آخر تحديث:15:01(بيروت)
الجمعة 19/06/2020
share

لإنهاء خطاب الكره.. لا بد من إنهاء خطاب الحب

روجيه عوطة | الجمعة 19/06/2020
شارك المقال :
لإنهاء خطاب الكره.. لا بد من إنهاء خطاب الحب "أين الحب؟" (غيتي)
في حين الحديث عن خطاب الكراهية الذي يتصاعد من حين إلى ثان، لا بد من التوقف عند مقلبه الثاني، أي خطاب الحب. ذلك، أن الخطابين لا ينفصلان عن بعضهما البعض، على العكس، كل منهما ينطوي على غيره، بل إن القائل بالأول قد يصير قائلاً بالثاني، وهذا من دون أن يشعر بأي تناقض بينهما.

فغالباً ما يسير الحب مع الكره، وغالباً ما يتحول المكروه إلى محبوب أو العكس. الأمر، الذي سجله التحليل النفسي بالكلام عن كون الحب، حباً وكرهاً معاً،  أي أنه hainamoration: الإحساس الذي يتأرجح بين الحب والكره، ويجمع بينهما حيال الموضوع نفسه، الذي يتطابق المنفر منه مع الجاذب إليه.

من الممكن الوقوع على خطاب الحب أينما كان: في مواقع التواصل الاجتماعي بقلوبه، في التبشير الفني بالحب كحل لكل أزمة، بدعاية "الثورة حب والحب ثورة"، في ملفوظ اللسان العام "يا حب"، وطبعاً، في مؤسسات الأدب والأفلمة... كل هذا، يجعل من ذلك الخطاب سائداً، بمعنى أنه يحض على الانخراط فيه، والانخراط في خطاب يعني الانخراط في علاقة محددة مع الغير، في علاقة اجتماعية معه، هي، وكما أرادتها رأسماليتنا، علاقة صور بصور على شاشة، أياً كانت وأينما كانت.

على هذا النحو، خطاب الحب هو انخراط في هذه العلاقة الصورية من خلال تبادله، الذي يستقر على نمطها، لا ليصير انتاجاً، لإنتاج رغبة أولية، إنما ليصير عكسه، ليقضي على كل رغبة. هكذا، سرعان ما يصير هذا الحب، ولأنه من دون رغبة، مجرد استعراض لخارج إطاره، واستنقاع داخل هذا الاطار ليصير انعزالياً. أما، بين أطرافه، فهو عدا عن كونه يدور بين صورهم، لا يحمل سوى إلى جعلهم يلتقطون بعضهم البعض، بحيث أن كل طرف يجعل من غيره إكسسواراً لتمتين ذاته، أي يبتلعه ليقويها. هكذا، يكون الحب مجرد "التقاط نرجسي"، وفي إثره، تنمحي أحوال أطرافه، الذين لا يقدرون على البقاء داخل إطاره، سوى عبر طرد كل ما يحيل إلى موت رغباتهم. الأمر التعيس أن ما يحيل الى هذا الموت هو الحياة بكاملها. فيتصحر الحب منها، ويبدأ بالتحول إلى قبر.

في الواقع، يبدأ الكره في هذا الحب، حين تموت الرغبة داخل اطاره، فينطلق منه نحو كل ما يذكر بموتها. لكن هذا الكره فعلياً يرسخه، أو ينشطه. وبالتوازي معه، ثمة كره آخر، وهو الكره بين أطرافه، يتعلق بموت الرغبة طبعاً، لكنه في الوقت نفسه، ينم عن "التقاط" بعض أطرافه لبعضها "نرجسياً"، ينم عن اجبار على "العيش معاً" الذي يقوم بأن ينفي كل طرف منها حاله. إنه كره يولد في نتيجة "العيش معاً" بالإجبار، إنه "العيش معاً" على أنقاض الرغبة، إنه "العيش معاً" الذي، وفي نهايته، يستقر على علاقة قوة، تتشكل بين قاهر ومقهور، ولا يمكن سوى كتم التكلم فيها. على هذا المنوال، يؤدي الحب هذا، وكلما تواصل، إلى الكره.
في وقت ما سمته كلوتيلد لوغيل ذات مرة بـ"النرجسية الجماهيرية"، يبدو ذلك الحب مروَّجاً له أينما كان، بل يبدو هو التصور الأول والأخير عن الحب. بالتالي، لا شك أن الترويج له، ومحاولة تحقيقه، أو بالأحرى الانحباس فيه، سيؤدي إلى الكره، الذي يقترن به، ويترافق معه. فعلى الدوام، حين يصعد خطاب الحب سيؤدي ذلك الى صعود خطاب الكره، قبل أن يتداخلا. ولهذا، الانتهاء من الثاني لا يستلزم الركون إلى الأول، الذي سيعود وينتجه من جديد، على العكس، الانتهاء من خطاب الكره يتطلب التخلص من خطاب الحب أيضاً، يتطلب تخطيهما معاً. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"