آخر تحديث:10:09(بيروت)
الأحد 31/05/2020
share

ایران التي تشبه الزعفران

أسعد قطّان | الأحد 31/05/2020
شارك المقال :
ایران التي تشبه الزعفران غولستان
كانت الفتاة ذات الوجه البيضاويّ تنتظرنا في بهو الفندق بألوانه المعدنيّة الداكنة. راح بعضنا يتأفّف من بطء الإنترنت، الذي يمنعك من مشاهدة الأفلام. ولكنّ الوجه الأنثويّ المشتعل بضياء لم يحجبه الحجاب الأزرق كان وعداً بطهران مضيئة.

قصر غولستان أولى محطّاتنا. هنا يغنّي الحجر المغناج مع بواسق الأشجار التي لم يُفقدها الخريف ذرّةً واحدةً من غنجها. تأتي إليك ألوان الفسيفساء مصطرخةً عبر أشكال حلزونيّة وإهليليجيّة، فتدرك كم أنّ الإبهام التشكيليّ صاغ الذوق الإنسانيّ في هذا الشرق قبل أن تكتشف أوروبّا التكعيبيّةَ والسورياليّةَ بزمن طويل. هنا كان شاه إيران يُولم للذين «استعمروا» بلاده و«سرقوا» ثرواتها. إذا كان الجمال هو مقياس الحضارة، فلا بدّ لك من أن تسائل نفسك من الذي استعمر الآخر.

من غولستان إلى المعهد الجامعيّ الذي كانت لنا فيه خلال اليومين الماضيين أويقات علميّة تزخر بالحوار مع الأساتذة والطلبة، الذين يغلب عليهم العنصر الأنثويّ. يعود هذا الصرح الفلسفيّ إلى ما قبل الثورة الإسلاميّة، ويشكّل ضرباً من معهد للدراسات العليا يستطيع الطلاّب فيه كتابة الدكتوراه في استقلال عن المنهج التقليديّ المعتمد في جامعة طهران. بعض الطالبات يتكلّمن بإنكليزيّة تذكّرك بأعرق جامعات تلك البلاد. يطرحن أسئلةً عن المناهج في جامعات ألمانيا، عن الأفكار الجديدة التي يتطارحها الأكاديميّون هناك في علوم الأديان، ولا سيّما في مجال الحوار الإسلاميّ المسيحيّ. ثمّة إطراءات خفيّة تشعر بها خلسةً لما هم عليه الأساتذة القادمون من ألمانيا وهولندا من «ديمقراطيّة» في التعاطي مع الطلبة. وثمّة بالمقابل رغبة في التعرّف إلى الاتّجاهات الفلسفيّة التي تشغل الأساتذة الإيرانيّين في هذا المعهد، وأبرزها إشكاليّة العلاقة بين الدين والفلسفة، أو بين الشريعة والحكمة كما كان يقول ابن رشد. كلّ هذا يخالطه قلق ترصده في وجوه البعض من سيطرة الدين على العقل، ومن الرقابة التي تمارسها المُؤَسّسة الدينيّة على حرّيّة الفكر. أحدهم خلال افتتاح اليوم الدراسيّ الثاني انتقد بخفر النظريّات التي يروّج لها بعضهم عن وجود رياضيّات إسلاميّة وفيزياء إسلاميّة واقتصاد إسلاميّ. ولكنّ كلامه لم يرق لأحد الشيوخ الدينيّين الحاضرين، فأوعز إليه بضرورة الاختصار. بعد غولستان، لقاء قصير مع الأساتذة والطلبة والتقاط لصور تذكاريّة.

تصطحب الفتاة ذات المحيّا البيضاويّ حفنةً منّا إلى دارة عائلتها الطهرانيّة. الوالد تاجر توابل معروف. تبدو غرفة الاستقبال عنواناً لبحبوحة توارثتها العائلة جيلاً بعد جيل. فضلاً عن الفارسيّات التي يغلب عليها اللون الأحمر، تتناثر هنا وهناك بسط بدويّة ينمّ تداخل ألوانها عن ذوق رفيع. يُدعى الجميع إلى افتراش الأرض وتناول الشاي. تحفر فيك الضيافة الإيرانيّة حفراً عميقاً. هذا شعب مفطور على عراقة التاريخ، على المجاز والمتخيّل والذهب المنثور في رباعيّات الخيّام ومثنويّات حافظ، وهو مفطور أيضاً على الضيافة الغامرة بلا تكلّف أو مغالاة. يتخطّى الوالد صمته. هل قالت له الفتاة البيضاويّة الوجه إنّ بعضاً منّا أصدقاؤها، وإنّه يستطيع أن يثق بنا؟

«إيران بلد فيه الكثير من العقل، ولكن ينقصه بعض من حرّيّة لكي يستطيع العقل أن يتفجّر من رحم الحرّيّة»، هذه كانت كلماته الأولى. بدا متديّناً. استذكر بعض المتصوّفة الشيعة وقال إنّه من المستحيل فهم ما يعتمل في الذات الإيرانيّة من دون التصوّف. والتصوّف يستحضر الموسيقى، ويستحضر الرمز الذي هو أرقى تجلّيات المعنى، ويستحضر الإمعان في طلب المطلق. ولكنّ هذا كلّه لا علاقة له بالتديّن الذي يحكم البلد اليوم. فالتدخّل المفرط في تفاصيل حياة الناس يقلّل من قداسة الحياة ولا يزيد على الدين شيئاً. «إيران اليوم مثل الزعفران، تصطبغ بلون الدين الممتزج بالسلطة، ولكنّها تختزن في ذاتها لوناً آخر، لوناً أكثر صفاءً، وربّما يصبح ذات يوم أكثر التماعاً وتوهّجاً».

عدتُ إلى الفندق وأنا أسترجع كلماته الأخيرة. كانت الحدائق تتوشّح بالمساء، والناس تدخل إلى جحورها الليليّة كي تستعيد بعضاً من أنشودة الحياة.





شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها