آخر تحديث:16:09(بيروت)
الخميس 07/05/2020
share

العادي الجديد

رشا الأطرش | الخميس 07/05/2020
شارك المقال :
العادي الجديد أطفال إسبانيا خرجوا للعب للمرة الأولى منذ ستة أسابيع (رويترز)

أتى صوت "ندى" متهدجاً. في تلك الرسالة الصوتية التي سجلتها لمجموعتنا الصغيرة في "واتسآب". قالت أنها لم تنم جيداً منذ ليلتين بسبب مشاعر كثيرة تعتريها دفعة واحدة. وكما اعتدنا، منذ بداية الحجر، كوسيلة للفضفضة ومقاومة تحوّل الإحباط إلى اكتئاب، سجّلت ندى منولوغاً طويلاً، أفكارها وأحاسيسها، مخاوفها وقلقها. في نبرتها ارتجافة خوف، ولسعة غضب حزين. تقول إنها أدركت للتو أن الحياة لن تعود كما كانت، ليس قريباً في أي حال. مذعورة من العالم الجديد الذي نعيش فيه، وسنعيشه شهوراً طويلة مقبلة، حتى بعد رفع حالة الحَجر. المسألة، بالنسبة إليها، لا تنحصر في دوامة السجن المنزلي، والروتين القاتل (للنَّفس قبل الفيروس) من تعقيم وارتداء كمّامة وخوف من اقتراب الناس. يهولها أنها، على الأرجح، ستستمر في تسيير معظم شؤون حياتها ووظيفتها من خلف شاشة، ومثلها مبدعو هذا العالم ومُلهموه (هكذا هي ندى، تفكر في نفسها والكوكب معاً). تشكو أنها لن تتفاعل كالسابق مع زملاء ومعارف وأصدقاء، وجهاً لوجه، على فنجان قهوة. لن تضحك بجدّ، ولن تكتسب جديداً من يوم ينقضي بعد يوم، والأرجح أنها لن تتعرف إلى أشخاص جدد. وأكثر ما يحرقها، هي التي عُرفَت بخاصية التأجيل، تأجيل المهام كبيرها وصغيرها، وحتى ما تهوى من موسيقى ورياضة وتنظيم رحلات سفر.. أنها لن تقوى، من الآن فصاعداً، حتى على الحلم بالإنجاز. وندى التي عُرفت أيضاً بتنظير كثير عن "الإيجابية" كأسلوب حياة، وأمنيات تبشّر بأننا إذا صدّقناها بقوة فستأتينا لا محالة، ندى التي يعرّفها الأقربون بخطاب تحويل الأزمات إلى غرف ضغط تُحوِّلنا -كبشر- ومثل حجارة الفحم- إلى قطع ماسية.. تقول إنها تنبهت الآن إلى أنها تخسر قدرتها على الأمل: الأمل في أنها ستتعلم يوماً عزف غيتار الفلامينكو (هذه فكرة، مجرد فكرة، كانت تعينها على تحمّل مضايقات حياتية أكبر). الأمل في أنها قد تحترف ما هي الآن هواياتها، في ظل مهنة لا تعبّر عنها بالكامل، أنها ستحبّ نفسها أكثر وستترك عفويتها تقودها، وستُغني حياتها العاطفية، وستزيد رحلات سفرها لزيارة والديها المُسنَّين فتعتني بهما أكثر وتؤنسهما في وحدة آخر العمر. الأمل في أن تحصل على وظيفة أكثر شبهاً بها. الأمل في أن كل التأجيل الذي وسم سنوات عمرها، سيأتي يوم وينحسر لصالح واقع مغاير ستحققه أخيراً لنفسها، وهي التي تجاوزت سنّ الشباب. الأمل في أن التأجيل ليس حتمياً، بل خيار شخصي، وإن استمر عراكها معه منذ الطفولة.

فقاعات اجتماعية
هكذا.. وبهذا المزاج المتعب، واللاهث في الوقت نفسه خلف ومضة ضوء، نقرأ أخبار بالبدء بتخفيف إجراءات الحجر حول العالم. هذا الزلزال الذي دكّ يومياتنا وعادياتنا، ستتوالى هزاته الارتدادية طويلاً. التباعد الاجتماعي نمط حياة في الحيز العام، ومستمر حتى العام 2022، وربما 2024، ويمكن للجائحة أن تعاود موجاتها. في لبنان، سرت نكتة بأن اللبنانيين، أينما كانوا في العالم، أقل شعوب الأرض تأثراً بالحجر، فالتحصّن بالبيت مع كهرباء ومياه وانترنت، مقارنة بأيام الحرب، إجازة لطيفة. وفي مقلب ثانٍ، تُستعاد ذاكرة الحرب اللبنانية اليوم، مع الغلاء وارتفاع سعر الدولار. لكن، أيام الحرب، كانت الناس تتلاقى، ومهنم من يُغرَم أو ينسج صداقات العمر، في "مناور" البنايات والملاجئ وممرات البيوت. الآن، كل منا في عزلته التي لن تتسع كثيراً في المقبل من الشهور. ها هي بريطانيا تحكي عن تنظيم "فقاعات اجتماعية" من حفنة من الناس، يجب على كل شخص أن يسجل نفسه فيها، ويُخطر بها السلطات على أنها الدائرة الوحيدة التي سيختلط بها بعد رفع الحجر، وعلى المرء أن يختار في أي فقاعة يريد أن يكون، الأهل أم الأصدقاء؟ أم العشيق/ة وفقاعته/ا؟

الناس تتأقلم، لكن بأي ثمن؟ الأعراس، النشاطات الرياضية الكبرى، الحفلات الموسيقية، المواصلات العامة، والمكاتب.. لن يبقى من صُورها ومعانيها وجدواها الكثير. المولات، المطاعم، الحانات، وأماكن العبادة، إغلاق تام أو جزئي أو تباعد. السفر سيظل مقونناً، داخل كل بلد وإلى خارجه. وحتى لو فتحت المحلات التجارية، كيف سنعود؟ ستتلاشى إمكانية تجربة الثياب والمأكولات، لمس البضائع وشمّها. التسوق عبر الإنترنت أرحم وأخف وطأة، حتى لمن ليسوا من هواة النوع.

وتبقى مثيرة للاهتمام والفضول لوائح المؤسسات والمحال المسموح لها بإعادة الفتح، قبل غيرها، بحسب كل بلد: معارض السيارات، صالونات التجميل وتصفيف الشعر، محلات الأزهار، المكتبات، ومتاجر الدراجات الهوائية ومستلزماتها. كأنه تصنيف "مايكرو" جديد للنمط الاقتصادي، ومعه الثقافي. أو كأن الدولة تتوقع خروجنا من بيوتنا مثل أهل الكهف، شعر كثيف وأظافر طويلة، أدمغة معطّلة وروائح عطنة.

لكن الآلاف، وربما عشرات آلاف العائلات، في أوروبا على الأقل، تفضل كهوفها على سهول كورونا ومُدُنه، تقرر أن تبقي الأولاد في البيت رغم إعادة فتح المدارس. البيت ملعب جهنمي، ومدرسة تجريبية، ومختبر البالغين، قبل الأكل أو بعده، في موعد النوم أو لحظة الاستيقاظ... لا فرق كبيراً في كل يوم ممتد أمام الهامستر في دولابه داخل قفصه.

الثور يُفلت قرنيه
رغم كل الإجراءات التي نتخذها لنمسك الثور من قرنيه، فقدنا السيطرة تماماً، فقدنا ما تبقى لنا من حرية، من إحساسنا بما هو طبيعي، بديهي، عفوي، عادي.

الدراسات التي أجريت بُعَيد أوبئة سارس وإيبولا وانفلونزا الخنازير، أضاءت على شعور كونيّ تقريباً بالقلق المزمن والاكتئاب والغضب، وإن برزت بموازاته سلوكيات لاستعادة التحكم والقرارات الذاتية. فعمل الناس على عاداتهم الغذائية ومعايير النظافة البيتية والشخصية، وصاروا أكثر انخراطاً في الشأن العام ولو فقط من باب متابعة الأخبار.

في خلال الحصار، من سراييفو إلى الزبداني، يطوّر أهالي المدن حسّاً مختلفاً بالمكان والمساحة، لتفادي إطلاق النار والقنابل وتمرير العيش يوماً بيوم، حافظوا على تلك المهارات لسنوات، وربما يكتنزونها مدى الحياة. وكذلك ارتداء الأقنعة الواقية في المجتمعات التي تفشى فيها "SARS" و"MERS"، فبقيت العادة في مواجهة حتى الرشح العادي. وعندما، بل إذا ما تحققت سيطرة فعلية على كورونا، ستظل النقزة من الغرباء والتجمعات لسنوات، ومعها بعض سلوكيات التضامن على مستوى الجماعات الصغرى (العائلة، الجيران، الحي..)، لكنها الأدوات التي تشحذها غريزة البقاء، أكثر منها بوادر حسن جوار ومحبة غير مشروطة.

في البداية، تمزق كثر بين مقاومة الواقع الجديد، وبين التأقلم معه. في البداية، وربما حتى الآن، كثر هم الذين صارعوا ويصارعون لحفظ شيء من عادياتهم، كالمداومة على ارتياد مكتب شبه خاوٍ، والمشي في الشارع مع كلب أو طفل أو حتى فرادى، على إيقاع عدّ الأيام لعودة الحياة التي كانت منذ دهر.. أي منذ نحو شهرين أو ثلاثة. لكن التحرر الحقيقي، يقول علماء النفس، لن يتحقق إلا بقبول الحقيقة التي يصعب قبولها في زمن السّلم الصحي. علينا أن نسلّم بأن الفرد منا سيطرته محدودة على قوى حياته التي تحميها وتهددها في آن واحد.

المؤامرة.. من أجل المعنى
نظريات المؤامرة، التي تفشت منذ اللحظة الأولى، ولا تزال منصات الإعلام المحترمة ووشبكات التواصل الاجتماعية تكافحها، ليس عبثاً وقوعها على جمهور عريض. فهي تمدّ الناس بإحساس ما بالسيطرة، بالمعنى، بأننا إزاء أشرار من لحم ودم، نراهم ونسمعهم، لهم وجوه وأجساد، ويمكننا لمسهم وشَتمِهم. وأننا، باطلاعنا على "الحقيقة" التي "لا يريدوننا أن نعرف"، نمسي أقوى بشكل ما، فنرتاح، ونطفو على سطح النكران. وللمؤامرة ترتاح حكومات أيضاً، إذ تغطي بها بعض فشلها وتقصيرها، وإن استعر الثمن كارثياً في مقابل استغناء من يصدقونها عن الكمامات، وعدم احترامهم للتباعد الاجتماعي. والنتيجة أن منظمة الصحة العالمية، وفي خضم تشخيصها للوباء ومن ثم الجائحة، وجدت الوقت والاختصاص للتحذير من وباء معلوماتي infodemic. فصحيح أن هذه ليست الجائحة الأولى من نوعها في العالم وتاريخ البشرية، لكنها الأولى في عصر الاتصال الكثيف والرشق اللانهائي بالمعلومات، غثها وسمينها، الدقيقة والمضللة والزائفة.

العنف الأسري، والإرهاب الحميم، وفائض استهلاك الكحول.. عناوين تقترن بـ"فوائد كورونا" على مستوى لُحمَة العائلة والعودة إلى نشاطات أُسرية كان إيقاع الحياة السريع قد بدأ يطويها في النسيان، كالطبخ سوية واللعب، اختراع منزلي لما يتعذر شراؤه من سلع، وإعادة ترتيب خزائن الذكريات.

نحن القطعان
الاستبداد يطل من شرفات قصور الحكم، بعد عمليات تجميل متفاوتة النجاح والجذرية. حرية الفرد محاصرة بالمسؤولية العامة والخاصة. تطبيقات التعقب وقبضة السلطة على يوميات مواطنيها فاقت أسوأ كوابيس جورج أورويل الذي لاكته المقالات حتى الموت.. ضجراً. وفي الجهة النقيض، الذي ليس نقيضاً بالمرة، يعود النشاط السياسي، بعدما أطفأت الحكومات بأمر من "كوفيد-19" محركات الاقتصاد والعيش والقدرة على تخطيط المستقبل أو حتى الحلم به. شباب 17 تشرين في لبنان رأوا في "كوفيد" ما هو ألطف بكثير من السلطة ومصارفها وصرّافيها، فعاودوا خروجهم إلى الشارع. وفي التشيلي عكس المتظاهرون صور تجمعاتهم على الجدران، وبدلاً من تحية الطواقم الطبية، قرعوا الطناجر في الشرفات للمطالبة بإطلاق المعتقلين. وسجون السلفادور ومصر قنابل موقوتة. الهند، هونغ كونغ، الجزائر.. كرّ وفرّ. وهناك الوجه الشعبوي للتظاهرات، كما في ولايات تطالب برفع الحظر قبل الأوان. السلطات تستغل الخوف والمرض لتفرض سطوتها، لكنها أيضاً تخسر في السياسة، والسياسة عائدة، ولو بعد حين، بل تراكم الآن "داتا" مستجدة، كالفيروس تماماً، ولعلنا سنرى مع ترامب قبل غيره.

وتنفجر أسئلة الاقتصاد والسياحة والمدارس.. في فرنسا، وبحسب استفتاء أجري مؤخراً، أكثر من نصف السكان لا ثقة لديه في إجراءات الحكومة لرفع الحجر. لكن أي الدول يتربع على عرش المصداقية في نظر شعبه؟ روسيا والصين. حرية التعبير والشفافية تبقى غالية، أثيرة، وإن تمظهرت راهناً، أكثر ما تمظهرت، في التشكيك والشكوى.

وما الذي يجب إنقاذه أولاً؟ اقتصادات تنزف مئات المليارات؟ أم الأنظمة الصحية التي تنوء تحت ضغط غير مسبوق؟ حيوات المواطنين أم خصوصيتهم؟ الأمن القومي الصحي، أم الديموقراطية؟ مؤسسات دولتية كثيرة حول العالم، تأخذ خطوة للوراء، تاركة للأفرد اتخاذ القرارات/المجازفات في ما يخص إرسال الأولاد إلى المدارس أو العودة إلى أماكن العمل. واحدنا يتحمل المسؤولية بمفرده، إن قصد حلاقاً، أو دخل مكتبة. هذه شروط تنفيس الطوارئ الصحية، وأقصى آمالنا في مناعة القطيع. صرنا قطعاناً، بل هذا طموحنا، فيما يفكر كلٌّ منا في ما خسر من ذاته.


تظاهرات التشيلي.. صور عُكست على جدران البيوت


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب