آخر تحديث:12:55(بيروت)
الأربعاء 01/07/2020
share

وانتهينا لفراغ كالعدم

محمد صبحي | الأربعاء 01/07/2020
شارك المقال :
وانتهينا لفراغ كالعدم الشرطة المصرية
في تركيا، يوم الجمعة المقبل، يواجه ناشطون حقوقيون أحكاماً قضائياً قد تصل إلى السجن 15 عاماً، رغم تفنيد بطلان التهم الموجهة إليهم. المحاكمة مثال إضافي على تعسُّف القضاء التركي والهجوم المنهجي الذي تمارسه الحكومة على الأصوات الناقدة. "الإرهاب" هي التهمة الروتينية في تركيا لمعاقبة المنتقدين والمعارضين. وكما تفعل الأزمات الطارئة في تأكيد السائد قبلها، يمكن ملاحظة مدى تعسف السلطات التركية مرة أخرى في إدارتها أزمة كورونا: يُعتقل الصحافيون والأطباء ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي بتهمة تصريحاتهم حول الجائحة وتعامل السلطات معها. 


هذا أيضاً يحدث في مصر، التي يحكمها نظام سياسي يعادي النظام التركي أشدّ المعاداة، وتُغرق وسائل إعلامه الرسمية والموالية دعايات متلاحقة تحمّله مسؤولية الإرهاب في سيناء وتتوّعده بهزيمة ساحقة في ليبيا. اختلافات بسيطة يحتفظ كل نظام بها لنفسه، ففي مصر لا تحبّذ السلطة جرّ قضايا الحقوقيين إلى المحاكم، بل تنجز الأمور سريعاً بموجب قانون الطوارئ ولائحة التهم الجاهزة (على سبيل المثال، الانضمام لجماعة إرهابية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في ارتكاب جرائم من شأنها تعكير السلم والأمن)، ثم تعهد بهم إلى موت بطيء في سجون لا يُعلم عنها شيء، وتواصل في الوقت ذاته تكريه المواطنين في السياسة ودفعهم للسير "جنب الحيط" والالتزام باتباع كل منهم لكتالوغ المواطن الشريف: لا يسمع إلا كلام السلطة، لا يرى إلا بعيون السلطة، لا يتكلّم إلا بلسان السلطة.

وإن استجابت السلطات التركية في الشهور الماضية لاستغاثات حقوقية بإطلاق سراح حوالي 90 ألف سجين بسبب عدم كفاية معايير النظافة والوقاية في السجون التركية المكتظة، فقد حرصت في الوقت نفسه على استبعاد نشطاء حقوق الإنسان وأعضاء المعارضة والصحافيين من الاستفادة بهذا الإجراء. في مصر، يسبق السيسي غريمه اللدود بخطوة، فهو لا يكترث أساساً بكل ما لا يصدر عن أذرعته ومؤسساته، بعدما وطّد مكانه كشرطي حراسة على شواطئ المتوسط الجنوبية وأقنع حلفاءه الأوروبيين بأن يستبدلوا عيوناً مصرية حين ينظرون إلى مصر بعيونهم الأوروبية، التي لم تعتد خلط السلطات ودمجها وتسليم مفاتيحها لفردٍ واحد، أبّ حكيم ورئيس نبي وقائد ملهم، لا يقنع باحتكار السلطة ولا يكتفي بالأحقية في امتلاك الحقيقة.

لا يبالي النظام المصري بتنديدات المنظمات الحقوقية المستقلة حول طريقة مواجهته للجائحة، فهي في نظره عميلة ومدسوسة ومموَّلة، جزء من المؤامرة الكونية على الدولة المصرية. ومستقوياً بالحكمة القديمة القائلة أن مَن أمن العقاب أساء الأدب، يُعمل النظام أدواته القمعية في المغضوب عليهم والضالين في ساحته الداخلية. شكاية العاملين في القطاع الصحّي من قلة معدات الوقاية والاختبارات والأسرّة، ردّها عند النظام ترهيبٌ واعتقال واتهامات بالتخوين وحملات إعلامية وكتائب إلكترونية. وبدلاً من حماية الدولة مواطنيها، ترمي الكرة في ملعبهم لتدبير أمورهم بأنفسهم، مطلقة في الوقت ذاته أبواقها الإعلامية لرمي أفراد "الشعب الجاهل" بمسؤوليتهم عمّا هم فيه. أما البقية النادرة التي لا تزال تحاول إبقاء رأسها فوق مياه المدّ السيساوي، من صحافيين ومعارضين سياسيين وحقوقيين، فمصيرهم مرهون بمدى قدرتهم على تحمّل التشويه والمنع والتضييق والخطف والاعتقال والاختفاء.

العقلية الأمنية تحكم، والأدوات القمعية المعتادة متاحة وجاهزة دائماً، فيما يغيب أي أفق للخروج من وضعِ جدير بديستوبيا معاصرة. ولا ينفصل ذلك عن السياق الحاكم للحالة المصرية في أبعادها المتنوعة، فبعد 6 سنوات من وصول النظام الحالي إلى الحكم، و7 من إطاحة الإخوان المسلمين بعد عام كارثي، تتواضع أحلام المصريين كثيراً، وينخفض سقف الطموح تماماً، وتتضاءل فسحات الأمل واحتمالات التغيير والإصلاح. فما بدا للبعض المتفائل في مفتتح عهد السيسي، من إدارة لاديموقراطية للأمور، كتكتيك إضطراري تستلزمه ضرورات المرحلة الانتقالية والأخطار المحدقة بالدولة حينها وأنه مع الوقت واستقرار الأوضاع سينفتح المجال السياسي؛ أضحى حقيقة واقعة بعدما كبرت كرة الثلج الاستبدادي بلا سبيل إلا ردّها. وازدهر في الداخل المصري حنينٌ بائس لاستبداد أقل إجراماً، وإجرامٍ أقل فظاعة، وفساد أخفّ وطأة.

كل عام وكل يوم يمرّ، يتأكّد جوهر النظام الحالي بما هو كاره للديموقراطية كنظام سياسي وللسياسة بشكل عام، سيراً على إرث الديكتاتوريات الأوليغارشية في الحكم بالخوف والإرهاب والوصاية، والاعتماد على الولاء والطاعة، وإماتة السياسة وتقزيم الأحلام. خطورة ذلك إفضاؤه إلى التطبيع مع السيسي، كأمر واقع، كإطار يسيّج كل الأفكار والأحلام ببلد أقل سوءاً وأفضل معاشاً. التطبيع مع حال يصبح فيه الترحُّم على أيام استبداد مبارك مُبرّراً، والاعتقال واقعاً يومياً، والقتل خارج القانون بطولة وطنية، وإسكات الأصوات الناقدة مهمة قومية، وحلّ المشكلات بنفيها ودفنها.. يذكّر بقول أم كلثوم "ورضينا بسكون وسلام، وانتهينا لفراغ كالعدم"، في غنائها لقصيدة إبراهيم ناجي. هذا بالضبط ما أصاب الراغبين في التغيير والحالمين بغدٍ أفضل، في ظل ليلِ لا ينتهي حتى يبدأ من جديد، وقوانين لا تُعطَّل إلا لسنّ قوانين بديلة أشدّ قمعاً، وروح شريرة تدير مقادير الأحوال والمواطنين. والأخطر أن لا نهاية سعيدة لهذه الحال.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها