آخر تحديث:13:48(بيروت)
الإثنين 29/06/2020
share

الثورات وإسلام ما بعد الاستبداد

المدن - ثقافة | الإثنين 29/06/2020
شارك المقال :
الثورات وإسلام ما بعد الاستبداد منمنمة عثمانية
يصدر قريباً عن منشورات الجمل كتاب "الإسلام المتردّد/ الثورات وإسلام مَا بعد الاستبداد" لحمادي الرديسي، تعريب السيّد العلاّني. والكتاب حصل على جائزة الكتاب الفلسفي لأورباج فرنسا 2017، وجائزة المعرض الوطني للكتاب التونسي في دورته الاولى 2018... ننشر هنا مقدمة الكتاب بالاتفاق مع الناشر. 


الإسلام القادم                       

عاش الاستبداد واستنْفد كُلَّ إمكانيّاته ولَمْ يَبْقَ له حُماة. فَقد اِحْتمى طيلة عشرات السّنين وراء فِكْرَةِ البناء الوَطني "بناء الأمّة". فهذه طُرُقاتٌ تُعبَّدُ وهذه مدَارِسُ تُبْنَى وَالأرْقَامُ تقوم شاهِدًا على ذلك؛ إلاّ أنّه أُصيب بعدم المِصْدَاقية فَفَقَدَ الشّرعية أي أنّه لم يعد مقبولا. كان في البَدْءِ قادرًا على الاستفادة من ذلك الحُكمِ المُسْبَقِ الذي يرافقُ كلّ بدايةٍ وَاعِدَةٍ. لكن في هذه الحالة بالذّات لَفَظَهُ حتّى مناصروه. فلاَ شيءَ يُبْرِزُ كُرْهَ سُلطة الاستبداد خَيْرٌ من الصّرخة التي اِخترقت سَمَاءَ تونس ذات 14 جانفي 2011 "الشعب يريد"، "الشعبُ يريدُ إِسقاطَ النّظامِ" وَهْوَ مَا يُعبّر، في المستوى العَرَبي الإسْلاَمي، عن النّهاية الأنطولوجيّة لسلطة تَعْتَمِدُ القوّةَ الصريحة. كلّ ذلك لنقول إنّ إسلامَ مَا بَعْدَ الاستبدادِ هو أوّلاَ وقَبْلَ كلّ شيءٍ رَفْضٌ للنّظام الاستبدادي ولاَ شيء في مَا عَدَا ذلك يقبَلُ الحَسْم. وَبكَلامٍ آخرَ فإنّ إسْلاَمَ مَا بَعْدَ الاستبداد  يُدشّن عَهْدَ عَوَالِمَ مَفْتُوحةٍ عَلَى الأحسن كما على الأسْوَأ.

نَدين بهذا الحَدْس الحَادّ إلى الانتفاضات العَربيّة وَلاَ يَهُمُّ إنْ كَانَتْ تَمَرُّدًا عَرَضِيًّا مَحْكُومًا بأجَلٍ مُحَدَّدٍ، أمْ تحوّلاً تاريخيّا مُؤْلِمًا؛ واَيَهُمُّ كذلك إِنْ اِعْتُبِرَتْ اِنْتِقَالاً دِيمقراطيّا مُجْهَضًا أو مُجرّدَ اِنتقالٍ سِياسيٍّ نحو مَا لاَ نَدْرِي. وَعلى كلّ حالٍ فنَحْنُ مَدينُون لَهَا بهذه الرّغبة التي لاَ تَحْتَمِل كَبْحًا لِجُمُوحها، تلك التي تُفْصِحُ عنها عِبَارَةٌ لاَتينيّة أعَادَ صياغتها كانط Kant "لتعُمَّ العدالةُ حَتَّى وَ إِنْ كَانَ لاَبُدَّ مِن مَحْقِ كُلِّ مَكَرَةِ العَالَمِ من أجْلِهَا". وينْبَغِي أنْ لاَ تَخْدَعَنَا وَفْرَةُ عَدَدِ الدكْتاتُوريّين فمَصيرهم مَحْسُوم. تلك هي الرّسالة العظمى. وعلى العَكْسِ مِنْ ذلك فإنّ البلدانَ المَعْفيّة مُؤقّتًا من الانتفاضات لَيْسَت في مَأمَنٍ من الإعْصار. وبناء عليْه فإنّ ما بَعْدَ الاستبداد يضع حَدًّا لأنظمةٍ مُتَجَمِّدَةٍ وَمع ذلك مُستقرّةٍ. ويدخل في تمشٍّ لاَ نستطيع استباق وِجْهَتِهِ النّهائيّة، فخاتِمَتُهُ غَيْرُ مَعْلومةٍ.

لكن أَلَا يَضَعُ حَدًّا للاستثْناء الاستبدادي؟ يقولُ لنا هنري لورانس Henry Laurens: نَعَمْ "الاستثناءُ الاستبداديّ العَربيّ وَصَلَ إلَى نهايته[1]."شيءٌ وَاحِدٌ ثَابْتٌ ويقيني هُوَ أنّنا لَمْ نَعُدْ في الاستثنائية العربيّة الإسلاميّة" كمَا كَتَبَ أوليفي رُوي Olivier Roy[2]. وَمَا بعد الاستبداد يَضَعُ حدًّا أيضا للاستشراق ذلك العِلمُ الذي يُجَمّد الشّرقَ في أنموذج مِثالي لاَزَمَاني كَمَا أعْلن جون بيار فيليو Jean Pierre Filou[3]. وَليسوا وَحدهم الذين اِبتهجوا بذلك بَعْدَ أنْ ظلّوا لِمُدَّةٍ طويلةٍ يَرْفُضُون مَبْدَئيًّا وُجُودَ الاستثناءِ! وَمنذ ذلك فَتَرتْ الحَمَاسَةُ وانتهى الأمرُ بهذا الخُصوصِ إلى أرَاءَ أكْثَرَ اِتّزَانًا. إنّ "الاستثناء الإسلامي" كما بيّناه على الأقلّ في السابق إنّما هو تشخيص تاريخي اِستِدْلاَلِي يُغَطّي مَجالاً أوسعَ من الشُّذوذ أوِ اللاَّمَأْلُوف السّياسي. وَدُون أن نستبعد الإمكانية التي يُفْضِي إليها الاستثناءُ فإنّ هذا الكشف يَطْرَحُ حرفيّا السّؤالَ التّالي: "كيف الخروج من هذا الاستثناء[4]؟ وَتَطرّقَ ذَاك التشخيص إلَى شروط الخروج منه وِفْقَ مَا يُعْرَضُ مِنْ وُجُوهِهِ المتنوّعة: بمعنى أنَّ الاستثناء الثّقافي "لا يمنع من جَعْلِ الهُويّة تتعايش مع الحداثة" ولِتَجَاوُزِ الاستثناءِ الأُصوليَّ نُواجِهُهُ بـ"الأصوليّة التنويريّةِ المَدَنيّةِ". أمّا الاستثناء الجِهَادي فنقاومه بجِهَادٍ ثانٍ (أي الاجتهاد وَهُمَا من نفس الجذر اللّغوي). ونَقْطعُ مع الاستثناء الديني/ السياسي بالكفّ عن"الاستِعْلاءِ بالنسبة إلى الأدْيان الأخرى المُزَاحمة". أخيرًا "لا شيءَ في الظّاهر يَمْنَعُ الإسلامَ الاستبداديَّ من الذّوبان دَاخِلَ صناديق الاقتراع إنْ توفّرت الشروطُ الهيكليّةُ والثقافيّةُ مجتمعةً أيْ اقتصادٌ متحرِّرٌ مِنَ الارتهانِ الرّيعي وفكرٌ توافقيٌّ يحرّك الفاعلين في السّاحة السياسيّة وشَرَائحُ اِجتماعيّةٌ مؤمنةٌ بالديمقراطية [....] متحرّرةٌ تعيش وَسَطَ مجتمع مَدَنيٍّ مُنَظّم بدَوْلَة القانون وَمنطق "الصّالح العام" أو "النّقاش المُباشر"[5]. هل هذه الشّروطُ ضروريّةٌ؟ وهَلْ هي مجتمعة في نهاية الأمْرِ؟ تلك مَسْألةٌ للمناقشة.

إنّنَا لنخطئُ حين نَظُنّ أنّ ما بعد الاستبدادِ يُفضي بِطبيعته إلى ديمقراطيّة مَدَنِيّةٍ مُتَحَرِّرَةٍ فهذا ليس بالحَتْمِيّ. فإسلامُ مَا بَعْدَ الاستبداد يقبلُ عن طيب خاطر أُسُسَ الحَدَاثة الثلاثة يَعْني الديمقراطيةَ (الشعب ينتخب) والمَدَنيةَ (فصل الديني عن السياسي) والحرّيّةَ السّياسيةَ (كلّ الحريّات للجميع إناثا وذكورًا). ويكفي أنْ نَنْظُرَ في عناد مُنَاصِري هذه الأسس وَهْوَ عناد لاَ يَقْبَلُ تراجعا أوْ أنْ نَنْظر كذلك في التجارب الأخيرة التي تُعرفُ بـ"التجارب الدّيمقراطية في الإسلام" فَهْيَ مع الأسف نادِرًا مَا تحترم الحريّاتِ الفرديّةَ وتتلكّأُ في ما يتعلٌّق بفصل الديني عن السّياسي وبآخْتصار هي تَسْعَى إلى تحقيق مَنَافِعَ اِنتخابيّةٍ. إنّ ما بعد الاستبداد يَشمل  الاسلاماويّات جميعها وبهذه المناسبة نَذْكر أنّ تفسيرًا مُتَسَامِحًا يتحدّث عن "مَا بعد الاسلاماويّة" أي الاسلاماويّة الخارجة من الأصوليّة الراديكالية. فَهْي تَرضى بالمؤسّسات المدنيّة (دُون أنْ تتخلّى عن المرجعيّة الإسْلاميّة) وَتقبل باللّعبة الدّيمقراطيّةِ (وَتطالب في ذات الحين بالهُويّة) وتجمع بين الحُقوقِ الإنسانية والفُروضِ الدّينيّة. تلك هي النظريّةُ المثيرةُ لعَسّاف بَيّات وأوليفي رُوي Olivier Roy. فالإسْلاَمَاويّةُ لَمْ تَعُد "دَاءَ الإسْلام" كما يقول عبد الوهاب المؤدّب، إنّها دَواؤُهُ. هي إسلاميّةٌ مُحافظةٌ على نَمَطِ (حزب العدالة والتنمية) التركي الذي هُوَ في جَوْهَرَهُ لاَ يبتعد كثيرا ع نظينره الدّيمقراطي/ المسيحي. ذاك هُوَ مَا بَعْدَ الإسلاماويّة يَعْنِي دُخُولَ الإسلام في عَهْدِ اللاّرِيبة. ولِلعولمةِ في هذا بَعْضُ شَأْنٍ. فَقَدْ أخرجت الإسلام من أقاليمه وجَعَلَتْ منه خُصوصيّةً فرديّةً ومَنَحَتْهُ مِساحةَ اِنتشار وَدَفَعَتْه إلى تحمّل النّتائج الفَاسِدَة لـ"نظام العَالم". فبهذا المعنى وَجَب أن نَفْهم الإسلام المُعولم عِنْدَ أوليفي رُوي Olivier Roy. غير أنّه يُوجدُ تفسيرٌ أكثر تجذّرًا، تفسيرٌ يساوي بين العولمة التجاريّة والإسْلامَاويّة اللّذان يُقيّدان "الفرد الحرَّ الذي طَرّقَتْهُ الحَدَاثةُ". فَمِنْ جِهَةٍ أولى عَالَمُ تِجارةٍ غيرُ عادل بقدْرِ ما هو لاَ يرحم يُغْرِي كلَّ مُستبعد على الأَرْضِ بِسَعادةٍ ممتنعةٍ. ومِنْ جِهَةٍ أخرى أصوليّون يجدّدون إلاها هِرم جَرَّاءَ الشريعة، وهم يموّهون باسْمه[6]. إنّ إسلامَ مَا بَعْدَ الاستبداد يَضُمّ الإسلاميّةَ التي هدأت بعد هيَجَاٍن ويُواجه في نفس الآن مَصَاعبَ مَعَ عَدِيد التيّارات المتطرّفة. فالحالةُ إِذَنْ جدُّ مَأساوِيّة. فَمَا أن يَهْدَأَ تيّارٌ اِسلاماويّ حَتّى يَخْلفَهُ آخَرُ عَلَى نَفْسِ خُطاه ويَحتلّ المكان الذي أخلاه. فَكَأنّما ثمّةَ "بِنيةٌ أُصوليّةٌ راديكاليّةٌ غائبةٌ" تعمل  من وراء الأصوليات الظاهرة.

عند هذا المنطلق نَصِل إلى مَا يُهدّدُ مَا بَعْدَ الاستبداد أي اِنهيار الدّولة. فالدّولة في مفهومها الضّيق الذي أصّلَه ماكس فيبر Max Weber هي جماعةٌ تحتكر العُنْفَ على أرضٍ مُعيّنةٍ. لكن لاَ بُدَّ لِهَذَا الإكراه، بالرغم من أنه خارج الإرادة، أنْ يَحْظَى بالموافقة. إلّا أنّ دَوْلَةَ مَا بَعْدَ الاستعمار قَدَّرَتْ أنَّهُ بإمكانها الاسْتِعْفَاءُ من هذه الموافقة. فلقد ظنّت أنّ الدولةَ القويّةَ إنّما هي السّلطةُ الرّهيبةُ. وفي الواقع تلك دولةٌ ضعيفةٌ على عكسٍ تامٍّ من الدّولة العِضْويّة التي تُقاسُ قُوّتُها بِكَفاءَتِهَا على الانْدِمَاجِ في المجتمع المَدَنِي وبِتأثيرِها في مُكوّناتِهِ وَعلى تغْييرِ المجتمع. فَكَأَنّنا نَشْهَدُ نهايةَ مَرحلةٍ أيْ أنّ مَا بَعْدَ الاستبداد يُشكّكُ في الدّولة الإقليميّة. فهي هنَا لاَ تزال فتيّةً لا تقدرُ على الصّمود أمَام القُوَى التي تُطاردُها أمّاَ هُنَاكَ فمنغمسة في التاريخ  لكنّها جامِدَةٌ. فالتفكيك يُهدّدُ تركيا وَحَتّى تونس ليست في مَأْمَنٍ منه. إنّ الدّولة في كلّ مَكَانٍ تَخْتنق وتتَرنّح ثمّ تَنْهار حيث تَجْتَمعُ الشّروطُ. هَذَا لَيْسَ وَهْمًا فَمُنْذُ سَنَوَاتِ التسعين من القرن الماضي اِرتسم هذا الاتّجاهُ في الصّومال[7]. وتأكّد بسقوط العِرَاق إثر التدخّل الأميركي (2003). أمّا سوريا وليبيا واليَمَن فقد جَرَفَهَا تيّارُ الانفجار العَرَبيّ.

من المستحيل في هذه الظروف أنْ نستبق المُستقبل لاَسيّما حين يكون من الصّعب جدّا إدْراكُ الحَاضرِ أي أن "يختزَل المرءُ عصْره في الفكر"(هيغل). غير أنّ الحَدْسَ خَصْبٌ حَتّى وَإنْ كانت السابقة"مَا بعد" (مَا بَعْدَ الإسْلام) تثير بعْضَ التحفّظات، فَهذه التحفّظاتُ نَفْسُهَا تُثار كُلَّ مَرّةٍ أضيفتْ فيها هذه السابقة اللغوية "ما بعد" إلى مَفْهُومٍ مَّا. علَى أنّ هذا لَيْسَ بِدْعَةً. فالمهمّ أنْ لاَ نُفكّر خَطَأً أّن الـ"مَا بعد" يزيح نِهائيّا الـ"مَا قبل". إنّ السّابقةَ "مَا بعد" تشير إلى أنّ شيئًا جديدا يُضَايِقُ التواصلَ التراتبيَّ للأشياء. وبهذا المفهوم فإنّ مَا بَعْدَ التّاريخ لاَ يَسْتَطيع البتّةَ أنْ يَضَعَ حَدًّا للتاريخ. فَالمجتمعاتُ مَا بَعْدُ صناعيّة لَمْ تُعَطِّل الآلاتِ. ثُمَّ فِي حالةِ "مَا بَعْدُ ديمقراطية" عندما يكون التصرّف بِيَدِ تِقْنُوقْرَاطِيّين فإنّ الشعب يَظَلُّ المصدرَ الأخيرَ للشرْعيّة وَهكذا إلى أمثلةٍ أُخْرى. وَلهذا السّبب بالذّات يَنْجُو الفَنُّ وكذلك النّظريّةُ السياسيّةُ وكذلك الفلسفةُ مِنَ التصَدّع العنيف ومِنَ التقدّم العِلمي أيضا، وَهُمَا مِيزَتَا العُلُومِ الصّحيحةِ. فكانط Kant لمْ يرمِ بأَرِسْطُوAristote في مزبلة التاريخ بَيْنَمَا ثَمَّةَ مَا قبلَ ومَا بَعْدَ قاليلي Galilée أو كوبرنيك Copernic مثلاً[8]. لهذا السّببِ فإنّ اِسْلاَمَ مَا بَعْدَ الاستبداد ليس بالتحديد مَرْحَلَةً تاريخيّةً أوْ فترةً مُعيّنةً. إنّهُ لَم يَرْقَ إلى مَوْضُوعٍ اِبِسْتيمي Epistémé يُحدّدُ الظّروفَ الجَدِيدةَ لِمَا يكون مَحَلَّ تفكير (أو قولٍ أو عَمَلٍ) بقَدْرِ مَا هُوَ نَزْعَةٌ فكريةٌ. وَعليه يتعين أن نأخذه كما هو أَي إطار معياري وَعقلنة تفيد الفهم ولْنَقُلْ كما قال فُرانسوا لِيوتار François Lyotard نأخذه على أنّهُ وضعية.

إنّ مَا بعد الاستبداد الإسلامي مُلَغّمٌ بِمُفَارقَة. فَهْوَ قَدْ قَطَعَ مَعَ الاستبداد إلاّ أنّه لَمْ يقطع بِالمَرَّةِ مع المأثور. المأثورُ ذاكَ النّقْلُ الموصولُ منْ جيلٍ إلى جيلٍ وذاك التّواصلُ الذي لا ينقطع مع القدامى. فهْوَ لاَ يَرْفُضُ سلطة الاتّباع التي لاَ نُخْلط بينها وبين السُّلطةِ في صِيغَتِهَا التي تفيد المبالغة والتضَخُّمَ أيْ التسلّطِ بقطع النظر عن الجذر اللّغوي المشترك بين اللّفظتين. إنَّ سّلطة المأثور تَقَعُ بَيْنَ الأمْرِ المَفْرُوضِ من جهةٍ والتكليف ذي الطّابع الاختياري من جهة أخرى. فالمورُوث له هالة تحُثُّ على الانصياع عَلَى عَكْسٍ تامٍّ من القُوّةِ المُؤسَّسَةِ عَلَى الإرْغَامِ من خارج الذّاتِ[9].َ فمن وراء المأثور "الضئيل" أي التقليد الرّوتيني لَدَى العُلَمَاء،يسْتَحْضِرُ "الإسْلامُ الآتي" المَأثورَ "العظيمَ" أي إسلامَ الأصُول. وهذا هُوَ جَانِبُهُ التّرَاجُعِي. وَلقد كَشف الإسْلامُ الحديثُ مُجَدَّدًا الرَّوابِطَ مع هذا المأثور بَعْدَ تَأزُّمِ السُنّة أواسط القرن التاسع عشر ومِنْ هذه الرّوابط صَنَعَ صُورَةً حَيَّةً أي أنْموذجًا أعْلَى يعْنِي أنّ الإسْلَامَ في "جَوْهَرِهِ" ضِدَّ التسلّط لِنُلَخِّصْ فَنَقُول إنَّ إسْلامَ مَا بَعْدَ الاستبداد هُوَ الإسلامُ القادم: إسْلامٌ مُسْتَسْلمٌ للغموض يَعْمَلُ في ظروفٍ غير مُستقرّةٍ تَتَميّزُ بحرَكِيَّاتٍ مُتناقضة. وَهْوَ مُنفتحٌ على كلّ الإمكاناتِ يَقْطَعُ مَعَ الزّمن السّياسي "الجَامدِ" المَا بَعْدُ اِسْتِعْمَارِيِّ بَلْ يتحدّاه. كما يمكنهُ أيضًا أن يَنْفَتِحَ على ديمقراطيّة (يُعاني مِنْ تصوّرها مُتحرّرةً وَمَدَنِيَّةً) أو أن يسْتَعْجلَ اِنهيارَ الدّولةِ (العربية على الأقلّ). وَهْوَ يَشْمَلُ جميع الإسلاميّين منَ الإسلاميّة الهادئة المُتعقِّلة إلى الإسْلاميّة التي هي في غَايَةِ التطرّف الجِهَادي. هَذِه العَنَاصِرُ تَجُوبُ كُلَّ مَنْحًى مِن مَنَاحي المحاور الثلاثة لهذا الكِتَابٍ الذي يَعْرِضُ فِكْرَةً للمناقشةِ وذَاكَ هُو السَّبَبُ الذي من أجْلِهِ يَنْطلق إلى مَا هُوَ أَسَاسِيّ. فيُناقش في البَدْء مُنْعَرَج مَا بَعْدَ الاستبداد الذي كبّلَتْهُ مَا تسَمّى بالثّورات العَرَبيّة. فَهَلْ هي فعلاً ثَوْرَاتٌ؟ فالثّورة تكونُ تَاريخيّةً يَعني أنّها تتمدّد في الزّمن كما تكونُ نادِرَةً (فقليلة هي الحالات النّموذجيّة وَكثيرةٌ هي الحَالاتُ المُشوّهةُ) وتَكُونُ لَهَا أسْبَابٌ عَديدةٌ حَتّى لَيَصْعُبَ الاتّفاق على أيّها أقرب وأيّها أكثر فَاعِليّةً. وفي الحَقِيقَةِ نَكُونُ قَدْ حَسِبْنا اِنْتقالاً سِياسيًّا "من التحت" ثورَةً. فَكَأنَّ في التمَرُّدِ هَيْبَةً أكْبر مِمَا في العمل الإصْلاحي مِنْ عَظَمَةٍ وذلك مِنْ بابِ التَّملُّقِ لِلْأنَا العَرَبيِّ وإعْفَاءً لِلْهُواةِ والمُتَحمّسين من كلّ وَاجِبٍ أخلاقي إزاء عُنْفٍ رَهيب يُوكَلُ تقوِيمُهُ إلى التّاريخ في مَوْعِدٍ غير مُحَدّدٍ. ثمَّ إنّ الربّ خبير بما في الصدور! وَمع ذلك فإنّ فكرةَ الثورة مُلاَئمةٌ وعلينا هُنَا أن نَعُودَ إلى المَصَادِرِ الفِكْرِيَّةِ وَنُفَسِّرَ من وِجْهَة نَظَرٍ اجتماعيّة لِمَاذا أُجْهِضت الثّوراتُ العربيّةُ بآستثناء تونس التي لاَ تزال في حَالَةِ ترَقّب (هذا هو الجزء الأوّل من الكتاب). ثمَّ إزاء ديمُقْرَاطِيّةٍ ليبراليةٍ مَدَنيّةٍ بَحَثَ الإسْلاَمُ في أعماقِ تراثه الفكري عَنْ حجج ضِدَّ الاستبداد. وَهْوَ مَجْهُودٌ مَحْمُودٌ إلاّ أنّ النتيجةَ السّياسيّةَ مُتواضِعَةٌ.

فبعد Risorgimento– عصر النهضة - بقرنٍ كانت البلدان التي تحوّلت إلى ديمقراطياتٍ قليلةً[10]. إضافة إلى ذلك فهْي تبقَى مُهَدَّدَةً إمّا بـ"الشَّرْعُ/ ديمقراطيةٍ"(مَزيج مُشَوَّهٌ من شريعةٍ وآنْتخاب) أو بآستبداديّةٍ جديدةٍ (إستبداديّة بوجْهٍ مُزَيّن) وَذاك إغْرَاءٌ مُضَاعَفٌ يؤثّر في آليّات مَا بعد الانتقال (وهذا هو الجزء الثاني من الكتاب). وَأخيرًا الإسلاميّةُ التي لاَ مَنَاصَ منها بين الاعتدال والرّاديكاليّة بين السّلميّة والعنف بين الانطواء والانتشار من جديد. وقد رَاهَنَ طِوَالَ سِنين خبراءٌ وَرجالُ سياسةٍ وذَوُو عَزَائمَ صَادِقَةٍ على اِسْلاَمٍ هَادِئٍ قَادِرٍ على اِمتصاص الرّاديكاليّة. وَتحوّلت مَا بعد الإسلامَاويّةُ هذه إلى ديمقراطيّةٍ لكن اِتَّضح أنْ لَيْسَ منْهَا كبيرُ فَائِدَةٍ. فالجهادُ لَمْ يَنْتَعِشْ أبَدًا كآنتعاشه في ظُروفِ مَا بَعْدَ الاستبداد بَلْ لَقَدْ وَسَّعَ مَيْدَانَ صِرَاعِهِ نحو أُورُوبا وَهْوَ يُهَدِّدُ الأمْنَ العالمي. إنّها الإسْلاماويّةُ التي تتكرَّر. فَهَلْ هِيَ حَتميّة؟ (هذا هو الجزء الثالث من الكتاب) يُمْكن أنْ لاَ تكون كذلك، وَلكن بين ديمقراطيّة مَنْقُوصةٍ وَ نِظَامٍ وحشيّ يَظَلّ الهامش ضيّقًا (وتلك هي خاتمة الكتاب). 

_____________
[1]Henri Laurens, Chronique d’une révolte annoncée,  in  L’Histoire, Les collections, n°52, p. 16هنري لورانس "تاريخيّة تَمرّدٍ معلن" في مجلة التاريخ – المجموعات عـــــ52ـــــدد ص 16

[2]Olivier Roy, Révolution post-islamiste, in Le Monde, 12/02/2011. أوليفي رُوي "ثورة مَا بعد الإسلاميّة" في يومية العالم Le Monde  12/02/2011

[3]Interview de Jean-Pierre Filiu, in Libération, le 20/10/2011مقابلة مع جون بيار فيليو – في ليبيراسيون بتاريخ 20/10/2011

[4]Hamadi Redissi, L’exception islamique, Paris, Seuil, 2004/Tunis,Cérès, 2005, p. 199 (dans les deux     éditions )حمادي الرديسي الإستثناء الإسلامي – باريس – دار نشر لوسوى 2004/ - مركز الدراسات و البحوث الإقتصادية و الإجتماعية -تونس 2015 ص 199 (في الطبعتين)

[5]المرجع السابق ص.ص 201 – 202 (الطبعتان)

[6]Sophie Bessis, LA DOUBLE IMPASSE, L’universel à l’épreuve des fondamentalismes religieux et marchand, Paris, La découverte, 2014. صُوفي بسيس – العَرقلة المضاعفة – الكوني على مِحَكِّ الأصولية الدينية و التجارية باريس. نشر لاَديكوفرت 2414

[7]Voir sur ces deux cas, William Zartman, L’effondrement de l’Etat. Désintégration et restauration du pouvoir légitime, trad. de l’américain par Brigitte Delorme, Manille, Nouveaux Horizons, 1997.

بالنسبة إلى هاتين الحالتين انظر ويليام زَرْتَمَان William Zartman– اِنهيار الدّولة. تَدْمير السلطة الشرعيّة و ترميمهَا. ترجمته على الأمريكية بريجيت دُولُورم Brigitte Delorme– مَانيلاّ – الآفاق الجديدة – 1997 ص ص 73 - 96

[8]Thomas Khun, La structure des révolutions scientifiques, Paris, Flammarion, 1983, p. 219.

طوماس كون Thomas Khun بِنية الثورات العِلميّة – باريس – فَلاَمَاريون 1983 ص 219

[9]Voir Hannah Arendt, La crise de la culture, Paris, Gallimard/folio, 2008, p. 123 & sq.

انظر حنَّا أرِنْد Hannah Arende. أزمة الثقافة – باريس – قاليمار / فُوليُو 2008 ص 123 وَ مَا بعدها ...

[10]مِنْ سَبْعَةٍ وَخمسين بَلَدًا اسْلاَمِيًّا بعض الدّولبالكَادِ تُعْرَفُ بأنّها ديمقراطيّة أي تركيا وإندونيسيا ومَاليزيا والبنغلادش والسنغال ولبنان ومنذ وقت قصير تونس


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها