آخر تحديث:11:04(بيروت)
الأحد 14/06/2020
share

زليخا الروسية تفتح عينيها.. مرتين

عماد الدين رائف | الأحد 14/06/2020
شارك المقال :
زليخا الروسية تفتح عينيها.. مرتين غوزيل ياخينا تحمل الطبعة الأخيرة من روايتها
عادت رواية غوزيل ياخينا "زليخا تفتح عينيها" إلى الصدارة من جديد لدى القراء في روسيا الاتحادية وجميع بلدان الاتحاد السوفياتي السابق، وذلك بعد عرضها متلفزة على شاشة القناة الروسية الأولى في فيلم طويل من ثماني حلقات من إخراج يغور أناشكين. والصدارة هنا ليست فقط على صعيد المبيعات الورقية (نحو نصف مليون نسخة) أو الالكترونية التي بيع منها ملايين النسخ، إنما على صعيد النقد بشتى أشكاله وقنواته الأدبية والقومية والدينية واللغوية.


الرواية "التاريخية"، التي لم تبارح المراكز الأولى على سلم المبيعات في روسيا لخمس سنوات متتالية، تضمنت إشكاليات محورية في بيئة شديدة التعقيد مرّت بهدوء قرب قراء عديدين هضموها ببطء وقيموها، إلا أنها أثارت ملايين المشاهدين فأدلوا بدلائهم في باب الانتقاد اللاذع المباشر، ولم تترك أحدًا منهم محايدًا. ولعل في هذا تكمن روعة فن الرواية.

"زليخا تفتح عينيها"(*)، تروي حكاية نزع السلطات السوفياتية ملكيات الأراضي من التتار وترحيلهم إلى منافي سيبيريا في ثلاثينيات القرن الماضي، مصورة عبر عيني إمرأة بسيطة إحدى المآسي الأكثر بشاعة في التاريخ، تزجها الكاتبة في قصة حب مع الضابط الروسي إيفان إيغناتوف ومعاناة لا تخلو من منفذ للأمل.   

تقول ياخينا مستذكرة بدايتها الروائية: "أصدرت الرواية عام 2015، حاولت أن أجد طريقي إلى الطبع، راسلت 13 دار نشر لكنهم لم يوافقوا، حاولت أن أنشر الرواية على فصول في عدد من المجلات والصحف الأدبية، استمر الأمر شهوراً لكني لم أوفق. أعتقد إنه طريق عادي يقطعه أي كاتب مبتدئ".

سيل من الشتائم

كتبت الرواية بالروسية، ثم ترجمت إلى التتارية بعد سنة كاملة، فكانت أولى ترجماتها إلى "لغة أخرى". وكانت ردود الفعل حولها متباينة، إلا أن القاسم المشترك بين معظم القراء كان انتقاد الرواية من خارج أصول النقد الأدبي، بل لإحساس الروس، لا سيما الجيل السوفياتي منهم، بأن الرواية تشوه التاريخ وتحملهم تبعات ترحيل التتار القسري ومآسيهم. وفي المقلب الآخر لإحساس التتار المحافظين بـ"الإهانة"، لكون الراوية شذت عن الأعراف والتقاليد الأسرية الصارمة، فصورت المرأة التتارية وعلاقتها بزوجها "الظالم" مرتضى، الذي يقتل على أيدي الجنود السوفيات، وحماتها "الشريرة" المكفوفة التي تترك وحيدة في جليد كوخها بعد الترحيل، ثم إن زليخا، وبعدما اجتازت أهوال الترحيل الذي يقضي على معظم المرحلين، تلد ابنها يوسف في أشد الظروف قسوة، فتزجها الكاتبة في علاقة غرامية مع الضابط الروسي. وهي على العكس تمامًا مما يراه "الوعاظ" التتار من صورة المرأة التتارية المحافظة في إطار الأسرة الأبدي.


وحول سيل الانتقادات المحشوة بالشتائم والسباب، بحق الكاتبة غوزيل ياخينا والممثلة التترية التي ظهرت على الشاشة الصغيرة مؤدية دور زليخا تشولبان خاماتوفا (تظهر كذلك على غلاف الطبعة الأخيرة من الكتاب الورقي)، تقول ياخينا (مقابلة عبر الفيديو مع قراء جريدة "نوفايا غازيتا"): بطبيعة الحال لا أتحدث عن النقد الأدبي، فأنا سعيدة به دائمًا، والأهم أن النقاد قد لاحظوا الرواية وقرأوها، لكنني أتحدث عن انتقاد من نوع آخر، وهو مرتبط بموضوعات قومية ودينية. بدأ النقد من تتارستان فور صدور الرواية، وكان صوته عاليًا. وارتبط بأن امرأة تتارية تفقد زوجها فتنساه وتجمعها علاقة برجل ذي دين وقومية مختلفين، كما ارتبطت الانتقادات بكفية تصوير الأم التتارية، وبأن الابن التتري ينسى لغته الأم، ولا يعود إلى مسقط رأسه بل يتوجه إلى لينينغراد. وقد تمحور النقد حول هذه النقاط الثلاث، وكان هجوميًا جدًا. ربما لأن الأصوات الغاضبة تكون أعلى عادة، على الرغم من معرفتي بأن عديدين استقبلوا الرواية بدفء في تتارستان، وأنا أدرك أن هذا النوع من الانتقاد ناجم عن عدد محدود من الأصوات. وكنت أتوقع أن تعود هذه الأصوات إلى الارتفاع مجددًا مع عرض الرواية متلفزة، ونبّهت المخرج إلى ذلك، وبالفعل ها هي قد عادت. لكني لم أكن أتوقع أن يتضاعف حجمها إلى هذا الحد. وقد فاجأتني بالفعل. أعرف أن موقفي، في الرواية، كان واضحًا مما يجري فيها من أحداث تاريخية وهو يدين الإجلاء القسري، إلا أن الأصوات وصلت إلى درجة اتهام الرواية بأنها تبرر حدوث المأساة لكون البطلة مرّت بلحظات سعادة. تفاجأت، ولم أكن أتوقع ذلك. كما كنت أتوقع نمطًا آخر من الانتقاد، عن حياة المبعدين قسرًا، لكنه كان معاكسًا فاتهمت بأنني أكتب بسوداوية كثيرة عن الماضي".


في النقد

استخدم مشاهدو المسلسل، الذين لم ترقهم طريقة تناول الكاتبة للأحداث شتى الوسائل للتعبير عن آرائهم، والتي كانت بمعظمها جارحة، خارجة من إطار النقد الأدبي، وكانت مجرد آراء أناس غاضبين، سواء أكانوا مشاهدين أفرادًا أو تحت مسميات شخصيات معنوية حزبية أو دينية أو قومية، فقلما نقف على من وجه نقده بشكل منهجي، أي أنه لم تلاحظ مناهج نقدية لغوية أو تاريخية أو اجتماعية في ما كتبوا وقالوا. في الوقت عينه، يبدو أن ما فاتهم خطير بالفعل، فالرواية كتبت بأسلوب يكاد يكون غائبًا لأكثر من عقدين من الزمن في الرواية الروسية الحديثة، وهي تداني بأسلوبها أسلوب الواقعية الاشتراكية، الذي استخدمه كبار كتّاب وكاتبات الاتحاد السوفياتي، وتروي عن المأساة الإنسانية فتصورها كما هي، وتصور ردة الفعل الإنسانية بلا أي رتوش.

فإذا كان من الطبيعي أن تكتب الرواية بالروسية، كأداة للتخاطب والتعبير تتخطى حدود روسيا الاتحادية إلى فضاء العالم الروسي حول الأرض وتعتبر التتارية "لغة أخرى"، إلا أنها أتت من دون تكلف أو ابتذال أو استدرار لعطف القارئ، ثم المشاهد، أمام مأساة حقيقية. ثم إن الترحيل لم يلحق بالتتار وحدهم، فمن قطار إلى قطار ومن محطة إلى محطة يتخالط التتار بالروس وغيرهم من أبناء قوميات الاتحاد السوفياتي الكثيرة.


الحل، أو الخلاص الذي ابتدعته الكاتبة، وإن لم يرق لكثيرين فإنه يتجسد في شخصية يوسف، يوسف ابن زليخا (مع الإصرار على ما يبدو على ترابط هذين الاسمين التاريخيين)، الذي ولد في ظروف قاسية وكل ما عرفه في حياته هو المنفى السيبيري الرحب. يوسف الذي يفر من المعتقل بقارب، حاملا شهادة ميلاد مزورة، والده فيها إيفان إيغناتوف نفسه الذي أحب زليخا، وكان ضابطًا مشرفًا من قبل الجيش الأحمر على معسكر الاعتقال، يعطيه شهادة الميلاد وكل ما بحوزته من مال ليهرب إلى حيث الحياة. يحرق إيفان ملف يوسف كله ليحترق معه اسم أبيه التتاري مرتضى الذي لم يره، ويفر يوسف إيفانوفيتش "السوفياتي"، ابن ضابط الجيش الأحمر، لا إلى قرية آبائه التتار بل إلى لينينغراد، حيث يُقال عنه "إنه واحد منّا، من قازان". وسيلتقي يوسف بزليخا من جديد يوم تُقفل المعتقلات السيبيرية بعد انطواء الفترة الستالينية. ولعل في هذا "الخلاص"، يكمن ما أغفله المنتقدون، أي أن ما كان طبيعيًا وعاديًا في نظر القوميات بعضها إلى بعض في زمن الاتحاد السوفياتي وعلى امتداده ورحابته ولّى إلى غير رجعة، فالرواية الصادمة، المتحدثة بأسلوب الماضي، ظهّرت فقط ما يعتمل في النفوس بعد تقوقع كل قومية على ما تعتبره عزيزًا عليها من أعراف وتقاليد، حيث كل واحدة منها تكتب تاريخها ومُثلها بطريقتها، تحت خيمة الاتحاد الفيدرالي الروسي الكبير.   

 (*) فازت بجائزة "الكتاب الكبير" الروسية، والمترجمة إلى نحو 38 لغة حول العالم (عربيًا، حظيت بترجمة جيدة من فؤاد المرعي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2019، 491 ص.)


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها