آخر تحديث:12:53(بيروت)
الأربعاء 24/06/2020
share

مصائر الموسيقيين الشعبيين بين إسلام شيبسي وريزان سعيد

حسن الساحلي | الأربعاء 24/06/2020
شارك المقال :
مصائر الموسيقيين الشعبيين بين إسلام شيبسي وريزان سعيد استمر شيبسي بتقديم الحفلات في اوروبا حتى وقت قريب تحت اسم EEK
منذ أيام، تناقل العاملون في الوسط الثقافي المصري، منشوراً في "فايسوك" لعازف الكيبورد، إسلام شيبسي، أتى في سياق الجدل الذي أعقب انتحار الناشطة المصرية الكويرية، سارة حجازي. سبّب المنشور الذي يحوي نسبة عالية من رهاب المثلية، انتقادات كثيرة للفنان الشعبي، من حقوقيين وفنانين، ما دفع بشركة "بويلر روم" التي سبق واستضافته، إلى إزالة تسجيل حفلته الأخيرة عن منصتها في الإنترنت. 


يستدعي ما قاله شيبسي الإدانة بلا شك. لكن الغريب في الحملة الموجهة ضده، الدفع إلى حجب عمل فني أصبح ينتمي إلى الأرشيف (حتى لو توافرت الحفلة في منصات أخرى، لكن القصة في العقلية التي أدت للإزالة)، والتعامل مع الفنان بطريقة تتجاهل انتماءه إلى شرائح ربما لا تمتلك بعد المعرفة الكافية بقضايا المثليين، من أجل تكوين رأي مختلف عن الخطاب الديني المهيمن. يذكر أن المنع حصل بتحفيز من أشخاص لطالما كانوا مدافعين عن موسيقى "المهرجانات" (الشعبية المصرية)، في مواجهة الحملة التي قادها نقيب الفنانين في مصر، وكانوا يرون أن أي منع او حجز للحرية الفنية هو انتهاك يجب مواجهته. 

من هو إسلام شيبسي؟
بدأ شيبسي (اسمه الحقيقي إسلام سعيد) مسيرته الفنية من منطقة إمبادا الشعبية في القاهرة، حيث عزف على الأورغ في الأعراس والموالد، بدفع من أخيه المغني عمرو سعيد. تمكن بعد وقت قصير من تطوير أدائه نحو مكان عنيف وصاخب، يحمل مزايا صوتية فريدة وعناصر استعراضية. وابتداء من العام 2012 صار في الإمكان إيجاد مقاطع له في وسائل التواصل، تظهره وهو يستعمل الأورغ بطريقة غريبة، كأنه آلة إيقاعية.

تبنى شيبسي، المنتجُ محمود رفعت، وهو مؤسس شركة صغيرة تحمل إسم "مئة نسخة" 100 copies، متخصصة في الموسيقى التجريبية. أنتج رفعت أول ألبومات شيبسي، بالتعاون مع الشركة المصرية الجزائرية "نشازفون"، وقد حصل ذلك في سياق احتفاء ثقافي بموسيقى المهرجانات الشعبية، بعد ثورة يناير، وترجم في تعاون الشركة نفسها مع أسماء صاعدة في المجال وتحولها لاحقاً لتصبح متخصصة في المهرجانات.
  


استمر شيبسي بتقديم الحفلات في أوروبا، حتى وقت قريب، تحت اسم EEK الذي يختصر أسماء الأعضاء الثلاثة في الفرقة (إسلام شيبسي، إسلام تأتأ، وخالد ماندو). لم يكن في مقدور شيبسي الإستمرار حتى اليوم، لولا مساعدة محمود رفعت الذي يتولى كل شيء، من ترجمة المقابلات (بما ان شيبسي لا يجيد الإنكليزية) إلى توقيع العقود والعزف معه في الحفلات، إلى جانب عازف الدرامز الآخر خالد ماندو (مستبدلاً إسلام تأتأ الذي يعجز عن السفر لأسباب قانونية).

بالتأكيد، تنطوي العلاقة بين المنتج والفنان الشعبي، على عدم تكافؤ واستغلال، وهذا ما نجده عند شيبسي الذي أصبح مجرد ظل لمحمود رفعت الذي يتكلم بإسمه ويشكل صورته التي يختبئ خلفها. لذلك، عندما ابتعد رفعت مؤخراً عن شيبسي، بسبب إغلاق المطارات إثر انتشار فيروس كورونا، لم يعد للأخير وجود حقيقي، وأصبح عرضة للإنكشاف التام في اي لحظة، وهو ما حصل عندما ارتكب الخطأ في "فايسوك"، وكان ذلك كافياً لإزالة كل الوهم الإكزوتيكي الذي تكثف في صورته، ما دفع الجمهور المشدود فقط إلى تلك الإكزوتيكية - من دون اهتمام حقيقي بالموسيقى - إلى محاربته.

لا يشاهد المهاجرون العرب، حفلات شيبسي في أوروبا، كما يفترض أن يحصل مع أي فنان شعبي، بل فئات مهتمة بالموسيقى الإلكترونية والضجيج. تتلاءم ايقاعات شيبسي الغرائبية والمحفزة للرقص، مع الأذن الغربية المعتادة على الأصوات "المعدنية الحادة" و"الهلوسية" التي تبدو أحياناً خليطاً من موسيقى "داب ستيب" و"هارد كور تكنو".

تمتلك موسيقى شيبسي، عناصر من موسيقى المهرجانات أيضاً، والتي تطورت في الأحياء الشعبية، في أمكنة مثل كافيهات الإنترنت، وباستعمال أدوات وميكروفونات رخيصة، برامج مقرصنة، وتأثيرات "أوتو تيون" على الصوت التي توفر على المغني مشقة الغناء بشكل صحيح. اعتمدت هذه الموسيقى على إيقاعات إلكترونية متكررة ونغمات بدائية، كما سيطرت ثيمات مثل الخيانة والغدر وسلوكيات تنتقل من القوة والإستعراض الرجولي الى الامبالاة واليأس تجاه العالم.


أما النموذج الأقرب إلى إسلام شيبسي في لبنان وسوريا، فهو عازف الأورغ ريزان سعيد، الذي انتقل مع عمر سليمان في غضون عام أو عامين، من صالات الملاهي الليلية والأعراس في الحسكة إلى أكبر مسارح أوروبا. بالتأكيد، لا يمكن تشبيه المشهدية الإثنية المبتذلة التي أصبح سليمان يقدمها، بعروض شيبسي، التي تبدو أكثر جدية من ناحية المحتوى، لكن التشابه يظهر في السياق الذي أوصل شيبسي وسعيد إلى أوروبا بمساعدة شركات صغيرة مهتمة بالموسيقى الشعبية المتأثرة بالتقدم التكنولوجي.

عمل ريزان سعيد لفترة طويلة، مع مغنين شعبيين في سوريا، قبل أن يرافق سليمان إلى أوروبا بمساعدة شخصية لعبت دوراً شبيهاً بدور محمود رفعت مع شيبسي، وهو العراقي الأميركي مارك جرجس الذي يعمل على توثيق الموسيقى الشعبية في سوريا منذ التسعينات. أنتج جرجس أول ألبومات سليمان في الخارج، مع شركة "سابليم فريكونسيز"، التي أسسها الأخوان من اصل لبناني، آلان وريتشارد بيشوب (Sun City Girls)، ويعتبر جرجس عرّاب تعاون سليمان مع الإيسلاندية Bjork (قبل انتقال سليمان للعمل مع منتج آخر).

وكان الفنان اللبناني، رائد ياسين، قد أنتج أول ألبومات سعيد العام 2015، عبر شركته "النهاية"، وحمل عنوان "ملك الكيبورد" King of Keyboard. ما زال الألبوم يلاقي حفاوة حتى اليوم، في الصحف المتخصصة في الموسيقى، وبفضله استطاع سعيد تقديم الحفلات بشكل دوري في أوروبا (وأمام جمهور لا يختلف كثيرا عن جمهور إسلام شيبسي). تتألف موسيقى سعيد من إيقاعات وأنغام موجودة في موسيقى الدبكة السورية والكردية، بالإضافة إلى أصوات الكترونية شرقية، من دون التخلي عن العنصر السايكادليكي (psychedelic) والغرائبي المحفز للرقص.


ولدت هذه الموسيقى خلال التسعينيات، بعد إضافة الشركات المصنعة للأورغ أصواتاً وإيقاعات مناسبة للموسيقى الشرقية والدبكة، واستعاضت عن الفرقة الموسيقية المعتادة. أصبح الثنائي الذي يتألف من المغني والعازف، نموذجاً سائدا للفرقة، وما زال هذا النموذج مسيطراً حتى اليوم. بعد سنوات قليلة، حصل تطور تكنولوجي آخر ساهم في انتشار النمط الجديد بشكل كبير حول سوريا، بأثر من الإنفتاح الإقتصادي النسبي بعد وفاة حافظ الأسد.

بدأت في تلك الفترة شركات الإتصالات الجديدة في سوريا، بترويج عروض مغرية لشراء الهواتف النقالة التي تحمل خاصية نقل الأغاني عبر البلوتوث. أصبحت هذه الأجهزة بسرعة في كل بيوت السوريين، مهما اختلفت انتماءاتهم الطبقية، ما عزز انتشار الأغاني الشعبية بشكل كبير وساهم في انطلاق شهرة مغنين مثل علي الديك، نعيم الشيخ، عمر سليمان، وآخرين، علماً أن هؤلاء كانوا معروفين بدرجة أقل وكانت أشرطتهم تباع وتذاع في البسطات وعلى العربات.


بدأ مارك جرجس بشراء كاسيتات سليمان منذ أواخر التسعينات، إلا أنه لم يتحدث مع الفنان حتى العام 2006 ولم يقدمه إلى أوروبا حتى العام 2009. في مقابلة معه، يقول جرجس إنه فحص الموسيقى امام اشخاص مختلفي الأذواق فحصل على تفاعلات مختلفة: "حصلتُ على آراء متباينة، فهناك من انبهر وعلّق على فضائية الموسيقى وإكزوتيكيتها المهلوسة، بينما اعتقد آخرون ان المغني يشعر بالغضب، حتى ان أحدهم استفسر إن كان ما يقوله معادياً للسامية. آخرون رأوا الموسيقى كطفرة كهربائية مبدعة ورخيصة".

يؤكد جرجس ان الإهتمام بسليمان لم يكن ليحصل بهذا الشكل لو انه أتى في نهاية التسعينات مثلاً أو بداية الألفية، لأن "العالم لم يكن مستعداً بعد لهذا النوع من العروض". غالباً، السبب مرتبط بوسائل التواصل الإجتماعي، التي شجعت ظهور نماذج تثير السخرية والتسلية، بالإضافة إلى تكسّر الصورة النمطية للعرب بعد أحداث 11 أيلول، ما سمح بتحويل أشخاص مثل سليمان إلى نوع من "الكيتش الشرير والمضحك". 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها