آخر تحديث:13:04(بيروت)
الخميس 07/05/2020
share

إيتيل عدنان: معرض، كتاب، إيميلات.. ونجاح متأخر

حسن الساحلي | الخميس 07/05/2020
شارك المقال :
  • إيتيل عدنان: معرض، كتاب، إيميلات.. ونجاح متأخر
    من معرضها الجديد في غاليري صفير زملر
  • من المعرض الجديد
    من المعرض الجديد
  • ايتيل عدنان
    ايتيل عدنان
لا يمر شهر بلا معرض أو مزاد يضم أعمالاً للبنانية الأميركية إيتيل عدنان. حتى بعد إغلاق الأمكنة العامة بسبب كورونا، استمرت المعارض والمزادات بشكل إفتراضي (من بينها معرض: "Etel Adnan: Planètes"  - غاليري  Lelong & Co.⁠ في باريس)، كما لم يتوقف صدور الكتب التي تتمحور حول تجربتها الفنية. 


قالت إيتيل عدنان مرة إن الإحتفاء بأعمالها شعور جميل بلا شك، لكن من المحزن أنه يأتي اليوم وليس قبل عشرين عاماً. والحال أنه من الصعب أن نحدد متى بدأ الاهتمام بأعمال إيتيل عدنان. حين تعرفت القيّمة على المتاحف، كارولين كريستوف – باكار غييف، على رسوم إيتيل، كان هناك احتفاء بأعمالها في معرض صفير – زملر غاليري، ثم دعتها كارولين للمشاركة في المعرض الفني العالمي السنوي "دوكيومينتا 13" في حزيران/يونيو 2012، وتوالت النشاطات حولها بكثافة، وكُتب في أحد كتالوغات التعريف بها "ليس مستغرباً أن تستمر مناسبات الاحتفاء بأعمال عدنان بعد أكثر من 60 عاماً من الإبداع في ثلاث قارات. فقد ترعرعتْ في بيت لبناني لأب سوري وأمّ يونانية، ودرست في مدارس فرنسية، وفي منتصف الخمسينيات انتقلت إلى الولايات المتحدة من فرنسا التي كانت بمثابة بيت ثانٍ لها"...

تبلغ إيتيل عدنان اليوم 95 عاماً وقد بدأت شهرتها كفنانة تشكيلية وهي في السابعة والثمانين. رغم روحها الشابة وإنتاجها الفني المستمر، إلا أنها منذ سنوات غير قادرة على القيام بجميع النشاطات، وقد أجبرت على الإنتقال إلى باريس بسبب عدم قدرتها على السفر الدائم (بعد قضائها اكثر من نصف قرن في كاليفورنيا). ومنذ بداية أزمة فيروس كورونا، هي منعزلة في منزلها (مع شريكتها الناشرة والفنانة السورية سيمون فتال) كما أي شخص في عمرها، من دون القدرة على التواصل مع اصدقائها الذين لطالما عوضوا عدم قدرتها على الحركة بحرية.

عُرفت عدنان كروائية وشاعرة في الأوساط الأكاديمية الأميركية، منذ الثمانينات، وحازت أعمالها موقعاً خاصاً ضمن الأدب المترجم، إلى جانب أعمال أخرى صدرت عن دار النشر المؤثرة رغم صغرها "بوست آبولو بريس". لكن عدنان الفنانة، بقيت غير معروفة (سوى في الدوائر الصغيرة) حتى العام 2012 حين اختيرت كأحد وجوه النسخة الثالثة عشرة من "دوكيمنتا" وهو أحد أعرق المعارض في عالم الفن المعاصر (ينظم كل 5 سنوات في ألمانيا). عرضت عدنان يومها عشرات اللوحات والأعمال الفنية من مسيرتها، إلى جانب فنانين مكرسين حول العالم (عرضت أيضاً فيلماً من إخراجها وكتابات خصصت للمعرض).


منذ تلك اللحظة، ازداد إقبال الغاليريهات والمتاحف على استضافتها بشكل دوري، كما ازداد حجم الكتابات النقدية والأبحاث الأكاديمية المخصصة لممارساتها الفنية المتنوعة.

يضع كثيرون هذا الإعتراف المتأخر بعدنان، ضمن مسار أكبر في الولايات المتحدة وأوروبا، هدفه تعديل تاريخ الفن الحديث أو توسعة حدوده، عبر الإعتراف بالـ"حداثة متعددة الأقطاب" التي تضم الفنانين القادمين من آسيا وأميركا الجنوبية وأفريقيا، بالإضافة إلى النساء اللواتي تعرضن للتهميش ولم يعترف بهن "التاريخ الرسمي للفن". 

غالباً ما تُقدّم عدنان في المعارض بصفتها فنانة متعددة الثقافات، وهي هوية متناسبة بالطبع مع منطق الفن المعاصر الذي يحاول بشكل دائم فتح أسواق جديدة له خارج العالم الغربي، كما أنها تٌقَدم بصفتها فنانة أنثى، وهي قالت مرة إن الإحتفاء بها كان جزءاً من موضة الإعتراف بالفنانات النساء في آخر عمرهن، كما حصل على سبيل المثال مع الأميركية آغنيس مارتن  التي تعتبر ملهمة شخصية لها.  

في لبنان تنتمي عدنان أيضاً إلى مجموعة من النساء المتمتعات بحضور بارز، مثل سلوى روضة شقير وهاغيت كالاند، وكلهن ينتمي إلى جيل ما قبل الحرب وغلب على أسلوبهن التجريد ذو الميل التجريبي.

من ناحية أخرى، لا يمكن إنكار فضل غاليري "صفير – زملر" في نجاح إيتيل عدنان المتأخر. تعتبر الغاليري من المنصات ذات التوجه النخبوي (البحثي ومتعدد الوسائط) والتجاري في آن. وقد تعرف كريستوف بكارغييف، مدير معرض "دوكيمنتا 13"، على أعمال الفنانة في معرض نظمه الغاليري العام 2010 ضم أعمالاً (إن كان من دفاتر ليبوريلو أو القماش) من مسيرتها الطويلة، وركز على الجانب الأدبي والشعري من اشتغالها الفني.

بلا شك، أثّرت شخصية عدنان الأدبية في طريقة تلقي لوحاتها البسيطة، والتي يظن أي شخص أن في إمكانه رسم مثلها، وساهمت في نسج صورة اكثر جاذبية ونخبوية لها بشكل عام. غالباً ما تُحمَّل أعمال الفنانة معانٍ رمزية أكثر تعقيداً مما تحمله، رغم بساطتها الفائقة، كما توضع ضمن السياقات السياسية والإنسانية التي انتجت رواياتها وقصائدها.

يظن البعض أنه من خلال قراءة إيتيل، الروائية أو الشاعرة، يمكن الوصول إلى فهم أكبر لإيتيل الفنانة، بينما الواقع يثبت عكس ذلك، والمقارنة بين الشخصيتين تظهر حقيقة تناقضاتها الإنفصامية. تبدو شخصية إيتيل الفنانة، سلبية، هادئة ونقية حد القداسة أحياناً، بينما إيتيل الأديبة فاعلة سياسياً وعنيفة ومأزومة.
 

تجدر الإشارة إلى أن بعض الوسائط التي تلجأ إليها عدنان، تستعمل الشعر والرسم في الوقت نفسه، مثل دفاتر ليبوريلو "التي تستعمل الخط العربي أحياناً أو أعمال القماش التي تبدو فيها كأنها ترسم الكلمات عوضاً عن كتابتها. لكن التناقض بين الكتابة والفن التشكيلي لا يظهر ضمن هذه الوسائط، بما أن تعامُل عدنان مع الكتابة هنا يبقى جزءاً من التجربة التشكيلية، وهي لفترة طويلة رسمت الكلمات العربية من دون أن تفهم معانيها. 

في كل حال، تبقى هذه الممارسة محصورة في الشعر الحر الذي تراه إيتيل أقرب إلى الرسم، ويقاسمه قدرته في التعبير عن اللاوعي الذاتي، على عكس الرواية التي تبقى أقرب إلى السياق الإجتماعي الذي تعيش فيه. 

اليوم، وبعد عشر سنوات على معرضها في غاليري "صفير – زملر"، تعيد الغاليري التجربة نفسها (تم تأجيل المعرض حتى 30 أيار) لكن بمجموعة غالبيتها من الأعمال التي صنعتها إيتيل خلال السنوات العشر الأخيرة. في الصور المنشورة في موقع الغاليري، تظهر الأعمال المتنوعة بين لوحات زيتية ومائية، دفاتر "أكورديون" مُلئت بالكتابات والرسوم، ويبدو مفاجئاً وجود أعمال ضخمة، على عكس المعتاد، من بينها لوحة تبدو مرسومة بألوان الشمع أو الخشب التي يستعملها الأطفال، كأن طفلاً ضخماً قام بتنفيذها (لوحات عدنان غالباً صغيرة الحجم وتنهيها في جلسة واحدة)، من دون أن تبتعد عن أسلوبها التركيبي الذي يضع الألوان في بلوكات منفصلة عن بعضها البعض ومن دون خلط. طبعاً، الاختلاف الأساس في هذا العمل وأعمال أخرى، هو استعمال مواد أخرى لا تسمح بالنقاء نفسه الذي اعتدناه في أعمالها الزيتية التي تستعمل فيها السكين عوضاً عن الريشة.

يُذكر أن عدنان أصدرت، منذ أيام، كتاباً بالتعاون مع الفنانة الأميركية لين ماري كوربي، تحت عنوان Oracular Transmissions (مع دار النشرX Artist Books المخصصة للكتب الفنية في لوس أنجليس). قُسّم الكتاب إلى أجزاء ثلاثة، أحدها يحوي رسائل إيميل تبادلتها الفنانتان العام 2015 (نشر موقع "هايبرآليرجيك" جزءاً من الرسائل). تحوي الرسائل نَفَساً شعرياً واضحاً، إذ تتطرق إلى الجوانب الفلسفية من فن العمارة الإسلامية وأساليب التخطيط والرسم التي اتبعت في بناء غرف قصر الحمراء في إسبانيا وشبكاته المائية، لكن بأسلوب متناهي الذاتية، يمزج السياقات التاريخية بسياقات عيش الفنانتين اليوم (علماً أن إيتيل كانت قد اشتغلت سابقاً على فن الخط العربي وهي صاحبة تأثير في المجال).

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها