آخر تحديث:12:42(بيروت)
الثلاثاء 23/06/2020
share

مات باسل الأسد.. فظَهَر الجسد السوري

أدهم حنا | الثلاثاء 23/06/2020
شارك المقال :
مات باسل الأسد.. فظَهَر الجسد السوري تمثال باسل الأسد في دير الزور
منذ الثمانينيات، اختفى الجسد السوري العادي من واجهة الكاميرا، الكاميرا التي لم تعد حُرة أبداً، حتى في التقاط زوايا الشوارع والأرصفة، الأبنية وامتداد الحارات. بل تخضع لما يُمكن تسميته (التثكين) أي الإنسان في ثكنة عسكرية، بحسب توصيف ماركيوز.
 
التثكين السوري أسسه النظام وفق مقاييس تُظهرها كاميرته، كاميرا التلفزيون الرديئة، بألوانها المُعتمة التي تجعل العين البشرية فقيرة ومحدودة المخيلة. أما الألوان الحقيقية التي ظهرت لاحقاً، فكانت الألوان التي لا غِنى عنها، ألوان برامج الأطفال المستوردة والمترجمة. وبقيت وجوه الترفيه الرديئة، لتكراريتها وبساطة موضوعاتها، حاضرة في سورية منذ السبعينيات إلى يومنا هذا. بطلها نهاد قلعي وناجي جبر ودريد لحام، تلك الشخصيات التي اجتاحت الكاميرا الرسمية وبالتالي التلفزيون السوري.

هنا مقاس السوريين العاديين لم يكن يظهر في اللقطات المشهدية، خارج الأطر المرئية المستندة إلى الكوميديا البدائية المستهلكة، أو دراما استهلاكية تستحوذ سرد قصص البشر وهم مخلعون من إرادة السبب. قدرية ساذجة تليق بمخاض السجون والثكنات التي لا مفر منها.

جعل النظام الفن المرئي منمطاً، صعود الشخصيات في الفن أو في المرئي يُحدد، لا تُنمطه النصوص فقط، بل تُنمط المشاهد والأجساد والوجوه أمام الكاميرا. يتصاعد (الكاركتر) الشخصي ليبقى، على حساب هيئة عامة قد يظهر فيها السوريون كتنوع عام، ولا تُلتقط الشوارع ولا الناس العاديين. البعث جعل الكوميديا والدراما (مثكنة) في أقفاص الأستديوهات، وفي الشخصيات ذاتها. وظهور الجسد السوري انعدم تماماً من واجهة أي كاميرا، الثمانينيات والتسعينيات بدت للمرئي العام محددة، فيض من الأستديوهات والعمل داخلها، سلسلة مسلسل خمس نجوم، وست نجوم وسبع نجوم كلها صورت في استديوهات. أو مسلسلات اعتنت بتاريخ الشعب السوري في منتصف القرن العشرين، بخلق ما يشبه واقعاً قديماً ببشر ومجتمع. كله هرب من الواقع لخلق ما يبدو خفياً. حتى الأصوات التي تظهر في المشاهد مُسجلة في غالبها، وبتصعيد نفسي جماعي يكذب المنتجون والعاملون في الفن بإصعاد رغباتهم في الجمال بجعل أصوات العصافير مرافقة للمشاهد، أو ذكر الياسمين كناية على دمشق، رغم أنه لا يظهر فيها ولا يُعتنى به. مشاهد التسعينيات التلفزيونية ترافقت مع أصوات مسجلة غير حقيقة البتة، كمحاولة لتعويض فضائح الضجة والاتساخ والفوضى العارمة التي تعم الشوارع والتي خلقها البعث والسلطة الحاكمة.

والحفاظ على هيئة الشر استمر بشكله الكلاسيكي حتى مطلع القرن الحادي والعشرين. ناجي جبر، في شخصية "أبو عنتر" استُبقي بوصفه شراً، الملعون الظريف هو ذاته الأزعر، أزعر الخمسينيات والستينيات هو البلطجي والسارق والمجرم اللطيف المقبول، لأنه ذاته الفقير الذي يكسب تعاطف الفقراء مثله، على حساب تغطية مشاهد الرعب في الشوارع (للشبيحة)، وعسكريي البعث وجنود النظام الريفين. صورة العسكري المرتزق الهاتك للحقوق لم يظهر درامياً بوصفه الأزعر. استُبقي "أبو عنتر" كوجه للأبد المرئي. أما دريد لحام (غوار الطوشى) فاستُبقي حتى بداية القرن العشرين كأزعرٍ ذكي يسرق السندويش والتفاح فقط، القبقاب الخشبي وليس الأحذية العسكرية التي تقف وراء طبقة النهابة الجدد باللباس الأنيق. كل هذا جاور اختفاء السوري العادي، السائر في الطريق، الجالس في مقهى الباحث عن مشهده في كاميرا ليرى ذاته في المجتمع، لكن من دون جدوى.

استُثنى ياسر العظمة أحياناً من تنميط التلفاز السوري، ظهرت الشوارع أحياناً عبر كاميراته، لكن عبر إنتاج خاص خارج كاميرا التلفزيون الرسمي، وصولاً إلى صورة السوريين الرديئة والتي أرادها النظام بعد حينٍ من قتله البلاد وتوسيخها وتدمير بنيتها التحتية وإخفاء معالم الجمال الفطري فيها، أو الجمال العمراني الذي حاكه المحتل الفرنسي. كان موت باسل الأسد درامياً، المأساة التي عليها أن تبحث عن بطولة لكي تُثلج قلب الأسد الأب الذي هيأ ابنه الفارس لقيادة سوريا من بعده. أن يموت البطل في سيارة.. قاهر الأحصنة والبشر، مات بائساً جراء طيشٍ في منتصف الليل. كان على السوريين أن يتقبلوا الموت للمرة الأولى بوصفه دمجاً، لكن هذا الموت لا يماثلهم. بحسب فوكو، يبدو التعذيب للمحكومين بالإعدام قبل الموت، حِرصاً من السلطة على دمج الموت بالحياة، أو مساءلة دينية للبشر وعذاباتهم جراء اقتراف أخطائهم، أو تهيئة صورية لما قد يحدث لهم في سماوات الله . هذا ما حرص عليه النظام مع السوريين.

لكن موت باسل الأسد لم يكن دمجاً للموت بالحياة، فهو موت من اختصاص السوريين، كان موته مفارقاً للموت، فانهال مهرجان "المحبة والوفاء لباسل" في التسعينيات، كانتقام من الحياة ذاتها. اسم ابن السلطة غزا سوريا كلها، ملاعبها الرياضية، المراكز العلمية، كل المنشآت حملت اسم باسل الأسد وصوره. كان هذا سحبٌ من الموت، محاولة انتشال باسل المرضية من قلب موته من دون دمجه مع موت السوريين بأثر من المدافع إبان حماة، وقتلهم وتعذيبهم في السجون. هنا كان مهرجان المحبة، الفخ الذي سيفقده النظام أثناء جذبه لفنانين من لبنان والوطن العربي للغناء داخل أراضيه. ملايين دُفعت من أجل شعبٍ عليه أن يظهر جسده أمام الجميع، والأهم أمام الكاميرا السورية التي تنقل الحفلة من اللاذقية إلى العالم العربي. كانت الكاميرا السورية تضطر لتصوير النجوم الذي يغنون لشعب، كان الفن المغنى قيمة مضافة، أسهل ما يمكن للشعوب الالتفات نحوه من دون تمعن. شاهد السوريون عبر التلفاز انفصام المذيعة السورية في تقديم المهرجان، كيف نُقدم مهرجاناً فنياً ساهراً وهائجاً، ويقع اسم المهرجان على اسم ميت؟ ميتٌ يحمل الشهادة والبطولة والإباء والعزة، صفاتٌ لا يحتملها الموت ذاته. وفي الوقت ذاته، كان على المذيعة أن تنقلنا لفرح المغنى وطربه. لكن الهوة التي وقعت هي ظهور الجسد السوري، ظهور السوري وهو يطرب للموسيقى، راقصاً جانّاً غاضباً هائجاً. كان ارتفاع الكاميرا صوب المدرجات مُريباً، السوري الذي ينزع لباسه ويرقص فيه، رجالٌ يقفزون فوق بعضهم البعض كيفما كان اللحن وكانت موسيقاه، اللباس الفقير للطبقات المهمشة، هيجان السوري ما ان تتوجه الكاميرا نحوه.

كانت المظاهر مفجعة، السوري الهائج هو ما أمعننا فيه النظام عبر كاميراته وتلفازه الرسمي. السوري الذي يُفضَّل إخفاؤه لأنه يحلم بكاميرا، يحلم في أن تُرى ذاته كيفما اتفق، الهيجان الاحتجاجي للظهور أمام الناس، أمام المجتمع، كان حلم من تصيبه الكاميرا. كان مهرجان المحبة والوفاء للباسل، انشقاقاً، لظهور السوري العادي، بعدما عاش طويلاً في ثكنته العسكرية الخاصة، التي أنشأها النظام ترهيباً وخوفاً. هذا الانشقاق لم يُصبح نموذجاً للسوري حتى بداية القرن الحادي والعشرين، فظهرت سوريا أخرى عبر كاميرا حاتم علي وياسر العظمة، رُفعت الكاميرا عن حظر الوجوه والأجساد، ظهرت بشاعة سوريا عمراناً، والبشر فقراً وألماً، اختفت أصوات العصافير من خلفية المشاهد، بدت الواقعية الجميلة، جمال البشاعة تصرف حداثي واحتجاجي في وجه كاميرا النظام استديوهاته. حتى الكاتب السوري تحرر من الثكنة إلى حد ما، سمات الإغلاق والصندوقية الدرامية قد انتهت. ليس لمرحلة أفضل، بل صعد النظام بكتّابه وصانعي فنه إلى الثكنة المتسخة البشعة التي اسمها سوريا. لولا الثورة السورية وكاميرات السوريين التي صورت الثورة، لم يظهر سوري واحد على طبيعته وضمن احتجاجه. أقله السوري يسعى، أسوة بالتونسي واللبناني، ليظهر أمام الكاميرا أو يرفضها، أو يبدو مُحترماً أمامها. لقد أفرغت الثورة الاحتجاج والذائقة المطلوبة من الجسد حينما يظهر للعامة. كل ما ظهر من السورين قبل الثورة، كان تصعيداً مناوئاً لرغبات يريدونها في احتجاجٍ قادم، سيُزاد على حركة الجسد سلوكاً ذهنياً أفضل.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها