آخر تحديث:12:23(بيروت)
الإثنين 13/07/2020
share

جمهورية القنديل

محمد حجيري | الإثنين 13/07/2020
شارك المقال :
  • جمهورية القنديل
    قنديل كاز(علي علوش)
  • عائلة محتمية من القصف في أحد ملاجئ "بيروت الغربية" خلال معارك "القوات اللبنانية" والجيش اللبناني 1990 (غيتي)
    عائلة محتمية من القصف في أحد ملاجئ "بيروت الغربية" خلال معارك "القوات اللبنانية" والجيش اللبناني 1990 (غيتي)
من بين النكات الفايسبوكية والميديائية التي درجت غداة ارتفاع سعر الدولار في لبنان، أننا سنعود الى زمن البابور والقنديل أو فانوس الكاز كما يسميه البعض، وهي من الأدوات المنزلية التي انقرضت مع تحولات التكنولوجيا، وباتت انتيكا في بعض البيوت والمحال... فالبابور كان يستعمل قبل الغاز كوسيلة للطبخ والقلي وتسخين المياه، خصوصاً في المناطق النائية وينفع كثيراً لطبخة الفوارغ وما شابه، يعرف بهديره المزعج ونكّاشته ووقوده من مادة الكاز... وقنديل الكاز للإنارة، ويعرف ببلورته وفتيلته وبؤسه، ولطالما ارتبطت حياة هذه الأدوات المنزلية القديمة بالطنبر، بائع الكاز على الحصان أو البغل الذي يدور في أروقة المدينة بحثاً عن زبائنه، وبات يُنظر إليه أيضاً في الشارع كنوع من نوستالجيا أو إشارة إلى تحولات المدن وتبدلاتها...

على أن نكتة القنديل والعودة إليه لم تعد نكتة، فحين أخبرني أحد الأصدقاء أن مجموعة من الشبان تبحث عن قناديل كاز في الدكاكين القديمة وقد اختفت، ظننته يمزح... كان السؤال: ماذا يفعلون بالقنديل؟ الاحتمال الاقوى للبحث عنها، أنهم يشترونها بأسعار زهيدة من دكاكين قديمة ومنسية لم تنتبه إلى ارتفاع سعرها، ليبيعوها في المدن بأسعار عالية في زمن شح الكهرباء...

لم يعد القنديل أو "الكاز" نكتة، فقد عدنا فعلاً الى زمنه، أي زمن السبعينات والثمانينات، ما قبل اللوكس في الحرب اللبنانية، وما قبل بطارية السيارة ولمبة النيون، وما قبل اليو بي اس، وما قبل اشتراك المولدات الديجنتير والعداد وشبيحة الأحياء... الغلاء الفاحش أعاد للقنديل حضوره، وهو يذكرنا بـ"رومانسية العتمة" المملة والقاتمة والبائسة، إذ تغبّ على القلب كما يقولون... كنا نشعل القنديل في تلك الأيام، بسبب فقرنا، ولأنه لا قدرة على النوم، ولأننا فقدنا أي أمل في الكهرباء في زمن الخراب، فنروح نراكم النعاس حتى ننطفئ في الفراش، ونطفئ القنديل في اللحظة الأخيرة. كان القنديل حجة لكسلنا المدرسي، حين يسألنا الأستاذ أو المعلمة، لماذا لم تحفظ الدرس يكون الجواب التلقائي كانت مقطوعة الكهرباء، بالطبع من الصعب القراءة على ضوء القنديل فهو شحيح مثل شمعة، وربما يقضي الحاجة في الظلام، لكنه في هيئته أقرب الى شيء يذكرنا بأن العتمة قوية.

مع ارتفاع الدولار في لبنان، عدنا الى زمن الخراب وقنديله، وعادت القناديل الى بعض المحال التجارية... سألت أحدهم عن ثمنه، قال لي: 65 ألف ليرة، وظننته يشبّح عليّ... هل يعقل أن يكون القنديل بهذا الثمن؟ خرجت من المحل، سألت أحد الأقرباء عن سعره، فقال لي: قبل الغلاء كان بعشرة آلاف ليرة، وهو يساوي ما يقارب 6 دولارات في زمن الـ1500 ليرة للدولارالواحد... عدت إلى هدوئي، وأثناء دخولي إلى ذلك المحل كنت أسمع فتاة سبقتني الى السؤال عن سعر القنديل، قد خرجت منزعجة قائلة لصديقتها: "شو هو بيرقص وبيغني حتى سعره 65 ألف"، على أن البائع كان يتعاطى مع قناديله وكأنها ثروة لا يمتلكها إلا هو، راح يخبرني أنه باع المئات منه، وانه يوفر كثيراً على العائلات بسبب العتمة والتقنين الكهربائي، وإن البائعين باتوا يطلبونه بكميات كبيرة... لم يقنعني ذلك الكلام التجاري.

المفارقة اني ذهبت إلى محل في صيدا، سألت عن سعر القنديل وبدا باهت الشكل، فسارع صاحب المحل الى استعمال الآلة الحاسبة، وضرب على الدولار وقال:"إلك بـ50 ألف ليرة"... وفي زمن العتمة نقول "ضوي يا هالقنديل".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"