آخر تحديث:15:49(بيروت)
الإثنين 29/06/2020
share

انشقاق كلود أولييه وسرّه

روجيه عوطة | الإثنين 29/06/2020
شارك المقال :
انشقاق كلود أولييه وسرّه
أصاب كريستيان روسيه في عنونة كتابه الجديد عن كلود أولييه (دارHippocampe)، أي "المنشق السري". فذلك الروائي كان بالفعل يدرك كيف يصل الانشقاق بالتسرر، طوال عيشه وتجربته. لعل أفضل ما يعبّر عن وصفه على طريقة روسيه، هو علاقته بـ"الرواية الجديدة". فصحيح أنه حُشر مع أسمائها، إلا أن حشره في هذا التيار أو الوجهة لطالما كان مرده أنه، وفي الأساس، "غير مصنف"، بمعنى أن أدبه بقي منشقاً عن كل محل وضع فيه، وعاصياً على الكشف. فالاستفهام حول الرواية التي يكتبها لم يكن يبلغ جواباً من قبيل "إنها كذا". على العكس، كان الجواب عليه دوماً بأنها رواية يصعب تحديدها، متفرقة، مبعثرة. أما سِمتها الأساس، فهي أن السرد فيها، وبالاستناد إلى عبارة مقتولة من كثرة استخدامها كيفما كان، "سهل ممتنع"، لكن، وفي سمته هذه، يكمن كل سرّ وكل انشقاق.

قال ميشال فوكو مرة أنه يكتب كي لا يبقى مثلما كان قبل كل كتابة، كي لا يفكر مثلما كان يفكر قبلها. يصح الاعتقاد أن أولييه كان صديق فوكو في هذا المذهب، أي أنه هو أيضاً كان يروي - قبل أن تنفك الرواية عن الكتابة وتصير مجرد إخبار قصصي- كي لا يبقى مثلما كان قبل روايته. الدليل على هذا، بدايةً، هو أن كل رواية من رواياته اختلفت عن سابقاتها ولاحقاتها: مرةً هي رواية بوليسية، ومرةً هي رواية سفر، ومرةً، هي حكاية مدينية، ومرةً، هي شبيهة بتحقيق، ومرةً، هي أقرب الى التأريخ، ومرةً، هي كلاسيكية، ومرةً، وهذه من أفضل المرات، هي لعبة مع القراء، لعبة تحضهم على إعادة ترتيبها، أو حتى على خلقها. بهذا، لم يكن أولييه يستقر على طرز روائي بعينه، إنما يدري أن الرواية واسعة، ورحبة، وقبل ذلك، كان يؤمن بأن القدرة على الأدب هي قدرة على التدخل في مختلف جوانبه. "أنا مجرب"، كان يقول فوكو، أولييه أيضاً لم يكن غير ذلك، في روايته، ومعها، عيشه.
فيخبرنا روسيه، وبتوثيقه الجذل، عن عيش أولييه، الذي بدأ في باريس قبل أن يتشكل من محطات كثيرة. لقد كان أولييه من ذلك الجيل المغامر، جيل نهاية المغامرة، بما هي انصراف إلى البعيد، إلى المجهول. ففي كل موطئ قدم، ثمة له موطئ رأس. هكذا كانت صلته بغرفة كتابته، وهكذا كان حبه لأميركا، وهكذا كانت صلته الطويلة مع كازابلانكا، ومع مراكش، حيث ناصر قضايا التحرير المغربي، وهكذا هي صلته مع الإسلام، الذي سرعان ما وقع في حبه. فأولييه المسلم هو أولييه الذي وجد في ذلك الدين، وبعباراته، ما جعله يتعلق بالكتابة، ويتعلق باللغة أكثر فأكثر. وهذا، في الواقع، ليس بالأمر غير المألوف عن هذا الروائي، بحيث جعل من ترك موطنه على متن السرد والمغامرة ما يشبه محور أدبه، الذي، وبحسبه، يفيد في لخبطة التنظيم الزمني والمكاني للعالم، بمعنى إعادة فتح الأمكنة والأزمنة على بعضها البعض.

ومن الأشياء التي لا تعد ذائعة الصيت عن أولييه، عدا عن انشغاله بالأدب، وهو انشغال يساوي العيش بتمامه، أنه واظب على النقد السينمائي طوال عشر سنوات. كتب حلقات إذاعية وسيناريوهات فيلمية، مثل "ecoute voir" لهوغو سانتياغو. وبهذا، كان أولييه يستكمل تجربته، أو بالأحرى انشقاقه وتسرّره. إذ إنه، وحين مات وحيداً في ضاحية بور-مارلي، فعل ذلك كأنه يمضي في أدبه الى عقبه الأخير، الذي ليس رحيلاً بقدر ما هو قريب من كتاب من كتبه، ومن "قصة غير قابلة للقراءة" (فلاماريون، 1986) على الأرجح.

بطاقة
ولد كلود أولييه في باريس العام 1922، ومات العام 2014. يُعد من أدباء "الرواية الجديدة"، لكنه، اتصف بتجربة فريدة، وضع خلالها عشرات الروايات، منها: "مراكش مدينة"، و"إينغما"، و"كارثة" (أو قارثة-qatastrophe)، و"اصطناع"، و"كوارتز"، و"fuzzy sets".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها