آخر تحديث:13:34(بيروت)
الإثنين 15/06/2020
share

الفنان العربي الساذج: من الفطري إلى التصوير الشعبي

علاء رشيدي | الإثنين 15/06/2020
شارك المقال :
  • الفنان العربي الساذج: من الفطري إلى التصوير الشعبي
    من المعرض
  • من المعرض
    من المعرض
  • من المعرض
    من المعرض
أطلقت الجامعة الأميركية في موقعها الإلكتروني، المعرض المعنون "الفنان العربي الساذج" بإشراف أوكتافيان إيسانو. ويرتبط العديد من المصطلحات بهذا النوع الفني. ففي حين يراه البعض "فناً ساذجاً"، يدافع آخرون عن رؤية "الفن الفطري"، واتجاه آخر يعرّفه بـ"الفن البدائي". ومن هنا تأتي أهمية هذا المعرض، فهو يجمع تجارب فنية من دول عربية عديدة منها لبنان، سورية، المغرب، الجزائر، مصر، العراق، وفلسطين بالإضافة إلى فنانين من دول شرق أوسطية أخرى، تجتمع في كليتها تحت إطار هذا النوع الفني. فيقدم المعرض حوالى 17 فناناً وفنانة من العالم العربي والشرق الأوسط.


مصطلح "الفن الخام" اقترحه الفنان جون دوبوفيت العام 1948، وقد استخدم بشكل أساسي في السياق الأكاديمي الفرنسي. أما "فن الدخلاء"، فقد استخدم مؤخراً من قبل روجر كاردينال في كتابه "دخلاء الفن". هذا التعبير يشير بوضوح إلى أن هذا النوع من الفن طالما اعتبر هامشياً في تاريخ الفن الغربي، وأن الفنانين المنتجين لهذا الأسلوب الفني اعتبروا من المهمشين في مسيرة الفن الأوروبي والعالمي. ومع ذلك، فإن هناك العديد من الفنانين الدخلاء الذين مارسوا تأثيراً بارزاً في العديد من الشخصيات التاريخية الرائدة في أوروبا الغربية، خصوصاً بعد نشر كتاب (البراعة الفنية للمرضى النفسيين، آنزر برنزورن، 1933)، الذي يبين أن الفن الذي أنتجه هؤلاء الفنانون في حال من المعاناة او المرض النفسي، مارس تأثيراً عميقاً في السورياليين والتكعيبيين، وأيضاً في الفن الفوضوي. ويبين الكتاب أنه من الممكن تتبع آثارهم الفنية في أساليب فنانين مرموقين مثل: سالفادور دالي، بابلو بيكاسو، وبول كلي بشكل خاص.

كذلك من المصطلحات التي تطلق على هذا النوع الفني، لقب "فن التعلم الذاتي" لأن غالبية الفنانين المتحدرين من هذا التيار، لم ينالوا التحصيل الفني أكاديمياً، وإنما طوروا مهاراتهم بشكل فردي، وأحياناً لغاية العلاح النفسي. لذلك أزاحوا صفات من العمل الفني مثل: التجربة، الحكمة، الثقافة، الذائقة، لصالح مصطلحات جديدة أعلى من شأنها هذا النوع من الفنانين وأساليبهم وهي: النزاهة، النقاء، الإخلاص، المشاعر الصادقة، الإبداع الصافي، الأصالة، الصدق، التلقائية، البراءة.

هؤلاء الفنانون لا يطلقون على أنفسهم لقب فنان، بل بعضهم يفتخر بأنه أتى إلى الفن من مهن عادية أو حتى تقليدية. فمثلاً، هناك اللبناني خليل زغيب، الذي كان يتباهى بمهتنه الأساسية كحلاق في منطقة الصنائع في بيروت. كذلك رمزي سلامة، وهو رجل أعمال ناجح يجهد منذ سنوات كي يعثر على أسلوبه الخاص في الرسم والفن، ولا يزال يعتبر الفن هواية. والفنانة الجزائرية باية، قدمت إلى عالم الفن من عالم الخدمة المنزلية لعائلة فرنسية. وكذلك الحال بالنسبة للفلاحة المغربية، شعيبية طلال، التي اشتهرت بـ"فلاحة الفنون"، والفلسطيني مسلم زرارة الذي كان يعمل في الكهرباء. أما اللبناني بولس ريشا فهو النحات الوحيد في المعرض، وكان حداداً في قرية البترون اللبنانية. أما السوري أبو صبحي التيناوي، واللبناني شاكر المظلوم البعلبكي، فينتميان إلى أجيال مبكرة، وربما يكونان الأقرب إلى مفهوم الفن. انتمى التيناوي إلى التراث السوري في الرسم على الزجاج، والمظلوم إلى تيار الأيقونات الدينية الشيعية الممارسة ضمن المساجد الشيعية الأساسية في بعلبك.

مصطفى خالدي 1969 – (لبنان)

في أوائل العشرينيات من عمره، عانى اضطرابات نفسية أمضى على إثرها ما يقارب العقدين من الزمن في مصح، درس الرسم لفترة قصيرة الرسم في مدرسة باوم للفنون في الولايات المتحدة. أبرز اهتماماً بالرسم، لتصبح مهنته الأساسية. تكررت في رسومه بورتريهات للمسيح رغم نشأته في أسرة مسلمة. كما تعج لوحاته بالرموز الدينية والمثل العليا، فنتلمس فيها حضور شخصيات مسرحية ترمز للخير والشر، النظام والفوضى، الحظ والمصائب، يأتي عنه في البيان الخاص بالمعرض: "المثير للإهتمام في عمل مصطفى أن الرسوم التي تم إعدادها تحت تأثير أدوية الذهان تنحو نحو ألوان وخطوط أكثر عنفاً، بينما تلك التي لا يكون فيها تحت تأثير المهدئات تكون أقرب إلى قواعد المنتمين إلى الفن الحديث".

أبو صبحي التيناوي 1888-1973(سوريا)

في كتابه "التصوير الشعبي العربي"، يقدم أكرم قانصو، دراسة مستفيضة عن ماهية التصوير الشعبي العربي وتاريخه، ويحدد أساليب الرسام الشعبي وأهم مصادره الثقافية، ويتطرق للموضوعات الأساسية في التصوير الشعبي العربي. ومن بين أبرز الفنانين التي ترد رسومهم في الكتاب، نلحظ أعمال أبو صبحي التيناوي، وهو فنان دمشقي نشأ بين مزخرفي الزجاج واكتسب مهارات الرسم عليه. تستلهم رسومه القصص التراثية الفوكلورية والتاريخية. فتحضر شخصيات أبطال الحكايات الشعبية، الذين عادة ما يصورهم في معاركهم يركبون الخيول، يقاتلون في ساحات الوغى، شاهرين سيوفهم، أو منخرطين في أعمال زراعية. حين وفاته العام 1973، لقب بـ"الرسام العربي الأصيل".

خليل زغيب 1911- 1975 (لبنان)

بالإضافة إلى رسومه المتعلقة بالأشكال الهندسية والمناظر الطبيعية والزهور، فإن موضوعات هذا الرسام تتطابق أيضاً مع موضوعات سابقه أبو خليل التيناوي بقربها من أساليب التصوير الشعبي العربي. اهتم برسم التيمات المرتبطة بالتقاليد اللبنانية وأحداث الحياة اليومية مثل حفلات الزفاف، الحياة الجبلية، مهرجانات القرى، بعد أن يبث فيها الحيوية واللمسة المبهجة التي تقربها من أسلوب الواقعية السحرية. بدأ الرسم في الأربعينيات من عمره، واكتُشف على يد عالم الآثار الفرنسي سايرغ، ومن قبل الفنانة الأميركية مارييت تشارلتون.

باية محي الدين 1931- 1998 (الجزائر)

فقدت عائلتها باكراً، فعملت كخادمة منزلية عند سيدة فرنسية. أظهرت ميولاً للعمل على الطين، فنالت التشجيع ممن حولها. قامت باية بخلق رسوم ضمنتها شخصيات مستقاة من حياتها وخيالها، بما فيها حيوانات وأزهار وأشكال وفواكه وأدوات موسيقية مستوحاة من مهنة زوجها الموسيقي. تستلهم موضوعات باية الفن القبلي الجزائري، وعناصر تصميمها المعقدة منسوجة من صناعة القماش التقليدية. تسنى لبادية فرصة نادرة للعمل مع بيكاسو حينما كانت في فرنسا. ورفضت أن يطلق عليها لقب فنانة سوريالية، لإختلافها مع السورياليين حول الفكر الإستعماري، والسعي نحو فرض الرؤية الأوروبية على الفن الشعبي الجزائري.

عبد الحي مسلم زرارة 1933 – (فلسطين)

في العام 1948 عرف رحلة الهجرة الفلسطينية فإنتقل إلى سوريا، الأردن، فلبنان. في سبعينيات القرن الماضي بدأ البحث عن تقنية رسم جديدة بإستخدام نشارة الخشب والصمغ، خالقاً رسوماً شبيهة بالمنحوتات. أما موضوعات أعماله فهي مرتبطة بشكل خاص بالشعب الفلسطيني وحياته، وتقاليده ومعاناته. جاء عنه في البيان الخاص بالمعرض: "يبحث فن زرارة في تقاليد الشعب الفلسطيني مثل الرقص والغناء، وشخصياته من رجال ونساء يرتدون الزي الفلسطيني التقليدي من ثياب وأغطية للرأس، وعادة ما تكون عبارات من الأغاني مكتوبة بخط اليد على خلفيات لوحاته. يحترم زرارة دور المرأة في بنية العائلة، مقراً بأهميتها بحيث كان يصورها بشكل أكبر. أما الطبيعة فتتمثل في رسومه كموضوعات تبسيطية وعلى شكل أنماط. كما يتطرق زرارة إلى تيمات مرتبطة بالعدوان الصهيوني، ومقاومة الشعب الفلسطيني".

بولس ريشا 1928-2018 (لبنان)

النحات الوحيد في المعرض. منذ صغره انجذب إلى مادة الحديد، وعمل كحداد، صانعاً العديد من المنتجات الحديدية مثل الأسوار، المداخل، الأبواب، وغيرها من المنتجات المنزلية. ومن ثم تعلم ذاتياً النحت على المعدن، وأعاد توجيه مهاراته في الحدادة ومعارفه تجاه ممارسة الفن. قام بالعرض للمرة الأولى في البترون 1969، وبعدها ازدادت شعبيته: "بالنسبة لريشا كان النحت على الحديد وسيلة لفهم العالم وتناقضاته الأساسية. حاول في العديد من المنحوتات الفردية أن يفهم من خلالها الحرب الأهلية اللبنانية، والنزاعات الطائفية، والحياة السياسية، ومكننة الحياة اليومية، ومن بعدها بروز الإنترنت والشبكة العنكبوتية".

برهان كركوتلي 1932-2003 (سوريا)

ليست هي السيرة الذاتية التي يتقارب فيها الفنان السوري برهان كركوتلي مع الفنانين المشاركين في هذا المعرض، فهو قد درس الفن بطريقة أكاديمية، وأصبح مدرساً له في عدد من الجامعات. لكن ما يتقارب فيه مع فناني هذا المعرض، هو المنتج النهائي، أي العمل الفني. فرسومه تقتصر على اللونين الأبيض والأسود، وبالعودة إلى كتاب (التصوير الشعبي العربي، - أكرم قانصو)، نجد أن رسوم كركوتلي تتقارب مع كل ما ذكر في هذا البحث المهم في ما يتعلق بالمصادر الثقافية للرسام الشعبي، موضوعات التصوير الشعبي، والرمزية وعناصر اللوحة في التصوير الشعبي العربي كما أسهب فيها الكتاب المذكور. كما وظف برهان كركوتلي رسوماته في خدمة القضايا السياسية، ومنها بشكل خاص القضية الفلسطينية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها