آخر تحديث:13:56(بيروت)
الأربعاء 01/07/2020
share

آل كابوني.. نبي أميركا المغدور

أحمد شوقي علي | الأربعاء 01/07/2020
شارك المقال :
  • آل كابوني.. نبي أميركا المغدور
    آل كابوني
  • روبرت دنيرو في دور آل كابوني
    روبرت دنيرو في دور آل كابوني
في فيلم جوش ترانك الأحدث "Capone"، يظهر ألفونس غابرييل كابوني كسفيه مثير للشفقة، على الرغم من أن زعيم المافيا الشهير، يكاد، في سياق مغاير، أن يدرك النبوة، من دون معناها اللاهوتي، أو ابتذالها داخل كيتش "رسول البهجة"، الذي قد تفرضه قراءة ساذجة لتاريخ حياته.

يشبه "آل" رائدًا ثوريًا أنجز تغييرًا جذريًا في هوية المجتمع الذي انتمى إليه، وتجاوزه ليشكل صورة الحياة والصراع الدائر فيها من بعده، لكنه لم يجن في النهاية –ومثل أي نبي مغدور- "سوى الإساءة والعيش كرجل مطارد".

وليس ذلك توطئة لتحسين صورة قاتل، لكن هكذا يبدو الرواد والثائرون: أنبياء أو سفلة، واختار كابوني أن يعيش سفاكًا للدماء، غير أن هذا لا يعني أبدًا اختصار ما أحدثه خلال حياته القصيرة المدهشة في هذه الصورة السطحية، وحدها التي دأبت السينما الأميركية على إظهاره فيها كقاتل عديم الإنسانية.

تولى آل كابوني رئاسة "مافيا شيكاغو" وهو في السادسة والعشرين من عمره، واستطاع خلال 7 سنوات فقط، هي عمر فترته الرئاسية، أن يحدث ثورة في هيئة رجل العصابات، ويدفع به إلى رأس الحياة العامة، مثل "روبن هوود" أولاً، ثم "عدو الشعب رقم واحد" تالياً، والذي أخفقت الولايات المتحدة في إثبات أي من جرائمه سوى تهرب ضريبي قضى على إثره 11 عامًا في السجن، قبل أن يفرج عنه لتدهور حالته الصحية مصابًا بـ"الزهري" الذي أهمل علاجه ليموت في الثامنة والأربعين من عمره بالسكتة الدماغية.

هل قرأ "آل كابوني" موباسان، الذي كتب إلى صديقه روبير بينشون، متجاهلًا النهاية البشعة التي تنتظره: "لا أملك الكريستال الإكليريكي، ولا عرف ديك كمثل الذي يملكه هؤلاء البرجوازيون، ولا أملك حتى القرنبيط... لا لا، إنني مصاب بالزهري العظيم، ذلك الذي مات به فرانسوا الأول؛ إنني لفخور بذلك رغم أنها مصيبة"، فأراد أن يحوز كل ما افتقر موباسان إلى اقتنائه ثم يحظى في الوقت نفسه بذلك الموت العظيم: "أفضل أن أكون غنيًا، ثريًا، وجشعًا ويكون مصيري بعد الموت هو الجحيم، على أن أحيا في الأرض فقيرًا".


امتلك "سكارفيس"، وهو اللقب الذي كرهه زعيم المافيا وناله من عراك قديم ترك أثره على الجانب الأيسر من وجهه؛ قريحة بليغة، تعكس فهمًا عميقًا لوضع المجتمع الذي عاش فيه، وعبقرية إدارية لافتة مكنته من تكوين ثروة قدرت بمائة مليون دولار (1.5 مليار دولار بأسعار العملات اليوم)، ومواهب أخرى غير القتل والنهب وتهريب الخمور والدعارة، مثل ما سجله من مقطوعة موسيقية على البيانو، وهو في السجن بعنوان "مادونا ميا"، وذلك في الوقت نفسه الذي امتلك فيه هيئة تخلو من كل علامة للنبوغ: وجه مستدير وجسم يشبه الكرة، يؤهلانه على أقصى تقدير لأن يكون خفيرًا على بيت بغاء تملكه العصابة لا أن يكون قائدها.

تلك الشخصية المعقدة هي ما دفعت الرسام البلجيكي جورج ريمي لاستدعائها، لتكون الوحيدة من العالم الحقيقي التي تشارك بطله "تان تان" واحدة من مغامراته، لكن السينما الأميركية أخذت من آل كابوني ولم تمنحه أي شيء في المقابل، هذه الصورة التي صكتها لدون كرليوني كزعيم مافيا أبدي، هي الأقرب إلى ما بدا عليه آل كابوني في الحقيقة، لكنها عندما استدعته ليمثل إرثه على شاشتها، لم تمنحه سوى صورة كاريكاتورية لضدين: وحش منعدم الإنسانية في فترة ازدهاره، وسفيه يتغوط في ملابسه الداخلية خلال أيامه المتأخرة قبل موته.

فعلى مدار عشرات الأعمال السينمائية التي بدأ إنتاجها منذ العام 1932 وحتى يومنا الحالي في 2020، ظهر آل كابوني وفق تمثلات مكررة تعكس صورة أحادية لشرير منعدم الإنسانية يقتل الأبرياء، يتخذ صورة جسدية تستقي هيئتها من النموذج الأميركي للفحولة*، لتكرس ربما للنموذج الضد لـ"الأميركي السوبر مان" المتخيل، الذي قد يوازيه في القوة والفحولة والوسامة ولكنه يفتقر إلى إنسانيته.

هذا الأداء القاصر يكشفه بوضوح الفيلمين الأميركيين (The Untouchables (1987 و"Capone" الذي عرض مؤخرًا، والذي وإن فصل بينهما 33 عامًا، إلا أنهما يجتمعان كإطار يضم حكاية آل كابوني كما أرادت السينما الأميركية أن تعرضها، مثل قوسين ينغلقان على فراغ، فالأول الذي استعان بنجوم هوليوود الشباب في ذلك الوقت: كيفن كوستنر وروبرت دي نيرو وأندي غارسيا ومعهم المخضرم شون كونري. كان يسلط الضوء على ما أنجزه المحقق الأميركي إليوت نيس من جهد للإيقاع بآل كابوني، فيما يظهر الأخير، مثلما بدا على أفيش الفيلم، في الخلفية، كمارد عملاق جشع ومختل نفسيًا وقاتلا للأبرياء والأطفال، وفي الثاني الذي استعان أيضًا بنجوم الصف الأول مثل توم هاردي وليندا كارديليني ومات ديلون، يُظهر ذلك المارد وقد صار حطامًا، وكأن الفيلم صنع فقط ليستعرض القصاص الذي لم يأخذ فرصته كافية في العمل الأول.

إن تلك الصورة الأحادية يمكن فهمها عند استدعائها لمرة وحيدة بدافع التمثيل بجرائرها، لكن ذلك الإلحاح الغريب لاستلهام شخصية آل كابوني في السينما الأميركية، لم يعد يشفع له الانتقام من جرائمه عبر التعريض بها، فإن كان ثمة دافع لاستحضاره في أي عمل فني جديد فهو محاولة لرسم صورة مقرّبة لما كانت عليه تلك الشخصية المضطربة التي تتأرجح بين الإنسانية وانعدامها في الوقت ذاته.

لكن تلك الصورة المهللة الباعثة على الشفقة لزعيم المافيا الذي صار يخرف ويتغوط في ملابسه الداخلية، وهو يعاني آلزهايمر الذي قضى على كل فرصة للعثور على ثروته التي خبأها، كانت مخيبة لآمال الجمهور الذي انتظر طويلا فيلمًا بعنوان "فونسو Fonzo"، طامحًا أن يرى صورة أخرى عن ذلك الإنسان الذي يقبع خلف صورة سافك الدماء، لما يعكسه اسم الفيلم المقتبس من لقب تدليل آل كابوني من إيحاءات، لكن المخرج جوش ترانك، أبى إلا أن يغير عنوانه إلى "Capone" من دون الـ"آل" ربما ليقول لهم لا تنتظروا شيئًا، أنا هنا سأعرض لكم قشرة أخرى خارجية من قشور آل كابوني المكررة، لكنها هذه المرة من دون سطوة "آل" الجبار، قشرة مهترئة متداعية لا تحمل في معناها شيئًا سوى إثارة الشفقة الزائفة، بينما يتحدث لسان حال آل كابوني من قبره: "سئمت وتعبت من الشهرة، لا أريد المزيد منها، إنها تضعني في بؤرة ضوء سيئة، أنا أريد فقط أن يتم نسياني".

قدم شخصية آل كابوني في السينما، كل من: نيكولاس كوكينس، والاس بيرى، بول موني، باري سوليفان، رود ستايغر، نيفيل براند، جيسون روبرتس، إريك روبرتس، بن جازارا، روبرت دي نيرو، ويليام ديفان، تيتوس ويلفر، مايكل أنطوني كوستوديو، أنطوني لابلاجيا، ويليام فورسيذي، وتوم هاردي.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها