آخر تحديث:14:44(بيروت)
السبت 27/06/2020
share

"الغداء العاري" لوليام بوروز.. تدوين المخدرات لعنتها ورحلتها

هيثم حسين | السبت 27/06/2020
شارك المقال :
"الغداء العاري" لوليام بوروز.. تدوين المخدرات لعنتها ورحلتها وليام بوروز
يحاول الأميركي وليام س. بوروز (1914 - 1997) في روايته "الغداء العاري" تنفير القارئ من المخدرات وتأثيرها المدمر، منطلقاً من تجربته الشخصية ومعاناته مع الإدمان طيلة 15 عاماً، ومطالباً أولئك المقبلين على المخدرات بالنظر جيداً إلى نهاية طريق الإدمان قبل أن يسلكوه ويسقطوا في الحضيض، ويقول "وليفهم أولو الألباب". 

في روايته التي أنهاها في طنجة بالمغرب سنة 1959 (منشورات الجمل، بيروت، ترجمة ريم غنايم 2019)، وهي تعدّ من أشهر مؤلفاته وحُولت إلى عمل سينمائيّ، يقدم بوروز قصصاً تجري أحداثها في الولايات المتحدة، والمكسيك، وأنحاء متفرقة من إفريقيا، تحكي عن أشخاص مروا بمعاناة خطيرة مع الإدمان، وكيف وقعوا فرائس للمخدرات التي قضت عليهم، وجردتهم من إنسانيتهم.

قسوة ووحشية
لا يخلو تصوير بوروز لعدد من الحالات المتباينة التي يمر بها المدمنون من قسوة ووحشية، وذلك من منطلق أنّه يروم، من خلال أسلوبه المباشر، تنفير القراء من أي تفكير بالمخدرات، أو أي رغبة دفينة بتجريب نوع من أنواعها القاتلة التي من شأنها وضع الشخص على سكة الإدمان التي تنتهي به إلى الوحشية والتجرد من الإنسانية والانسلاخ عن ذاته وواقعه وحياته ومحيطه. 

يستعيد بوروز سيرته مع الإدمان، ورحلة التعافي منه، ويذكر أنه صحا من المرض وكان في الخامسة والأربعين من عمره، وكان هادئاً ومتعافياً، وبصحة جيدة إلى حد معقول باستثناء وقوع ضرر في الكبد ومنظر اللحم البشري المستعار المشترك لجميع الناجين من المرض. 
يلفت إلى أن معظم الناجين لا يتذكرون الهذيانات بالتفصيل، وأنه حرص على توثيق المرض والهذيانات بشكل مفصل، وأنه لا يملك ذاكرة دقيقة في تدوين المذكرات المنشورة، ويشير في عنوانه إلى لحظة متجمدة يرى فيها الجميع ما هو على رأس شوكة. 

كان مرضه هو إدمان المخدرات وقد كان مدمناً مدة 15 سنة، وتعاطى أنواعاً عديدة منها، ودرس على مدار تلك الفترة طرق عمل فيروس الإدمان، وكيف يحتاج المدمن إلى المزيد من المخدرات ليحافظ على صورته الآدمية، ليزود الإدمان بالوقود. ويعرف الإدمان بأنه قالب الاحتكار والاستحواذ، وأنّه شيء كمي وقابل للقياس بدقة. 

يشير إلى أن فيروس الجانك المخدر هو بضاعة تامة، لا يحتاج إلى ترويج، لأن الزبون سوف يزحف في مياه الصرف لصحي ويتسول لكي يشتريه، وأن تاجر لمخدرات لا يبيع منتوجه للمستهلك، وإنما يبيع المستهلك للمنتوج، إنه لا يحسن أو يبسط بضاعته، بل يهين الزبون ويحقره، ويدفع للعاملين لديه مادة الجانك مقابلاً. 

ويذكر أنّ الفيروس اللعين يعمل وفق صيغة غاية في البساطة، وهي معادلة الحاجة، وأن وجه الشر هو دائماً وجه الحاجة الإجمالية، وأن مدمن المخدرات هو رجل في حاجة مطلقة إليها، مستعد للكذب والغش والوشاية بالأصدقاء، والسرقة وفعل أي شيء لإرضاء الحاجة الإجمالية، لأنه سيكون في حالة مرض تام، وتملك تام، وليس في وضع يسمح له بالتصرف باي شكل آخر. يصف المدمنين بأنهم أشخاص مرضى لا يستطيعون التصرف بخلاف ما هم عليه، وأنّ كلباً مصاباً بداء الكلب لن يختار إلا العض، ويقول إن الغاية ليست أخلاقية إلا إذا كانت الغاية الحفاظ على عمل فيروس الجانك. 
ويؤكد أن تجارة المخدرات عمل هائل، وأنه لكي تغير أو تنسف هرماً من الأرقام في علاقة تسلسلية، عليك أن تبدأ بالرقم السفلي، وأنه إذا أردت أن تنسف هرم الجانك، عليك أن تبدأ بأسفل الهرم، أي المدمن ابن الشارع، وتتوقف عن شن الهجوم الدون كيشوتي على من هم في القمة، لأن ابن الشارع هو العامل المتغير الوحيد في معادلة الإدمان. 

الفيروس المدمر
ينوه الروائي بشيء من التحذير بما أنّ كتابه "الغداء العاري" يتناول مشكلة الإدمان، فمن الضروري أن يكون وحشياً، فاحشاً ومثيراً للاشمئزاز، وأن المرض يتجلى في كثير من الأحيان عبر تفاصيل تثير اشمئزاز النفوس الرقيقة. 

ويذكر أن نقطة الضوء الوحيدة في طريق الموت المتعب هي الضربة التي تصيب المدمن حين ينقطع تيار المخدر من جسده بسبب نفاد الأموال، فيموت جلده بسبب نقص المخدر، وبسبب جرعة زائدة في الوقت بينما الجلد القديم نسي قوانين لعبة الجلد ولم يعد يعمل.. ويصف المدمنين بأنهم لا يتوقفون عن التذمر من البرد، ولهذا يرفعون ياقات معاطفهم ويقبضون على رقابهم الذاوية. 

يصف كيف أنه حين كان يتعاطى المخدرات كان يبدو كمنفصم الشخصية، يتظاهر أنه يقف خارج ذاته محاولاً أن يوقف حبل المشنقة بأصابع شَبحية، وأنه كان شبحاً يريد كل ما يريده الشبح، وهو الجسد الذي يدفعه إلى التهلكة تحت تأثير المخدرات، ويذكر أنه تاجر بالمخدرات كذلك لفترة، واعتقل وحوكم في المحكمة الفيدرالية، وبموجب أفضل قوانين العقوبات، وضع في مستشفى فيدرالي للمجانين صمم خصيصاً لاحتواء الأشباح من أمثاله.

يطلق على نفسه العديد من الصفات، يقول إنّه كان الساذج الذي حولته نوباته إلى كائن اجتماعي تبعي، وعندما كان يتجاوز حدوده الداخلية، لم يكن هناك شيء يمكن أن يساعده، ويسترجع حكايات قاسية عن طرق حقنه نفسه بالإبر التي تحتوي مواد مخدرة، وكيف كانت وحشية تفتك بجسده وروحه. 

يسرد بوروز بعض الكوارث التي تتسبب بها المخدرات للمدمن، وأنه على غرار المادة الفصامية، ينشط المورفين المواد التي تثبط الدماغ الخلفي، وتكون النتيجة النهائية للمتعاطي ضرراً دائماً في الدماغ الخلفي، وهو وضع يشبه الفصام النهائي، حيث الغياب التام للعاطفة، التوحد، الغياب التام لعمل الدماغ، وقد يجلس المدمن ويتأمل الحيطان لساعات، يعي ما حوله، لكنه لا يعني له عاطفياً شيئاً، والنتيجة فقدان الاهتمام تماماً. ويحكي أن تذكر فترة الإدمان الثقيل يشبه إعادة سماع تسجيل أحداث سجلها الدماغ الخلفي فقط، كلام مبهم حول أحداث خارجية، وأن ه إذا كانت اللذة تعني استراحة من التوتر، فإن الإدمان يتيح الاستراحة من الحياة كلها، بواسطة الانقطاع عما يسمى بالهيبوتلاموس الذي يشكل مركز الطاعة النفسية والغريزة الجنسية. 
وتراه يلفت إلى المدمن يدفع ثمناً باهظاً على إدمانه، ويتنازل طوعاً عن السيطرة على نفسه ويصبح اتكالياً مثل جنين قبل الولادة، ويذكر أن العلاقة بين المدمن غير المباشر ومصدر الشحن متوترة، لدرجة أنه يمكنهما فقط تحمل الواحد للآخر لفترات زمنية قصيرة وغير منتظمة، باستثناء لقاءات الشحن، والتي تعتم فيها عملية الشحن على أي تواصل شخصي آخر. ويتحدث بوروز عن قوة الفيروس ورحلته، وأنه يعتقد بأن الفيروس هو تفسخ شكل من أشكال الحياة أكثر تعقيداً، وقد يكون في وقت من الأوقات قادراً على العيش بشكل مستقل، وقد تقلص إلى الحد الفاصل بين المادة الحية والميتة، ويمكن له أن يعطي إشارات حياة فقط داخل المضيف، ومن خلال استغلال حياة الاخرين، أي التخلي عن الحياة نفسها، السقوط في اتجاه آلي غير عضوية، غير مرن، تجاه المادة المميتة. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها