آخر تحديث:12:18(بيروت)
السبت 13/06/2020
share

أميركا في"ثورتها": العودة الى البدايات..الى مرحلة التأسيس

محمد صبحي | السبت 13/06/2020
شارك المقال :
  • أميركا في"ثورتها": العودة الى البدايات..الى مرحلة التأسيس
    هذا ليس الباستيل، لكن شيئاً ما يحدث في أميركا الآن. (غيتي)
  • تشبه أميركا تاريخها، ويشبه الإثنان رأس يانوس.
    تشبه أميركا تاريخها، ويشبه الإثنان رأس يانوس.
 

يقال إنه في 14 يوليو 1789 (يوم اقتحام الباستيل)، سأل ملك فرنسا لويس السادس عشر، مرافقه دوق ليانكورت: "هل هذا تمرُّد؟"، فأجابه الأخير "لا يا سيدي، إنها ثورة". من غير المعروف ما إذا كان دونالد ترامب سأل أحد مستشاريه، حين نزلوا إلى مخبأ سرّي تحت الأرض عقب تجمع المتظاهرين في محيط البيت الأبيض مطلع الشهر الجاري، عما إذا كان ما يحدث في الخارج ثورة أم تمرُّداً. ولكن من الممكن الافتراض أن ترامب لم يسهب في طرح الأسئلة، بل سارع إلى منصّته الإلكترونية المفضّلة وغرّد بعض البيانات الغاضبة المقتضبة.

السؤال نفسه ليس عيباً، وفي هذه الحالة تحديداً له مسوغات وجيهة تبرّر طرحه: ماذا يمكننا أن نسمّي ما يحدث في الولايات المتحدة منذ القتل الوحشي لجورج فلويد على أيدي الشرطة؟ النزول إلى الشارع، أولى أدبيات الاحتجاج، بدأ عقب انتشار فيديو القتل، وكان في أغلبه تظاهرات سلمية دفعت بدورها المزيد من الناس إلى الشوارع، ولكن في بعض الأحيان أيضاً تطوّرت الأمور إلى أعمال شغب عنيفة اختلفت أسبابها ومآلاتها. لكن الجوهري في الأمر أن ما يحدث ليس مجرد اعمال شغب، بل تمرًّد وعصيان، تعزّزه لافتات الغاضبين في الشوارع كما في وسائل التواصل الاجتماعي. في الأخير، لا يتعلق الأمر فقط بالغضب والعنف، بل بمطلب سياسي، وهو قديم قدم الولايات المتحدة نفسها: يُولد الناس أحراراً ومتساوين.

لا تزال الثورة الفرنسية إلى اليوم رمزاً للمجتمع المضطهَد الضاغط من أجل نيل الحرية، وفي سبيل ذلك يستخدم كل قوته لإسقاط نظامٍ قوامه التمييز واللامساواة. كانت الثورة في فرنسا نقطة النهاية للنظام الإقطاعي المتفسّخ بشكل متزايد في أوروبا، وهو تفسّخ جرت رعايته وتسريع موته في فرنسا بواسطة حُكم مَلَكي مطلق. ساعدت الثورة على الانتقال بالمجتمع الفرنسي من الإقطاع الى الرأسمالية، لكن هذا النظام الملكي القديم نفسه نمت في ظلّه الرأسمالية، حتى أصبح عبئاً عليها، فلزمت تنحيته. ومثل أغلب تجارب البلدان الصناعية وقتذاك، كانت الثورات السياسية تأتى لتسلِّم السلطة للطبقات الرأسمالية الجديدة التى نمت من خلال صراع اجتماعى طويل فى ظل حكم النظم السياسية القديمة. وهكذا بُنيت الثورة على أنقاض الهياكل القديمة التي نجا الكثيرون منها من الانقلاب.

لكن أميركا اليوم، التي أصبحت منذ فترة طويلة "نظاماً قديماً"، يحكم مجتمعاً منظَّماً وفقاً لامتيازات وراثية مجحفة وغير عصرية؛ لديها الكثير من القواسم المشتركة مع حالة فرنسا قبل الثورة منها مع مجتمع آبائها المؤسسين قبل الثورة الأميركية (أو حرب الاستقلال)، التي شكّلت تلك الدولة التي نعرفها حالياً. في كتابه العمدة "النظام القديم والثورة"، أوصى أليكسيس دي توكفيل مبكراً العام 1856 بأنه "إذا أردت معرفة ما إذا كانت الطبقة والأفكار والعادات والحواجز الموضوعة بين أفراد مجتمع ما قد دُمرت فعلاً، فتأمّل الزيجات بينهم". هذه النصيحة القديمة لا تزال مفيدة في فهم أميركا اليوم - وغيرها من بلدان تنهش مجتمعاتها عوامل الفرقة والانقسام -  لناحية بيان كيف تستمر الاختلافات العرقية، على سبيل المثال، في العمل كحواجز فاصلة بين مكونات المجتمع.

حتى مع ما أتبعه تسلُّم الطبقة الرأسمالية الجديدة للسلطة بعد الثورة الفرنسية من انتقاص لمثالية شعارات الثورة، الحرية والمساواة والإخاء، لكن الثورة الاجتماعية امتدت لسنوات طويلة فى صورة تحولات اجتماعية وبناء "ديمقراطية من أسفل" عبر إنشاء النقابات والتفاوض مع النظام الجديد على حقوق وحريّات التظاهر والإضراب والاعتصام، لتكون أداة فى يد الطبقات الشعبية التى تمثل القوى الحيّة فى المجتمع للدفاع عن حقوقها. حتى مع الممارسات الديكتاتورية للنظام الجديد، علاوة على ممارسات الثورة المضادة؛ يبدو أن الرغبة في المساواة كانت هي الأعلى والأطول بقاء، أو، على حد تعبير دي توكفيل الرصين، "يبدو أنهم يحبّون الحرية؛ لكن يجد المرء أنهم فقط يكرهون السادة". حقيقة أن المرء، فوق كل شيء، يكره مَن يتسيّد عليه، ربما يمكن الإشارة إليها في راهن الولايات المتحدة الأميركية. لكن يبقى السؤال حول ما الذي يعنيه فعلاً هذا الحديث عن حبّ الحرية في بلدٍ يُفترض أن يكون فيه الجميع أحراراً منذ فترة طويلة.

قبل عام ونصف تنبأت الكاتبة مارغريت آتوود بقيام ثورة في أميركا على غرار الثورة الفرنسية. المقارنة ممكنة، في ظل تشابه النظائر الاجتماعية وترسّخ أوضاع تستدعي التغيير. ينبش أسلوب حكم دونالد ترامب في الجذر الأميركي، في صورة أميركا عن نفسها. وهو يفعل ذلك بطريقتين. من ناحية، يحاول تمزيق العروة القائمة على مفهوم الحرية الإنساني والمؤسسي. ومن ناحية أخرى، يرسّخ نفسه كحاكم مطلق لنظامٍ قديم. وهو في ذلك يستند إلى مبدأ قديم ساعد في تأسيس الولايات المتحدة، وهو الإيمان بمبدأ تفوُّق العِرق الأبيض، تفوق المستوطنين البيض على كل من السكان الأصليين في القارة، الذين ذبحوا عشرات الآلاف منهم، والسود، الذين إستعبدوهم أولاً ثم حرموهم من التعويض عن فترة العبودية ثم استمروا في التمييز ضدهم.

لطالما حمل تاريخ الولايات المتحدة الأميركية رأس "يانوس" الخاص به، في محاربة الاستعمار لتأسيس استعمار جديد، وفي تحرير العبيد لاستعبادهم مرة أخرى. ويانوس في الميثيولوجيا الرومانية القديمة، هو إله البدايات والبوابات والتحولات والثنائيات والمداخل والممرات والنهايات. عادة ما يصوَّر بوجهين، وجه ينظر للمستقبل ووجه ينظر للماضي. يثير النزاعات والحروب ويحسمها، يقوّض السلام ويبنيه. تشبه أميركا تاريخها، ويشبه الإثنان رأس يانوس.

الحرية التي كان يُفترض أن تشمل مظلتها الجميع بعد "الاستقلال" ووضع الدستور المؤسس، ظلّت بعيدة كل البعد عن كونها واقعاً للجميع، فيما ركضت كلمات "إعلان الاستقلال" جميلة الإيقاع والوقع، على شريط موبيوس (Möbius strip)، تمرّ على كلا وجهيه وتعود إلى النقطة التي بدأت منها من دون أن يتغيّر أي شيء. تكتب حنّا أرندت أن هدف التمرُّد هو التحرير، والهدف من الثورة هو التأسيس للحرية. هل ما نراه الآن في الولايات المتحدة الأميركية ثورة؟ سيتعين على المرء الانتظار ورؤية ما سيؤول إليه الوضع الراهن، في ظلّ توقّع استمرار الاحتجاجات ومحاولة جميع أطراف المشهد الفوز بأكبر قدر ممكن من المكاسب، وأولهم الرئيس البرتقالي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها