آخر تحديث:11:28(بيروت)
الأحد 03/05/2020
share

إبداعات كورونا.. الصيد السهل وردود الفعل

شريف الشافعي | الأحد 03/05/2020
شارك المقال :
إبداعات كورونا.. الصيد السهل وردود الفعل ماذا جرى للأرض - الفنان محمد عبلة
 
لا ينبغي أن يقود التعميم إلى تعسف يقضي برفض أية فكرة من بابها، فيُرفض مثلًا "أدب الثورة" برمته، الذي صاحب ميلاد الربيع العربي منذ قرابة عشر سنوات، كون نماذجه الأعمّ تمسّحت بالثورية الظاهرية بمعنى القول والطنين والزعيق والدعوة إلى فعل التمرد لا ممارسة هذا التمرد وتلك الثورية فعليًّا داخل نسيج هذا الأدب. فبالرغم من أن أغلبية المواد المنسوبة إلى هذا الأدب قد مضت في الاتجاه الخاطئ الهش محاولة التحليق بأجنحة غير فنية سرعان ما طرحت هذه الإبداعات أرضًا بمجرد انطفاء لهيب الظاهرة، فإن عيون الإنصاف ترى استثناءات متوهجة تحت عنوان "ثورة الأدب"، بعد تبديل موضع الكلمتين.

هذا العنوان الآخر، اندرجت تحته معانٍ مختلفة، منها: كينونة الانفلات وصيرورته العملية، وتحقُّق ماهيّات الخلخلة والقلقلة والرفض والتجاوز وتحريك المستقر وهدم قداسة المعابد البالية وقوانين السلطات الفاسدة، واكتمال جوهر "استبدال الواقع الموروث الجاثم على الصدور بآخر أفضل" داخل اللعبة الإبداعية نفسها، بما يؤدي إلى التأثير الإيجابي في حركة الحياة المعيشة وتفاصيلها الاعتيادية، بالتوازي مع تأجج الميدان أو حتى قبل مرحلة حراك الشارع وتفجراته النابضة أصلًا.

منصة الإبداع الحقيقي الرائد هي دائمًا مرهونة بالطليعية والأسبقية، ليس فقط في قراءة الواقع وفهمه بعمق وتحليله باصطبار، وإنما أحيانًا بتوقع مستجداته وخطواته المستقبلية واستشراف بدائل هذا الواقع، المرجوّة أو حتى المفروضة القادمة لا محالة، مع إمكانية صياغة واقع أو أكثر من واقع محتمل جديد، وخلق هذه الفضاءات كلها وفق نبوءات تخييلية وفنية مدهشة ومقنعة في آن. والإبداع في هذه الحالة المتفوقة جدًّا هو أقصى درجات الفعل المرهف بحساسيته وأدواته وقرون استشعاره الحسية والحدسية معًا، وهو بالضرورة أبعد ما يكون عن التسجيل الفوتوغرافي وترصُّد الظواهر والالتقاط السهل المجاني عن أسطح ردود الفعل.

من هنا، فإن الصدر الرحب قد لا يضيق عن إرهاصات وطفرات إبداعية تعاطت فنيًّا وجماليًّا وفلسفيًّا، قبل ظهور فيروس كورونا المستجدّ حتى، مع المسرح الكوني بعد العولمي، وذلك حال مجيء الطوفان التسونامي، أو اكتساح الأوبئة، أو حلول الروبوتات محل البشر أو تغيير الطبيعة جلدها وسكّانها، وكيف ستتبدل كل المنظومات وتتداعى كل النظريات والمفاهيم والأولويات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، على نحو غير بعيد عما يناقشه المنظّرون في اللحظة الراهنة، بل إنهم في مساجلاتهم الحالية تبدو عيونهم غير غافلة عن أطروحات الآداب والفنون والفلسفة والخيال العلمي، السابقة للأحداث الجارية، والتي من فرط مصداقيتها في الطرح الفانتازي أحالت البعض إلى تفسير ما يدور على الأرض وفق معطيات التآمر الفوقي والتخطيط المسبق.

هذا ما يليق حقًّا بالإبداع، وحُسن الظن به، كعملية إنسانية رفيعة المدركات والمعارف والتخييلات والاستبطانات، شاهقة النتائج حتى سابع سماء. أما تلك الهوجات المتناثرة هنا وهناك، تحت مسمّى "إبداعات كورونا"، خصوصًا في الشعر والتشكيل والقصة القصيرة، وأخيرًا في المسرح، وعما قريب في روايات "كورونية" كما أعلن البعض، فلا تكاد تتجاوز في محصلتها انعكاسات الجائحة العالمية الكبرى على المبدعين العرب، كذوات فردية، وتأثراتهم اللحظية بتداعيتها، وانزلاقهم المباغت؛ العفوي أو المصنوع، في التعبير عنها.

هذا السيل من الأعمال، وإن بدا جارفًا وملائمًا للآلة الإعلامية والتسويقية، لا يعني نشوء تيار، ولا أن تيارًا كان موجودًا بالفعل وراح يطور أبجدياته، وإنما هي جُملة نثارات وفيوضات تحسستْ التقاط روافد الفن ومنابعه من تلك الأدراج القريبة والأرفف الجاهزة والظرف الطارئ المثير. وإحقاقًا للحق، فإن النسبة الأكبر من هذه النماذج ربما تكون قد تفجرت بغير هدف سوى تفريغ حمولة الذات بأمانة وبراءة، ليس إلا، لكن الأمر لم يسلم من تنظيرات ملتوية وتعقيدات مُغرضة حول ملامح الأدب الكوروني والإبداع الكوروني والجماليات والفنيات والرؤى الكورونية، بما يشير إلى أن نوافذ المبالغات والتدليس والتلفيق هي أيضًا غير موصدة تمامًا إزاء الظاهرة الوليدة الجديرة بالمتابعة.

لا يتطلب المجال التوسع في انتقاء عيّنات من هذه الإبداعات، ولا فائدة حتى من تسمية مؤلفيها، كونهم لم يتحدثوا عن ذواتهم كأصحاب نظرية في حقيقة الأمر، فهذا الادّعاء انطلق أصلًا من حقل النقد، الذي بلغ مداه في توصيف الإبداع الكوروني، بل "ما بعد الكوروني" كذلك!، وإن كان هذا الشطط النقدي قد لقي هوى بعد ذلك من جانب فريق من هؤلاء المبدعين. 
لم تخرج السمات المشار إليها كمعالم للإبداع الكوروني عن تعميمات وخطوط عريضة انطبقت من قبل على ما يسمى بأدبيات نهاية العالم، والفجائع، والأوبئة، والهزائم والانهيارات الكبرى، خصوصًا في أعقاب الحرب العالمية، وقد تماست هذه الأدبيات بدورها مع الوجودية والواقعية السحرية والخيال العلمي وتيارات متشعبة. إن تهويمات نقاد الإبداع الكوروني دارت كلية في هذه المدارات، وداخل تلك الدوائر الأخرى المعروفة من العبثية والعدمية والمجهول وإشباع وحش الموت (قاهر الأمن البيولوجي) من عصارات العجز الإنساني والخواء والخراب والكوارث والخسائر المحيطة، من دون أن تشكل معايير مستجدة "كتسمية الفيروس" قائمة بذاتها لمذهب مغاير.


المدهش كذلك أن التنظيرات النقدية المكررة (المعدة سلفًا) قد أغفلت بغرابة النقاط الوحيدة اللافتة في روح هذه الإبداعات الجديدة، ومنها: البوح التأملي التعمقي المرتبط بالعزلة، وإعادة اكتشاف الذات والآخر، والتعبير عن طبيعة العالم الذي صار التواصل فيه عن بُعد، والافتراض أكثر من الحقيقة، والصغير أشرس من الكبير، والمتشرنق أأمن من المنفتح، وترتيب أولويات الدول والشعوب والقوى الخشنة والناعمة وفق مقتضيات مختلفة (التعاون مثلًا ضد عدو مشترك أهم حاليًا من الفرقة والنزاعات السابقة)، وما إلى هذه "الومضات" المعبرة عن انفعالات وأفكار وتساؤلات مبتسرة، نابعة بالفعل من قلب الحدث، ولكنها لا تصنع مدرسة كاملة بالتأكيد، أو أن الوقت الكافي لم يحن بعد لامتحانها.

بقيت في النهاية إشارات خاطفة إلى عدد من هذه الالتفاتات الإبداعية الممسوسة بكورونا، وفي بعضها تلك الشذرات الجزئية اللمّاحة، فيما وقف بعضها على أرضية بالغة الضحالة، مفتقدًا حتى التساؤلات والأفكار والانفعالات اللحظية الدالة. وفي الحالتين؛ لم تقدم هذه الأعمال، ولا تلك، تيارًا يدعى "إبداعات كورونا".

في فضاء التشكيل، على سبيل المثال، أفرزت تأملات الفنان محمد عبلة مجموعة تماثيل بعنوان "ماذا جرى للأرض"، تطابق فيها الخواء الإنساني ومثيله الأرضي، وأعلنت طُرُقُ العلم احتياجها إلى مسالك أخرى روحانية ودينية، وتضاءلت قوة الصناعة أمام قدرة الطبيعة، وهي أعمال غنية بالتساؤلات القيّمة الدالّة. والمعادل الفكاهي، الهزلي، لتلك التساؤلات، تحقق في رسوم كاريكاتيرية كثيرة، منها عمل الفنان فوزي مرسي "خليك بالبيت" (شعار المرحلة)، حيث يتبادل الإنسان وظله الأدوار في الحياة، التي يختلط فيها الواقعي والافتراضي. 
وجاءت السيولة الأكبر في حقول الكتابة، خصوصًا الشعر بكل أشكاله، بالفصحى والعامية، وصولًا إلى قصيدة النثر، ذروة هشاشة الكائن الآدمي المتفتت، ومن نماذجها الموحية قصيدة المصرية فاطمة وهيدي "مشاعر موبوءة"، العاجّة بإفضاءات الوحدة "لم تأخذني شفقة، بالرجُل الشهواني، الذي عافَ امرأته، المحبوسة في الحَجْرِ، فلم يجد سوى وحدته، راح يلتهمها، حتى مات مصابا بالتخمة!". فيما كتب العراقي مازن معموري صراحة عن الأب البالغ من العمر سبعين سنة، الذي مات بفيروس كورونا، و"ليسَ هناكَ مَنْ يقبلُ تغسيلهُ قبلَ الدفن"، ليصل إلى أن "الفيروس زمنٌ يموتُ ببطء". وفي حضرة "زمن الكورونا" أيضًا، انتبه السوري الكردي حسين حبش إلى أمور كثيرة في هذا العالم، منها: "أن جاري الألماني الستيني يدخن على الشرفة/ ابتسم لي وابتسمت له/ لم نكن نفعل ذلك من قبل".

في السياق ذاته، أثارت قصص قصيرة تساؤلات وأفكارًا مشابهة، منها قصة عبد الرحيم كمال عن صراعات الوحدة وحالات الشيزوفرانيا التي بدأت تنتاب الإنسان المعدل في فراغه، وقصة مهدي قاسم عن عودة الحب المنزلي العارم بفعل شروط الحظر، وقصة فادية كوري حول "هلاوس معزول" يتأمل الحرب الدائرة بين الكرة الأرضية النقية والبشر الملوثين. 

وبإعلان كُتّاب مسرحيين وروائيين عرب عن أعمال "أكثر طولًا بالتأكيد"، منسجمة مع اللحظة الكورونية التي لا تزال هي نفسها قصيرة، ازدادت المخاوف بالفعل على ذلك الجوهر الإبداعي الثمين، الذي قد يستسهل البعض إهداره إلى هذه الدرجة، فيصير في الأوقات الحرجة مجرد صدى طفيلي باهت للأمر المدوّي الجلل، حيث لم تكتمل بعد الفرصة الكافية للترقب والتأني والتعمق والرؤية الفنية الشاملة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها