية؟ مصلحة الضحية؟ تدرُّج العمل الجرمي في القضاء اللبناني، والضغوط الممارَسة للتستّر على بعض المرتكبين، وتخفيف النتائج على البعض الآخر؟ ماذا عمل يلزم الطفل وأمه من متابعة اجتماعية ونفسية، بل وحماية؟! ولماذا باتت القضية فجأة، قضية الأب الذي ترك عائلته فيما المسمّاة "مراسلة" تعظ الأم وابنها في أنه "لا أب ينسى أولاده"؟!

في يوم واحد، افتخرت البيئة الإعلامية بمقاومتها، مستخدمة أدواتها التي تشبهها، من أجل ما تيسّر من صالح عام، قضمت معظمَه أزمةٌ غير مسبوقة باتت تدرّ علينا "عطف" الدول التي نتسول تبرعاتها من مساعدات غذائية وعَينية. وفي اليوم نفسه، بثّ "شيء ما محسوب على الإعلام اللبناني"، انحطاطه سالف الذِّكر. وما بين النموذجين مروحة واسعة من التفاوت في الأداء الإعلامي، والانتهاكات التي تُمارس في حق الإعلام، أو تلك التي يرتكبها بيديه... وفي الحالتين، ليس ما أو مَن يحمي الضحايا. 

قد لا تكون اللوحة هذه، غريبة تماماً، بل لعلها ليست حكراً على الحالة اللبنانية، إذ نرى الفضائح وصحافة الإثارة في أكثر المجتمعات تقدماً. كما أن الانهيار الذي يشهده البلد على مختلف الأصعدة، من "الطبيعي" أن يجد ترجمةً له في قطاع الإعلام أيضاً. لكن في السياقات اللبنانية، ما يجعل مثل هذا الانفصام أخطر مما هو في مكان آخر.

اليوم لبنان بيئة غير مؤاتية لثقافة الحقوق، السليبة في كل منحى، على مستوى الدولة وتفرعاتها، وفي الغالب الأعم من المجتمع المنهك في معيشته وليرته وقوته اليومي، والعالق – طوعاً أو قسراً – في تقسيماته الجماعاتية. فيمسي الاعتداء على الصحافي والمواطن خبراً مكرراً حدّ الاعتياد، فيما بعض الإعلام يكرّس تشوهات المرجعية الأخلاقية ويعممها بدليل "الرايتنغ" الذي لا تهدأ شياطينه ولا تكلّ.

أما القضاء، لا سيما في ما يخص الإعلام، فقد أصبح شغله الشاغل قضايا القدح والذم والتشهير، يرفعها الآن أقطاب السلطة من مصرفيين وسياسيين وزعماء طوائف، بل ويذهب بعضهم إلى "معاقبة" منتقديهم على أيدي مرافقيه وشبيحته بلا حساب. وأخيراً، أضيفت حجة "الأخبار الكاذبة" التي لا منهج واضحاً لتكذيبها فعلاً إلا كلمة المسؤول(ة)، وفي الأثناء، يُحضّر قانون إعلام جديد لمزيد من القمع والإسكات تحت شعارات مضحكة مُبكية من قبيل "التنظيم" و"التهذيب".

أما كل ما يُعتبر، عبر الإعلام التقليدي والبديل، إخباراً للسلطات القضائية عن قضية فساد أو جُرم انتهاك، فهذا مسار السلحفاة التي لا تصل أبداً، سلحفاة مؤدّبة حُكماً لا ترفع رأسها في أسيادها. وإذا كانت مجتمعات أخرى قد ولّفت هيئات مستقلة تؤدي دور المرجعية الفصل في أخلاقيات الإعلام ومحتواه، من دون أن تكون تلك الهيئات نفسها منزّهة عن النقد والمراقبة والمساءلة، فإن الغابة اللبنانية بلغت راهناً ذروة الانفلات من أي ضوابط، للسلطة والإعلام معاً. ضوابط لا تسقط من علٍ، بل تكون ثمرة نقاش علني عام وتحظى بإجماع وطني وبآليات تنفيذية شفافة وديموقراطية. هكذا، تتحول تناقضات الفضاء الإعلامي، والتي قد تكون، في مكان آخر من العالم المستقر، دليل تنوّع، ومثار سجال صحي، بل وجوجلة بنّاءة للغث والسمين.. تتحول في لبنان إيذاناً بمعركة مزدوجة يخوضها، بالعمل والخطاب، إعلاميون محترفون هم أبناء عصرهم ومتنكّبي إرث مهنتهم: فمن هنا السلطة التي تقمعهم بكل قوتها المفترض أن توجهها لمعالجة الكارثة الاقتصادية، ومن هناك إعلام "قرّب وجرّب..الأدرينالين عندنا رخيص".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب

تاج بيروت المترنّح الجمعة 14/08/2020
طوارئ على مين؟ الجمعة 07/08/2020
سوريا فوبيا الثلاثاء 04/08/2020
المزيد