آخر تحديث:12:38(بيروت)
السبت 11/07/2020
share

فوكوياما وتشومسكي في اللائحة نفسها.. ما الذي يجمعهما؟

شادي لويس | السبت 11/07/2020
شارك المقال :
فوكوياما وتشومسكي في اللائحة نفسها.. ما الذي يجمعهما؟ وقّعا على بيان "العدالة والحوار المفتوح"
فرانسيس فوكوياما ونعوم تشومسكي في اللائحة نفسها، ما الذي يمكن أن يجمعهما معاً؟ مارغريت آتوود مع بطل الشطرنج غاري كاسباروف؟ رويا حكاكيان مع ستيفين بينكر؟ لائحة من 150 من الكتّاب والأكاديميين والفنانين والشخصيات العامة، على جانبي الأطلنطي، ومن كل ألوان الطيف السياسي، يوقعون على خطاب مفتوح عنوانه "العدالة والحوار المفتوح". البيان الذي نشرته "هاربر"، ثاني أقدم مجلة شهرية في الولايات، الثلاثاء الماضي، يحذر من أن: "التبادل الحر للمعلومات والأفكار، شريان الحياة لمجتمع ليبرالي، يخضع يوماً بعض آخر للمزيد من القيود. وبينما أصبحنا نتوقع هذا من اليمين الراديكالي، تنتشر الرقابة أيضًا على نطاق أوسع في ثقافتنا: عدم التسامح مع الآراء المتعارضة، رواج للتشهير العام والنبذ​، والميل إلى حل قضايا السياسات المعقدة بواسطة اليقين الأخلاقي الأعمى". 

وفي يوم النشر نفسه، أعلنت المؤرخة الأميركية الأفريقية، كيري غيرينيدغ، سحب توقعيها من الخطاب، في اعتراض على مضمونه. وتبعتها الكاتبة والأكاديمية الأميركية المتحولة جنسياً، جنيفر فيني بويلان، التي أعلنت ندمها على المشاركة، فهي لم تكن تعرف أسماء الموقعين الآخرين قبل النشر. وكما أثار الخطاب الخلاف بين موقعيه، فالسرعة نفسها تحول مضمونه إلى ساحة واسعة للعراك، أو ما وصفه موقع "ديلي بيست" الأميركي بكثير من المبالغة: "حفز كتائب إطلاق نار دائرية".

"ثقافة الإلغاء"، أي حملات النقد والمقاطعة والضغط الجماهيري ضد آراء بعينها وأصحابها، أضحت عرضة للكثير من النقد بشكل روتيني. لكن توقيت الخطاب وإشارة نصه الصريحة إلى حركة "حياة السود مهمة"، أغضبت الكثيرين. وما جلب عليه المزيد من الانتقادات هو غموضه. فالظاهرة التي يتناولها بدت غائمة بشكل كبير وضمت خليطاً متنافراً من الأمثلة والإشارات الضمنية، من فصل عامل سوبرماركت لسلوكه مع الزبائن، إلى استقالة رئيس تحرير "نيويورك تايمز" بسبب رد الفعل الغاضب على إحدى مقالات الرأي، وسحب دور نشر لكتب من السوق بدعوى "عدم أصالتها". ففي معظم تلك الأمثلة يبدو سؤال حرية التعبير ثانوياً، فيما أسئلة قوانين العمل والتأديب الإداري والأخلاقيات المهنية والأكاديمية وحدودها وسياسات النشر وأولوياتها في سوق يعتمد العرض والطلب كمعيار، وتفرعات ذلك كله، هي الأوثق صلة. وخرج عدد من موقعي الخطاب لينفوا أنهم يدعون لحرية التعبير "المطلقة"، مؤكدين قناعتهم بأن كل الحريات تتضمن حدوداً وضوابط وعدداً من الكوابح الأخلاقية، فإلى ماذا يدعو الخطاب إذاً؟ رفض للحدود الجديدة وعودة لحدود أقدم؟ الدعوة إلى نسبوية أخلاقية؟ وإلى أي مدى يمكن أن تذهب هذه النسبوية؟ رفض إعادة ترسيم الحدود الأخلاقية بالمطلق؟ أم رفض لطريقة فرضها؟ أو اعتراض على الحساسية الأخلاقية الجديدة تحديداً، أو ما يطلق عليه الصواب السياسي؟

عدم الوضوح نفسه يغلف الجمهور الذي يتوجه إليه الخطاب، فهل هو الجمهور الواسع الذي يعبر عن رفضه لفعل أو ممارسة أو رأي ما، طبقاً لمعايير وقناعات أخلاقية؟ وهل يطلب الموقعون من هذا الجمهور الصمت أو التخلي عن أخلاقياتهم الموصوفة بالعمياء؟ هل يفترض الموقعون أن حملات النقد والمقاطعة الجماهيرية تعدٍّ على حرية التعبير؟ أم أن الخطاب يطلب من المؤسسات عدم الاستجابة لضغط تلك الجماهير وعدم الإنصات لها وتجاهلها؟

الموسيقي والكاتب البريطاني بيلي براغ، يعلق على الخطاب بعد يومين من صدوره في مقال في جريدة "الغارديان"، نافياً أن تكون "ثقافة الإلغاء" عائقاً أمام حرية التعبير، ويذهب إلى أنها "تهديد للنظام القديم". مقالة براغ، مع عشرات المقالات الغاضبة الأخرى، تصورالموقعين على الخطاب، كنخبة متقدمة في العمر، متشبثه بحدودها الأخلاقية المتداعية. نادٍ من كبار السن، معتاد على حسم جدالاته في غرف مغلقة، من دون تدخل العامة و"غوغاء" الأنترنت. ولا يدعو هؤلاء لحماية حرية التعبير. ففي كل الأمثلة التي قدمها الخطاب، يفقد البعض وظائفهم لكن أحداً لم يُحرم الحق في إبداء رأيه، هكذا يبدو الخطاب دعوة لأن يكون الحق في التعبير بلا تبعات، أو بشكل أدق أن تكون له تبعات على آخرين، لكن نتائجه لا تمس صاحب الرأي على الإطلاق.

ورغم هذا النقد القاسي للخطاب، يظل مضمونه جديراً بالتأمل. فعقد أو أكثر قد شهد تحولاً جذرياً في طرائق صياغة الجدل العام وأطرافه ووسائطه وحدوده وموضوعاته، وضم إلى ساحته مئات الملايين من البشر، مانحاً دور القيادة لجمهور واسع، يعلو صوته يوماً بعد آخر، مع صعود أجندة سياسية وأخلاقية جديدة. كل هذه التغييرات المتسارعة والكثيفة، تستدعي مراجعة دائمة ودقيقة والكثير من النقد الذاتي، وكذلك، وكما يدعو الخطاب، الكثير من التشكك في يقيننا الأخلاقي.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب