آخر تحديث:08:34(بيروت)
الأحد 21/06/2020
share

هل الرئيس الأميركي معتلّ ذهنياً؟

محمد صبحي | الأحد 21/06/2020
شارك المقال :
  • هل الرئيس الأميركي معتلّ ذهنياً؟
    ماذا عن تحليل شخصية ترامب فسياً؟ هل الرئيس ال45 لأميركا قادر على قيادة البلاد عقلياً وذهنياً؟
  • كيف يمكن لنرجسي خبيث أن يقود أقوى دولة في العالم؟
    كيف يمكن لنرجسي خبيث أن يقود أقوى دولة في العالم؟
  • ترامب يحمل الإنجيل ليعلن حرباً مقدسة على المحتجين.
    ترامب يحمل الإنجيل ليعلن حرباً مقدسة على المحتجين.
 

هناك بالفعل الكثير من الكتب حول دونالد ترامب ورئاسته. لكن لا شيء منها يملك قوة تدميرية مثل مذكرات مستشاره الأمني السابق جون بولتون. قليلون يتساءلون لماذا يريد البيت الأبيض وقف نشر الكتاب، في حين يقلل آخرون من تأثير كتاب بولتون، الذي يأتي في وقت متأخر جداً للتأثير على مسألة عزل ترامب، بعدما برّأه مجلس الشيوخ الأميركي، قبل أربعة شهور، من تهمتي إساءة استخدام السلطة وعرقلة عمل الكونغرس.

وبعيداً عن الجدال حول تأثيرالكتاب، الذي يحمل عنوان "الغرفة التي شهدت الأحداث"، فإنه يوفّر إضاءة إضافية لفهم اعتلال شخصية الرئيس الأميركي وافتقاده أبسط سمات القيادة الحكيمة أو الإدارة الرشيدة. يصف الكتاب، بحسب تسريبات نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، رئيساً جاهلاً بأبسط الحقائق الجغرافية، ولا هدف من قراراته الرئاسية سوى ترسيخ حظوظه للفوز بفترة ولاية ثانية. وهذا طبعاً بصرف النظر عما كشفه الكتاب عن ولع ترامب الطفولي والاستبدادي باستنتساخ ديكتاتورييه المُفضَّلين، مثل رغبته في إجراء تعديلات دستورية مدعومة بتفويض شعبي يسمح له بالاحتفاظ بالحكم لأكثر من فترتين رئاسيتين.

جون بولتون، وهو من صقور الجمهوريين المخضرمين، أعلن في مقتطف من مقابلة نُشرت الخميس، أن دونالد ترامب "غير مؤهل لمنصب" الرئاسة. فجاء ردّ ترامب وحلفاؤه سريعاً، فوصفه الرئيس الأميركي بأنه "يفتقر إلى الكفاءة" وأنه "غبي ممل"، فيما نعته وزير الخارجية بـ"الخائن". المفارقة أن بومبيو نفسه، وفقاً للكتاب، وصف ترامب في إحدى الرسائل بأنه "ينضح بالقذارة"، وأمام هذا العراك وتبادل الشتائم بين عجائز اليمين الأميركي ترتسم صورة أكبر وأوضح للمستنقع الموحل الذي غرقت فيه "أكبر ديموقراطيات العالم" تحت إدارة الرئيس البرتقالي.

هذا كله ليس جديداً، ربما ظهوره من داخل المطبخ السياسي هو ما يعطيه أهمية مضافة فقط. لكن ماذا عن تحليل شخصية ترامب سيكولوجياً ونفسياً؟ هل الرئيس ال45 للولايات المتحدة قادر على قيادة البلاد عقلياً وذهنياً؟ منذ ظهور ترامب على الساحة السياسية، وهناك دائماً شكوك حول هذا الأمر مثلما حول سلوكه المضلّل واحترافه الأكاذيب الذي يغذّي هذه الشكوك بوتيرة شبه يومية. ثمة فيلم وثائقي جديد بحث في هذه المسألة. 


"#غير لائق: سيكولوجية دونالد ترامب" هو عنوان فيلم دان بارتلاند، المخرج والمنتج الأميركي الملتزم دائماً بالكشف عن انحرافات نظام بلاده، الذي يستعين فيه بمجموعة من الأطباء النفسيين والصحفيين لتشريح الحالة العقلية للرئيس الأميركي، والبحث عن إجابة لسؤال كيف يمكن لرجل يصفه علماء النفس ذوي الخبرة بـ "النرجسي الخبيث" أن يقود أقوى دولة في العالم. عبر شهادات خبراء علم النفس وعلماء التاريخ السياسي ومعاونين سابقين لدونالد ترامب، يعيد الفيلم بناء صورة شاملة لاستراتيجية وسلوك الرئيس الحالي للولايات المتحدة منذ انتخابه.

احتكاماً إلى قاعدة تاراسوف (أي القانون الذي يُلزم بموجبه الطبيب النفساني بتحذير أو حماية مَن يراه ضرورياً حين اكتشافه أن مريضه قد يمثّل خطراً جدّياً على أشخاص آخرين)، حاول العديد من خبراء الصحة النفسية، منذ عام 2016، في منتصف الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية، تحذير الشعب الأميركي من احتمالية أن يكون ترامب "غير لائق" وغير مناسب، لشغل منصب الرئيس، ولكن أُجهضت مساعيهم بسبب الصعوبة الشديدة في التعبير عن آرائهم علناً. مع "#غير لائق" تحصل تلك الشهادات أخيراً على منصة جماهيرية للانتشار، إذ يجري الفيلم مقابلات مع متخصصين نفسيين، يناقشون اضطرابات ترامب، ويعبّرون عن شعورهم بتفاقم خطره، هنا والآن، ويبرّرون إعلان تشخيصهم للجمهور باعتباره تحذيراً واجباً في هذا المنعطف الخطير الذي يمرّ به المجتمع والعالم تحتّمه المسؤولية المهنية.

في الواقع، لا يقتصر الوثائقي على تقديم بروفيل سيكولوجي لترامب (وهو تحليل شامل ودقيق على أية حال)، بل يركّز أيضاً على سياساته، مثبتاً التغيير المدروس الذي حدث في عهده، من حكم ديمقراطي مُفترَض إلى أسلوب إدارة تبدو كل مقاصده وأغراضه موجّهة أكثر فأكثر نحو تأسيس حكم استبدادي. يجري الفيلم مقابلات مع صحافيين يكشفون ويناقشون ملاحظاتهم الشخصية. ومقابلات مع أشخاص لديهم خبرات سابقة في التعامل مع النرجسية الخبيثة المؤذية.

وهنا يبدو الأمر الأكثر إزعاجاً عند الاستماع إلى كلمات المتعاونين السابقين، بما فيهم أنتوني سكاراموتشي (مدير الاتصالات السابق في البيت الأبيض)، هو الحيرة وعدم التصديق التي يدّعون أنهم شعروا بها عندما حاولوا تقديم المشورة للرئيس، للتعبير عن شكوكهم حول بعض قراراته، فوجدوا أنفسهم مطرودين من وظائفهم: "القيادة لا تتعلق بالطاعة العمياء"، يقول سكوت ريتر (عسكري ومفتش أسلحة سابق لدى الأمم المتحدة عمل في العراق من عام 1991 إلى عام 1998).

الفيلم كلّه صادم، وحافل بسخرية غير مقصودة، ونبوئي أيضاً، في ضوء إدارة ترامب المستهترة والمُجرِمة مؤخراً لكل من أزمة جائحة كورونا والاحتجاجات التي اندلعت بعد مقتل جورج فلويد، والتي لا تزال تهزّ الولايات المتحدة، الأمر الذي شكّل قشة بعير فجّرت مشاكل جرى دفنها وتجاهلها بشكل متزايد خلال فترة ولايته. رغم ذلك، لا يسعى الفيلم للتخويف، بل بالأحرى تحذير جمهوره ودفعهم لاستعادة شعور الاتحاد والتضامن بالمعنى العالمي، بدلاً من زيادة الانقسامات والانغماس في رحلات البحث عن "عدو" خارجي متوهَّم.

تركيز الفيلم على شخص الرئيس الأميركي لا يعني محدودية جمهوره أو محلية أهميته، فالعالم منكوب حالياً بأمثال ترامب من السياسيين الفاشلين المجرمين معدومي الكفاءة والفضائل. بمقارنته ديكتاتوريي الماضي والحاضر، يعيد الفيلم بناء "سيكولوجية القوة"، لهدمها لا لتدعيم أساساتها، ويوسّع آفاق بحثه وتحذيراته، ويدعو المتفرجين لفتح أعينهم وتحليل المشاكل الداخلية بشكل عقلاني دون السماح لأنفسهم بتعمية مجالهم انطلاقاً من شعور بالخوف أو الكراهية. ليختم بدعوة فيها من التحذير بقدر ما فيها من الثورة والأمل: "الديمقراطية مهددة حول العالم. التاريخ يُصنع الآن. قِفْ وشارك".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها