آخر تحديث:13:50(بيروت)
السبت 09/05/2020
share

ماذا لو أعادت غادة السمان كتابة رسائلها الضائعة؟

محمد حجيري | السبت 09/05/2020
شارك المقال :
ماذا لو أعادت غادة السمان كتابة رسائلها الضائعة؟ غادة السمان في الخمسينات
في مقالها الأخير"رسائل حب بخط يدي!"، روت الكاتبة غادة السمان "أن عاملة منزلية في بيت أصدقاء لها في بيروت سَمِعَتهم يقولون إنني كاتبة جيدة، وحين ذهبتُ لزيارتهم قالت لي، وهي الأمية: أرجوكِ، اكتبي رسالة لابني وقولي له حبي وشوقي، فقد يتصل بي هاتفياً على الأقل!". تضيف السمان: "حزنت لألمها، وكتبت لها رسالة حب لابنها (..) وأظن أنها أجمل رسائل حب كتبتها في حياتي. كان ذلك كله قبل أن أنشر رسائل غسان كنفاني لي". وفي الفقرة نفسها، تقول: "يومها عرضت إحدى دور النشر على صديق حميم لي ولغسان كنفاني، هو ع.س (جاء ذكره في رسائل غسان)، أن تشتري منه رسائلي إليه في تلك المرحلة بمبلغ عشرة آلاف دولار. قلت له: بِعها لهم فأنت مفلس! قال: احترقت في الحرب. قلت: سأكتب لك سواها الآن لتبيعها وتربح نقوداً وأنت رقيق الحال. رفض بكل إباء".   

ثمة وجهان لما تقوله الكاتبة السورية اللبنانية. الوجه الأول، يتمثل في الشطارة في كتابة الرسائل، ودور الرسائل في الحياة الاجتماعية والغرامية. فإذا كانت العاملة المنزلية تريد أن تليّن قلب ابنها اتجاهها من خلال رسائلها "المزيفة"، وعلى هذا يبدو بديهياً أن نقول أن مي زيادة أحبّت جبران من خلال رسائله إليها. كانت تعشقه ولم يلتقها، بل كان غارقاً في توزيع غرامياته وأكاذيبه القلبية هنا وهناك على أكثر من امرأة. وأكثر من ذلك، عدا عن أن مي أحبّت جبران من خلال "الشعلة الزرقاء"(عنوان الرسائل)، فهي قبل ذلك أحبّت ابن عمها (جوزف) وانفصلت عنه لأنها اكتشفت أن صديقه يساعده في كتابة رسائله الغرامية إليها، وابن عمها نفسه، في أواخر حياتها، ساهم في إدخالها مستشفى العصفورية، زاعماً أنها تعاني اضطرابات عقلية تستدعي علاجاً دائماً، لتكتمل رحلة عذاب خطت زيادة سطورها في كتاب "ليالي العصفورية"، الذي تحول سراً ولغزاً ومصدراً للتأويلات وكتابة الروايات...

الوجه الثاني في مقال غادة السمان يتمثل في رسائلها الضائعة، وخدعة أدب الاعتراف والبوح. تعترف السمان بأنها عرضت على" أو شجعت، صديقها، أن تكتب له رسائل جديدة، بعد قوله بفقدان الرسائل الاصلية في الحرب، مقابل أن تدفع دار نشر ثمنها 10 آلاف دولار. والسؤال ماذا لو أعادت كتابتها فعلاً؟ هل سيلجأ أحدهم الى التنقيب عن الحقيقة؟ ومن يعرف الحقيقة؟ هل ستكون الرسائل نفسها التي كتبتها سابقاً؟ وهل سيبحث النقاد عن خبير للخط أو الورق؟ كثيرون اتّهموا غادة، من قبل، بأنها أخفت رسائلها الى غسان. لكن غادة تنكر ذلك تماماً. وفي مقدّمتها لكتاب الرسائل، أشارت إلى أنها وجهت هذا النداء في 21/ 4/ 1989، عبر صفحات مجلة "الحوادث" اللبنانية، إلى مَن رسائلُها إلى غسان في حوزته، أو في حوزتها، تدعوه فيه إلى إعادتها إليها كي تصدر الرسائل كاملة: رسائلها إلى غسان ورسائل غسان إليها، وذلك كي لا تصدر رسائل غسان وحدها، حاملة أحد وجوه الحقيقة فقط، بدلاً من وجهيها. وتضيف: "وأنا، والحقّ يقال، لا أدري أين رسائلي إليه". وتكرر نشر النداء مرات على ألسنة أدباء ونقاد آخرين قبل إصدار الطبعة الأولى من الرسائل، ولم يستجب أحد للنداء حتى لحظة صدور الطبعة الخامسة (2005)... في الملخص، فجّرت غادة السمان قنبلتين أدبيتين. في المرة الأولى، نشرت رسائل غسان كنفاني الغرامية إليها، في النصف الثاني من الستينات. وفي المرة الثانية، نشرت هيامات أنسي الحاج. وهي تقرّ بأن رسائلها الى غسان ضاعت، وكذلك رسائلها الى صديقها (ع.س) الذي ورد اسمه في رسائل غسان (فماذا عن رسائله إليها؟)، وأيضاً الرسائل التي كانت تكتبها لعاملة المنزل، ولم تتحدث غادة عما إذا كانت كتبت رسائل الى أنسي الحاج...

اعتراف غادة السمان بعرضها اعادة كتابة الرسائل، يأتي من ضمن ما يسمى أدب الاعتراف، وكتابة الاعترافات هي "سيرة النفس" أو سيرة عريها، وبغض النظر عن رسائل غسان/غادة، يلعب الخيال دوراً كبيراً في موجة الاعترافات الراهنة، كما لعبه في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عصر ازدهار الاعترافات، الى درجة يوصي باودولينو بطل أمبرتو إيكو "إن أردت أن تصبح متأدباً أو أرفع شأناً، إذا أردت أن تكتب ذات يوم أخباراً، يستوجب عليك أن تكذب، وأن تختلق بعض الحكايا، وإلا كان تاريخك مضجراً".  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"

مقالات أخرى للكاتب