آخر تحديث:16:58(بيروت)
الجمعة 10/07/2020
share

صِفر الخروج اللبناني

رشا الأطرش | الجمعة 10/07/2020
شارك المقال :
صِفر الخروج اللبناني "ذكريات الطفولة مطرّزة" (لوحة رائد ياسين)
في لحظة صباحية شبه موحّدة، بكينا سوية. معظمنا في لبنان، وبعضنا موزع بين فرنسا وتركيا والإمارات وكندا وأميركا.. نحن الأصدقاء والزملاء في الشتات.. وحتى لبنان شتات. نتواصل ونتفاعل ونتضامن في مجموعات افتراضية. نروي صداقاتنا بالرسائل الصوتية وصور أولادنا، بالنكات حيناً وبالأخبار أحياناً، وبالغضب الذي يمرّننا –مثل المسرح– على تعبيرات شتى، سخرية أو "نق"، أو حتى صمت مطبق عن التعليق لأيام. نناقش ما يحصل في لبنان ونفكر في دورنا في هذا كله، ما يمكننا أن نفعله لمهنتنا كصحافيين، للحريات المطعونة يومياً، للعدالة الشبحية، لمجابهة الإفلاس والغلاء وأكبر عملية سرقة موصوفة في التاريخ الحديث، أبطالها عصابات المصارف والطوائف والـ(لا)دولة اللبنانية.


بكينا سوية، إذ تناقلنا فيديو الزميلة ديما صادق التي صوّرت شهادات لبنانيات ولبنانيين، أصغرهم في العقد الثالث من العمر، يستعدون للهجرة. لا يتحدث واحدهم لأكثر من ثوان: الاسم، المهنة، وعبارة واحدة تلخص سبب الرحيل وحرقته. بكينا لأن كلنا تماهى، كل منا وضع يده على جرح عميق يداريه وتأوّه. الفَقد، التعب، أو الخوف... الكل مصاب، هنا وهناك.  

صباحه، تقريري عن الهجرة في لبنان "عم يشحطونا من لبنان، هيدا تهجير وطرد، مش انتشار" شكراً لكل من شارك، شكراً زكي، عايدة، جيزيل، وكل من ساهم فرداً فرداً #Restart Gisele Khoury

Posted by Dima Sadek on Thursday, July 9, 2020


أسوة بمن لم يفتتح مشواره بعد، يرحل الذين اجتازوا نصف المسيرة المهنية والشخصية، عيادة أو شركة أو وظيفة (كانت) محفوفة بالوعود، عائلة صغيرة تكوّنت أو على وشك. وبينهم من وصل فعلاً إلى لحظة القطاف، بعد عقود في المسرح والإعلام، لكن جنى العمر سيُغلّف بأوراق النايلون ذات الفقاعات الهوائية الصغيرة، على أمل أن يصل سالماً ويؤاتيه تغيير المناخ إن أُعيد غرسه في تربة جديدة. هؤلاء يتركون كل ما كدّوا لتأسيسه في لبنان، منذ 10 أو 20 أو 30 سنة، ليبدأوا من المربع الأول في مكان بعيد. هي لعبة السلالم والثعابين حين تقرر المصير.

غرباء كأنهم ليسوا كذلك، وأصدقاء ومعارف، نعلم كيف أنهم لم يتركوا لبنان في عز حروبه المتوالية، ولطالما قالوا إنهم باقون، مهما حصل. والآن يتلون سلام اليأس من تحصيل مدخرات تبخّرت أو حُبست أعداداً إلكترونية في شاشات مصرفية سوداء. يصلّون على بيوت اجتهدوا واستدانوا لتقسيطها أو فَرشها، طوال أعوام، دوّنوا تفاصيلهم في كل قطعة أثاث.. سرير الطفل الأول الذي ولد هنا، وترك على زجاج النافذة قمراً فوسفورياً ونجوماً لاصقة كانت تؤنسه في الظلام قبل أن يغفو. يطفئون المصابيح ويغلقون خلفهم أبواب مكاتب وعيادات ومحلات كانوا قد علقوا على جدرانها شهادات جامعية وملصقات ملونة، وربما زينوا زواياها بتلك الأغراض الصغيرة التي نوزعها حولنا في أمكنة العمل، لنجعلها حميمة تشبهنا، فننتج فيها أفضل ما يمكننا. يدفنون تحت الأنقاض، كل تراكم استطاعوه، رصيداً مهنياً ومعنوياً، عاطفياً واجتماعياً، "قجّة" أحلام، علاقات وسُمعة، مكانة كانت قد بدأت تتكرّس أو تكرّست فعلاً لتؤثر في محيط كل منهم. والأهم، أهل وأحبّة وجيران يودعونهم.

الكل خاسر. الذاهب والماكث. الذاهب لن يفتقد شيئاً في الوطن الذي بادر إلى قطع كل صلة حيوية بأهله، لن يفتقد سوى الناس، والناس يتناقصون. والماكث ما عاد مرتبطاً بمقدّرات واحتمالات ومشاريع حياة منهارة الآن، بل يُغبط المغادرين فيما يشد أزر رحيلهم، وينتظر دوره، إن أمكن، وهو الذي ينظر حوله فيرى عالمه وقد صار شرنقة على مقاسه.. ولا ربيع في الأفق.

ذكريات وذكريات، وتاريخ طويل عريض، في وجدان المهاجرين/المطرودين، هو أكبر وأعمق ما دوّنه بشر، نُسج في هذا الشارع وذاك الزقاق. أليس التاريخ، الذي تصدُر به الكتب، مجموع حكايات الأفراد؟ هذه بلوكات التاريخ اللبناني المعاصر.

سنسمع، عما قريب، بأبواب لجوء سياسي وإنساني واقتصادي تفتح للبنانيين، كما السوريين والفلسطينيين من قبلهم، وسنسمع أيضاً بأبواب تقفل لضبط سيل لبناني تدفق أكثر من اللازم.

وفي هذا الأثناء، توضّب حيوات كاملة في الحقائب، منقوصة. ذخائر حيوات، والبقية التي باتت وزناً زائداً تبقى في أرضها، مهدورة، مع كِسرة من الروح، وسيظل الجسد المغادر يستشعر ما بُتر منه، وقد يمدّ اليد أحياناً ليحكّه أو يحرّكه.

كيف يبدأ المرء من الصفر؟ هذا الرقم الذي ليس رقماً. رمز واحد للنهاية والبداية. أمل عُصابي. صِفر الخروج اللبناني.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها