آخر تحديث:13:29(بيروت)
الثلاثاء 14/07/2020
share

أيا صوفيا.. تحولات قِبلة الروم

محمود الزيباوي | الثلاثاء 14/07/2020
شارك المقال :
  • أيا صوفيا.. تحولات قِبلة الروم
    كنيسة أيا صوفيا البيزنطية، رسم توثيقي من توقيع اليكسندر ريمون
  • كنيسة أيا صوفيا البيزنطية، رسم توثيقي من توقيع أنطوان هلبرت.
    كنيسة أيا صوفيا البيزنطية، رسم توثيقي من توقيع أنطوان هلبرت.
  • أيا صوفيا في رسم عثماني من محفوظات المكتبة الوطنية الفرنسية
    أيا صوفيا في رسم عثماني من محفوظات المكتبة الوطنية الفرنسية
  • رسم طباعي من توقيع غاسبار فوساتي
    رسم طباعي من توقيع غاسبار فوساتي
  • رسم طباعي من توقيع غاسبار فوساتي
    رسم طباعي من توقيع غاسبار فوساتي
  • بطاقة بريدية من نهاية القرن التاسع عشر
    بطاقة بريدية من نهاية القرن التاسع عشر
  •  بطاقة بريدية من نهاية القرن التاسع عشر
    بطاقة بريدية من نهاية القرن التاسع عشر
في منتصف القرن السادس عشر، وضع بدر الدين محمّد العامري الغزّي الدمشقي كتابه "المطالع البدرية في المنازل الرومية"، وفيه تحدّث عن "القُسطنطينيّة العظمى، ذات المحل الأسمى والحمى الأحمى"، وقال في وصفها: "معلوم أنّ هذه المدينة دار الطمأنينة وقاعدة الرُّوم وأم المدائن ومقر الملك، ومركز دوران الفلك، ومحطّ الرحال، ومآل الترحال، ومعدن الفخار، وموطن الرؤساء والكبار، ومنبع الإقبال، ومربع الآمال، ومنتهى المقاصد والمطالب، ومشتهى القاصد والطالب، ومظهر شموس السعادة، ومقر جيوش السيادة، آيات محاسنها لم تزل بألسن السمّار متلوة، وعرائس بدائعها لم تبرح على أعين النظّار مجلوّة".

وأضاف الكاتب مستطرداً: "وأمّا مسجدها الأعظم أيا صوفيا الذي كان كنيستها العظمى فهو من أعظم معاهدها وأجلّ مشاهدها، يحار النظر فيه، وينحسر دون تصور قوادمه وخوافيه، ذو أبنية غريبة جميلة، وأعمدة عجيبة جليلة، وقبّة عظيمة محيّرة للعقل في التربيع والتسديس والتثمين والتدوير والتقويس، فكم من بناء داخل بناء وقوس داخل آخر، وكم من إحكام وُضع، وتحديق صُنع، كاثر بذلك بها إرم ذات العماد وفاخر، فلا يحيط به نظر ولا تفكّر، ولا يحكيه عقل ولا تصوّر. وقد كان بها صور أجسام عجيبة الأشكال والأجرام، وقد طُمس أكثرها وبقي أثرها".

حافظت القسطنطينية على اسمها في العهد العثماني، وحافظت كنيستها العظمى كذلك على اسمها بعدما حُوّلت إلى مسجد، وظلّت تعرف بـ"أيا صوفيا"، أي "الحكمة المقدسة". بحسب المدوّنات البيزنطية، شيّد الإمبراطور قسطنطين الأوّل كنيسة حملت هذا الاسم في سنة 330، بعد اعتناقه المسيحية، وكرس ابنه الإمبراطور قنسطانطيوس الثاني هذه الكنيسة في شتاء 360. وُصفت كنيسة الحكمة بـ"الكنيسة الكبرى" منذ ذلك التاريخ، وتعرّضت لحريق هائل في مطلع القرن الخامس، وعمد الإمبراطور تيودوسيوس الثاني إلى إعادة بنائها في سنة 415، وحُرقت من جديد في مطلع 532، فعمد الإمبراطور يوستينيانوس الكبير إلى تشييد بناء جديد في شتاء 532، وأوكل هذه المهمة إلى مهندسيَن كبيريَن، هما ازيدوروس ميليتوس وآنتيميوس ترالس. ابتكر هذا المهندسان طرازاً جديداً عُرف في ما بَعد بالطراز البيزنطي، وأشرفا على بناء هذه الكنيسة الكبيرة وشهد المؤرخ الذي عاصرهما بروكوبيوس القيسراني في كتابه "في العمارات".

افتتح يوستينيانوس الكبير هذه الكنيسة في نهاية 537، وقال عند دخوله إلى المبنى: "قد غلبتُك يا سليمان"، في إشارة إلى الملك سليمان بن داوود، باني الهيكل الكبير بحسب الرواية التوراتية. ذاع صيت "أيا صوفيا"، منذ ذلك التاريخ، وبقيت أسسها ثابتة على مر الأزمنة، رغم تبدّل الكثير من معالمها. استغرق بناء هذا الصرح خمس سنوات وعشرة أشهر، وتعرّض في ربيع 558 إلى الخراب إثر زلزال كبير ضرب القسطنطينية. دعا الإمبراطور يوستينانوس الكبير المهندس إيزيدوروس الشاب إلى القيام بأعمال الترميم وإعادة الإعمار، وهو ابن اخ ايزيدوروس ميليتوس، فقام بهذه المهمة على أفضل وجه، وافتتحت أيا صوفيا من جديد في نهاية 562. وألّف الشاعر بولس سيلنتريوس، في هذه المناسبة، قصيدة ملحمية مطوّلة تستعيد بأسلوب شاعري مراحل بناء هذا الصرح العظيم.

تعرّضت كنيسة الحكمة الإلهية للضرر مرة أخرى، حين ضرب زلزال آخر القسطنطينية في خريف 740، وتذكر الكنيسة هذا الحدث في 26 تشرين الأول/أكتوبر، وتدعو في صلواتها: "يا من ينظر إلى الأرض فيجعلها ترتعد، أنقذنا من وعيد الزلزلة الرهيب أيها المسيح إلهنا، وأرسل لنا مراحمك الغنية". عانت الكنيسة من حريق هائل شبّ فيها في 859، كما تضرّرت بعد عشر سنوات من زلزال أدى إلى سقوط جزء من قبّتها، فعمد الإمبراطور باسيليوس الأول إلى اجراء الإصلاحات اللازمة. حافظت الكنيسة على مكانتها الأولى، وقد وصف الإمبراطور قسطنطين السابع، الاحتفالات التي كانت تُقام فيها خلال عهده الذي استمرّ من 913 إلى 919، غير ان مسلسل الزلزلات استمر، وأدى في خريف 989 إلى تهاوي القبة، فاستعان الإمبراطور باسيليوس الثاني المهندس المعماري لإعادة بنائها. استمرّت أعمال الترميم ستة أعوام، واستعادت الكنيسة العظمة بهاءها، وفتحت أبوابها من جديد في ربيع 994.

خُربت كنيسة الروم العظمى الأعظم في زمن الحملات الصليبية. بحسب أهل الأخبار البيزنطيين، دخل الفرنجة القسطنطينية في 1204، وسلّموها للنار ثلاث مرات بحيث اندثر ثلثاها، وتفرّقوا في أطرافها، وراحوا يسلبون كل ما طالته أيديهم من كنوزها وأموالها، وجرّدوا كنيسة أيا صوفية من كل ما أتحفها به الملوك والأغنياء من الجواهر والنفائس، ثم جعلوا منها مقراً للأسقف اللاتيني في ظل حكمهم الذي استمر حتى 1261. استعاد الروم عاصمتهم، وفي 1317، شرع الإمبراطور أندرونيكوس الثاني باليولوج بإضافة أربع دعائم مقوّسة إلى بناء كنيسة الحكمة الإلهية، غير ان البناء ضُرب مرة أخرى إثر زلزال في خريف 1344. رممت السلطات الكنيسة وافتتحت أبوابها في 1354.
 
في هذه الحقبة، مرّ ابن بطوطة في القسطنطينية، وتأمل في كنيستها العظمى من دون أن يدخلها، وقال في وصفها: "هي من أعظم كنائس الروم، وعليها سور يطيف بها فكأنها مدينة، وأبوابها ثلاثة عشر باباً. ولها حرَم هو نحو ميل عليه باب كبير، ولا يُمنع أحد من دخوله، وهو شبه مشهور مسطح بالرخام، وتشقه ساقية تخرج من الكنيسة، لها حائطان مرتفعان نحو ذراع مصنوعان بالرخام المجزع المنقوش بأحسن صنعة. والأشجار منظمة عن جهتي الساقية، ومن باب الكنيسة إلى باب هذا المشور معرش من الخشب مرتفع عليه دوالي العنب، وفي أسفله الياسمين والرياحين، وخارج باب هذا المشور قبة خشب كبيرة فيها طبلات خشب يجلس عليها خدام ذلك الباب. وعن يمين القبة مساطب وحوانيت أكثرها من الخشب، يجلس بها قضاتهم وكتاب دواوينهم". 

سيطر السلطان محمد الفاتح على القسطنطينية في 1453، و"صلى في أكبر كنائسها، وهي أيا صوفية صلاة الجمعة، وهي باقية تُسامي قباب السماء وتُحاكي في الاستحكام متين الأهرام، فما وهت ولا وهنت كبراً ولا هرماً"، كما كتب عبد الملك بن حسين المكي الشافعي في "سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي". حرص الحاكم الجديد على الظهور كوريث لملوك الروم، كما حرص على حماية أيا صوفيا من أي اعتداء، كما تشهد المدوّنات التي تعود إلى تلك الفترة. أقام محمد الفاتح مئذنة في جنوب شرق المبنى، وشيّد بيزيد الثاني مئذنة ثانية في شمال شرق المبنى، وعمّر مراد الثالث من بعدهما مئذنتين في الجهة الغربية، وباتت الكنيسة مسجداً تحدّه أربع مآذن.

رمّمت أيا صوفيا في عهد السلطان سليم الثاني، بإشراف المهندس الذائع الصيت سنان الذي شيّد ركناً خاصاً بالسلطان وضريحاً له في جنوب شمال المبني سنة 1577. وعلى مقربة من هذا الضريح، شُيّد ضريح السلطان مراد الثالث وضريح السلطان محمد الثالث في القرن السابع عشر. في 1739، عمد السلطان محمود الأول إلى ترميم المبنى، وبنى مدرسة تحوّلت في ما بعد إلى مكتبة، كما بنى ركناً خاصاً به ومحراباً جديداً. في القرن التاسع عشر، سار السلطان عبد المجيد الأول على هذه الدرب، فدعا مهندسيَن من إيطاليا السويسرية، هما الأخوان غاسبار وجوزيبي فوساتي، وأوكلهما بمهمة ترميم الصرح واستكشافه بشكل كامل. أشرف المهندسان على هذه الحملة التي قام بها 800 عامل على مدى عامين، فكشفا عن الكثير من زينة الكنيسة الأصلية، كما قاما بتدعيم المسجد وتجديده، وأضافا منبراً جديداً ومجموعة أقراص كبيرة حملت أسماء الله ورسوله وخلفائه الأربعة وحفيديه الحسن والحسين، وذلك بيد الخطاط الكبير قاضي عسكر عزت أفندي. انتهت هذه الحملة في 1849، وافتتح المسجد في احتفال مهيب في 13 تموز/يوليو.   
 
أكمل اتاتورك هذه الحملة بعد سقوط الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية، وعهد إلى "المعهد البيزنطي الأميركي" بترميم أيا صوفيا في 1931، وبعد ثلاث سنوات، حوّل المسجد إلى متحف "ليهديه إلى الإنسانية"، وجرّده من الأقراص الإسلامية الكبيرة التي خطّها قاضي عسكر عزت أفندي، غير أن هذه الأقراص أعيدت إلى موقعها في عهد عدنان مندريس سنة 1951. في ثمانينات القرن المنصرم، أُدرج المتحف في لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونيسكو"، وأصبح واحداً من أهم الوجهات السياحية في إسطنبول..

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها