آخر تحديث:13:21(بيروت)
الخميس 11/06/2020
share

غاردنر وكاثرين وراي.. سود حملوا على أكتافهم الحُلم الأميركي

وجدي الكومي | الخميس 11/06/2020
شارك المقال :
غاردنر وكاثرين وراي.. سود حملوا على أكتافهم الحُلم الأميركي Hidden figures
"نحن جميعا نتبول بولا لونه واحد هنا في "ناسا".. فلا يجب أن توجد حمامات للسود، وأخرى للبيض"...
العبارة من فيلم " Hidden figures" لبطله كيفن كوستنر، في مشهد من أروع مَشاهد ذروة الفيلم، الذي يعتبر أحد أهم أفلام السير الذاتية التي تناولت مسيرة حياة عالمة الرياضيات الأميركية كاثرين جونسون جوبيل من أصل أفريقي، والتي عانت التمييز والفصل العنصري في حياتها ومسيرتها المهنية، حتى أجبرت وكالة ناسا على أن تحترمها، خاصة بعدما نجحت في أن تلعب دوراً مهماً في إنجاح أول رحلة فضاء أميركية مدارية حول الأرض.

كيف عبّرت السينما الأميركية عن مشاهد الفصل والتمييز العنصري بين المواطنين الأميركيين الملونين من أصول إفريقية، والبيض.. التي تتصاعد بسببها احتجاجات في سائر الولايات المتحدة بعد مقتل جورج فلويد؟

اخترنا هنا ثلاث نماذج جسدت السينما الأميركية سيرتها الذاتية، لثلاثة مواطنين سود من أصول إفريقية نجحوا في حمل المجتمع الأميركي على اعتبارهم، وضربوا أروع الأمثلة في الكفاح والنضال طوال مسيرتهم المهنية. هذه النماذج بلغت شهرتها الآفاق، في ثلاثة مجالات مختلفة، الموسيقى، والعلوم، والبيزنس.

أميركا في الفضاء
جسدت السينما الأميركية قصة حياة وكفاح كاثرين جوبل جونسون، التي يرجع الفضل لحساباتها الدقيقة في إنجاح أول رحلة مدارية للولايات المتحدة حول الأرض، خلال ماراثون الصعود إلى الفضاء مع الاتحاد السوفياتي، مطلع الستينيات.

في الفيلم الأميركي Hidden figures تتولى كاثرين جوبل وزميلتاها الافريقيتان مهام وظيفية في وكالة ناسا، خلال فترة "الحرب الباردة" حينما كان يتسابق القطبان على زرع أقمار التجسس الصناعية في الفضاء، وبينما، في ذروة التنافس والسباق، كانت أميركا تفصل فصلاً عنصرياً بين مواطنيها البيض والسود، فتخصص أجزاء في الباص للركاب الملونين، وقاعة في المكتبة العامة مكتوباً عليها: للملونين، وبالطبع لا يمكن أن يستخدموا الحمامات نفسها، ولا أن يشربوا القهوة خلال العمل من الماكينة ذاتها.

وكما يوجد فصل عنصري في الأماكن، كذلك في الوظائف. خيرة عقول أميركا من علماء الرياضيات، يجلسون جميعا في قاعة واحدة، ومعظمهم بيض البشرة، فإذا بكاثرين جوبل إفريقية الملامح التي كانت مُستخدمَة تعمل في قاعة الحاسوب المخصص للموظفين الملونين، تتلقى تكليفاً يمنحها امتياز العمل في قاعة علماء الرياضيات البيض الذين يعكفون على إعداد حسابات الرحلات المدارية للصاروخ الذي تفشل تجاربه باستمرار لعجزهم عن حساب نقاط الإطلاق، ونقاط العودة.

يظهر في الفيلم التوجس والترقب الخافت في عيون زملاء كاثرين جوبل (أدت الدور الممثلة الأميركية تراجي بي بينسون) بمجرد دخولها قاعة زملائها العلماء وهم عاكفون على العمل على حسابات الصاروخ، لتستعمل براد القهوة المخصص لهم، فيلتفتون ويتبادلون نظرات متوترة، وفي اليوم التالي تجيء كاثرين لاستخدامه، فتجد براداً آخر موضوعاً بجوار ذاك الذي كانت تستخدمه وعليه كلمة colored وغير موصول بالكهرباء، وخال من الماء.

رئيسها كيفن كوستنر يختبرها في المعادلات الرياضية ويسألها بتشكك: هل تجيدين هذه الحسابات؟ فترد عليه بتحد: مانيوال.. أي تحسبها برأسها من دون مساعدة.

ما أن تضطر كاثرين لاستخدام الحمام، حتى تهرع لمغادرة القاعة، والمبنى لتركض مسافة أربعين دقيقة ما بين مباني ناسا حتى تصل إلى مبنى على بعد ميل ونصف الميل، يحوي حماماً للملونين. وحينما تنجح روسيا في إرسال أول إنسان إلى الفضاء، يتلقى المشرف على برنامج الفضاء توبيخاً من الكونغرس الأميركي، خاصة مع استمرار فشل تجارب الصواريخ، فيجتمع كيفن كوستنر مع علماء ناسا الرياضيين، ويسألهم: هل لكم أن تخبروني، كيف صرنا في المركز الثاني، في سباق إلى الفضاء تتسابق فيه دولتان؟

ذروة الفيلم الجميلة ليست في نجاح كاثرين جوبل وحساباتها في دفع سفينة رائد الفضاء الأميركي آلن شيبارد وجون غلين، إلى الفضاء بالفعل، بل حينما يكتشف كيفن كوستنر، مدير كاثرين، غيابها المتكرر وسط دوام العمل، وذلك لاحتياجها إلى استخدام حمام يبعد كثيراً عن المبنى الذي يجلسون فيه، خاصة أن ساعات العمل صارت ممتدة، مما جعل فترات غيابها تتزايد، فتنفجر فيه كاثرين قائلة: أعدو أكثر من ميل ونصف الميل لاستخدام حمام مخصص للملونين، نعمل مثل الكلاب، ونبذل جهوداً مضاعفة لإثبات أنفسنا، وفي النهاية نتقاضى أقل مما تتقاضاه سكرتيرة بيضاء، ولا نستطيع أن نتحمل ثمن عقد من اللؤلؤ الأبيض هو شرط العمل للسيدات في هذا المكان.

يحطم كوستنر اللافتة المثبتة فوق الحمام قائلاً عبارته التي بدأنا بها هذا المقال: "نحن هنا في ناسا نتبول بولاً لونه واحد، لن نخصص حمّامات للملونين وأخرى للبيض".

ملك "السول" الممنوع من دخول مسقط رأسه

قصة المغني الأميركي راي تشارلز من أصل إفريقي، من أروع السير الذاتية لمواطن أسود تعرض للفصل العنصري، إلا أنه أثرى الحياة الفنية الأميركية بموسيقاه، وقاوم بفنه العنصرية. لم يقاوم بالرضوخ والغناء، بل قاوم برفض الغناء لمنظمي حفلات بيض، خصصوا أرضية رقص للبيض، ومنعوا السود من دخول الحفلات، فما كان من راي تشارلز إلا أن قاوم إغراء كسب المزيد من المال، رافضاً الغناء في لحظة درامية جسدها الفيلم الأميركي الذي صُنع عن سيرته العام 2004، ولعب دوره الممثل جيمي فوكس.

"راي" الذي فقد بصره في طفولته، يبدأ الفيلم المأخوذ عن سيرته بوقوفه في شمال فلوريدا العام 1948، منتظراً الباص، وحينما يأتي سائقه، يسأله: هل أنت متجه إلى "سياتل" وحدك؟ أنا لا أستطيع تحمل مسؤولية زنجي وأعمى لمسافة 3500 ميل بمفرده.

يقنعه "راي" ويأخذه معه، بعدما يخبره أنه فقد نظره على شاطيء نورماندي خلال الاجتياح في الحرب العالمية الثانية، وهكذا في المشاهد الأولى من الفيلم يظهر راي جالساً في الباص، في المؤخرة، تقترب الكاميرا ببطء من كلمة "colored" الفاصلة بين الجزء المخصص للبيض، والصفوف الأخيرة القليلة المخصصة للسود.

في الخمسينيات تبدأ شهرة راي في النمو بعد أن يتنقل بين أكثر من فرقة تستغل موهبته، وتسرق أجره، يتعاقد مع شركة تسجيلات "أتلانتيك" التي تنتج له أسطواناته الأولى، ومنها تحدث الانطلاقة الكبيرة في مسيرته الموسيقية العام 1953.

مع نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، تتصاعد شهرة راي، وتنتشر في المجتمع الأميركي، يتشجع للعيش في لوس أنجليس هو وزوجته، متسلحاً بشعوره بالأمان أن أي زنجي يستطيع أن يعيش في هذه المدينة. يغني "راي" أغنية "جورجيا في قلبي" لولاية جورجيا التي وُلد فيها، ويتأهب للذهاب إليها للغناء في حفلة من تنظيم أشخاص بيض، لكن هناك يقع الصدام.

ينتظره السود بلافتات ترفض الفصل العنصري، وحناجر تهتف بغضب في راي وفرقته كي يعودوا من حيث أتوا، ويقاطعوا منظمي الحفلة، فيهبط راي من الباص في حراسة الشرطة، ويتناهى إلى سمعه صوت شاب يصرخ فيه: أتعلم أن عرض الليلة ممنوع دخول السود فيه؟
فيرد راي: هذه هي الأمور.. والفن ليس له شأن بهذا.. فيعود الشاب يهتف: هذا لا يجب أن يستمر، افعل شيئا.. محظور على الزنوج دخول حفلتك.. ليس من المفترض أن يستمر الحال على هذا الوضع.

جورجيا في الجنوب الأميركي.. الذي يشهد اشتعال التمييز العنصري ضد السود، يظن راي أولاً أن الغناء والفن ليس له علاقة بهذه الوقائع. يستشهد الفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون في كتابه "قلق السعي إلى المكانة" بمقولة الشاعر البريطاني والناقد ماثيو أرنولد، الذي يُعرف الفن بأنه كل عمل فني عظيم يتسم صراحًة أو تلميحاً بالرغبة في إزاحة الخطأ الإنساني وتخفيف معاناة البشر.

إذن فغناء راي تشارلز في تلك الليلة لم يكن أبداً سيزيح خطأ الفصل العنصري، بل سيضرم نار الغضب في صدور أبناء طبقته الذين يعانون معه، وهكذا يتراجع راي في اللحظة الأخيرة، ونتيجة لذلك تعاقبه جورجيا بالنبذ، والمنع من دخول أراضيها على الرغم من كونها مسقط رأسه. وليس ذلك فحسب، بل تطارده الشرطة الأميركية بلا مذكرة اعتقال، وتفتشه في أحد الفنادق، وتجعل الصحافيين يشوهون صورته، بعدما كانوا قد صنعوا منه بطلاً إثر رفضه الغناء.

انتصر راي تشارلز على قانون الفصل العنصري وفي السابع من مارس/آذار 1971، الممثلون المنتخبون لولاية جورجيا جعلوا من أغنية "جورجيا في قلبي" نشيداً رسمياً للولاية، واعتذروا لراي اعتذاراً رسمياً وعلنياً، ورحبوا به مرة أخرى للعودة إلى مسقط رأسه.

البحث عن السعادة

في الفيلم الأميركي " البحث عن السعادة" The Pursuit of Happyness
يفقد كريس غاردنر، الذي يلعب دوره ويل سميث، جهازاً من أجهزة سكانر، التي كان يبيعها للأطباء في عياداتهم الخاصة، ومستشفياتهم، فيضطر للمبيت في الشوارع والتشرد هو وطفله الصغير، تهجره زوجته، ويلتحق بشركة يتعلم فيها وظيفة جديدة. اللافت في قصة غاردنر، والتي جعلتنا نستشهد بها في هذه السطور، ليس أنه تعرض للتمييز العنصري موضوع هذا المقال، بل لأنه مثال لشخص أسود تعرض لقهر ونبذ اجتماعي شديد، وعانى العوز والفقر، إلا أنه استطاع على الرغم من تشرده، ودخوله السجن بسبب تافه "مخالفات المرور" أن يحقق ذلك الحلم الأميركي، بعد سلسلة من الهزائم والإخفاقات، والنوم على الأرصفة، والتسكع ما بين الأديرة وبيوت مأوى الفقراء والكنائس التي تقدم وجبات ساخنة للمعدمين والمشردين. فالمظاهرات المندلعة بسبب مقتل جورج فلويد، وإن تضمنت في هتافها Black lives matter، فهي أيضاً تنسحب بالمعنى الشامل على نوعية وجودة هذه الحياة، وحق السود في أن ينعموا بميزات وسعادة هذا الحلم الأميركي. وإلى جانب العديد من قصص النجاح الأميركية التي جسدتها هوليوود عبر تاريخها، إلا أن اقتران تحقيق الحلم الأميركي بالبحث عن السعادة تجسد في هذا الفيلم الذي عُرض العام 2006، وظل في القلوب، وبات علامة على تحقيق المواطن الأسود قدراً من التفوق بجانب زميله المواطن الأبيض.

إلا أن ما يحدث هذا العام بعد مرور أربعة عشر عاماً على الفيلم، يدل على تقهقر المكانة التي يحتلها السود في مجتمع راكم منذ سنوات وسنوات أسباب الغليان، وجاء مقتل فلويد سبباً ليزيح الغطاء ويحدث الانفجار.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها