آخر تحديث:12:42(بيروت)
الخميس 28/05/2020
share

عروض الـ"أونلاين".. الفن خاسراً في الشاشات الصغيرة

شريف الشافعي | الخميس 28/05/2020
شارك المقال :
عروض الـ"أونلاين".. الفن خاسراً في الشاشات الصغيرة فرقة رضا
يذهب الشطط إلى مداه الأقصى، والمغالاة إلى ذروتها، لدى أصحاب مبادرات "عروض الأونلاين" الفنية، والفعّاليات المنوّعة المبثوثة عن بُعد في المسرح والأوبرا والسينما والموسيقى والرقص الشعبي والنحت والتصوير وغيرها، بادّعائهم أن هناك فرصة ذهبية لإحداث إضافات نوعية؛ مضمونية وجمالية وتكنيكية، في هذه المجالات والألوان الإبداعية المختلفة تحت مظلة العُزلة الراهنة، وذلك بفضل إتاحتها للمتلقي في منزله بهذه الصيغ الإلكترونية الرقمية المستحدثة، "الملائمة للعصر"، على حد تعبيرهم.

أولى المغالطات في هذا الطرح الفج، أن غالبية هذه العروض التي جرى ضخها في قنوات اليوتيوب وصفحات السوشيال ميديا، منذ بدء أزمة كورونا وفرض العزل الصحي، هي في الأصل عروض جماهيرية صُمّمتْ ونُفّذت قبل الجائحة بشهور أو حتى بسنوات، وشاهدها الجمهور الطبيعي في القاعات والصالات "الحقيقية"، قبل إعادة نشرها افتراضيًّا، أي أن صُنّاعها أنفسهم لم يراهنوا على أي إضافات أو تغييرات نوعية بأي شكل من الأشكال عند إعداد هذه الأعمال، ولا حتى عند تصويرها بالكاميرات، ولم يأخذوا في اعتبارهم أصلًا آلية البث الإلكتروني وأبجدياتها المغايرة محل الحديث. ولا يكاد يُستثنى من ذلك التعميم، سوى بعض العروض البصرية القليلة، من نحت وتصوير وكاريكاتير، وعدد من ورش التمثيل، وحلقات فن الأراجوز، فهي التي صيغت مؤخرًا من أجل أن تظهر افتراضيًّا في عرضها الأول، وذلك على سبيل الاضطرار، ليس إلا، نظرًا للظروف الحالية.

ويتوالى سيل مغالطات أصحاب هذه المبادرات، سواء كانوا من موظفي وزارة الثقافة المصرية بقطاعاتها وهيئاتها المتعددة، أو من المسوّقين والمروّجين لنتاجات المؤسسات الأهلية والمستقلة والغاليريهات وغيرها من الكيانات الثقافية، الهادفة إلى الربح في معظم الأحوال، إلى جانب ما تقوم به من أدوار أخرى. ومن بين تلك المغالطات: الخلط المخادع بين تغير وسيلة عرض النمط الفني، وبين النمط نفسه، فيقال مثلًا إن هناك "مسرحًا إلكترونيًّا" أو "منحوتات افتراضية" أو "مونودراما عن بُعد" (عنوان أحد المهرجانات)، وكذلك الخلط بين مرحلة العُزلة "المؤقتة" وما سبقها وما سيعقبها من مراحل الحياة، ففي الأحوال الاعتيادية المألوفة لم تنشأ ولم تتطور في فضاء الرقمية سوى بعض الفنون والآداب والإبداعات الملائمة المبتكرة، التي تأسست كلية لكي تلائم هذه الوسائط الجديدة، وهي بالتأكيد ذات خصائص مختلفة تمامًا، وتعتمد على التفاعلية والتطبيقات والبرمجيات المتفوقة وإقامة حساسية إنسانية بينها وبين المتلقي، ولم تدخل هذه الفنون والثيمات الرقمية والإلكترونية في أية منافسة مع القوالب والأنساق التقليدية في مجالات الإبداع المعروفة.

من المغالطات البارزة أيضًا، تلميح أصحاب هذه المبادرات بإمكانية عقد مقارنات بين عروض الأونلاين الأخيرة والعروض الجماهيرية الطبيعية، قياسًا بمؤشرات أرقام المشاهدات والزيارات الافتراضية مثلًا. والحقيقة أن المقارنة هنا، طالما أن قوامها هو التعداد الكمي، فهي ينبغي أن تكون بين هذه العروض المبثوثة إلكترونيًّا، وبين الفراغ (البديل الحالي)، ففكرة هذه المبادرات جميعها في الأساس لم تكن المنافسة مع الفنون الأصلية بطبيعة الحال ومزاحمتها في ميدانها وإثبات تفوق ما عليها، وإنما الغاية التي جرى إهدارها هي أن تكون هذه العروض الافتراضية من دواعي تمضية وقت طيب تحت شعار "خليك في البيت"، من دون أن يفقد الجمهور همزة الوصل مع الفن الذي يحبه، وإلى أن تفتح الدنيا أبوابها مرة أخرى، وتواصل الفنون الحقيقية انطلاقها.

وبالالتفات إلى الحيّز المنطقي الضيّق، الذي يخص مبادرات "عروض الأونلاين"، وهو السعي إلى سد الفراغ القائم وتحريك المشهد الراكد فنيًّا وتجاريًّا قدر المستطاع، وتحقيق الترفيه والتسلية والمتعة والتخفيف عن المتلقي المعزول في منزله، إلى جانب مواصلة نشر رسائل التوعية والتنوير ومواجهة الأفكار الظلامية بإشعاعات الفن والإبداع، وما إلى ذلك من أهداف تبدو مقبولة نسبيًّا، فإن هناك خسائر كبيرة في المقابل على الصعيد الفني المجرّد، واضحة وضوح الشمس، يجب الاعتراف بها، في سائر الألوان الإبداعية، جرّاء بثها افتراضيًّا على هذا النحو المتعجّل وغير المدروس بالمرة.

لقد حجب الثوب الرقمي جماليات الفن وعناصره ومفرداته وأدواته وآلياته وشروطه الأصيلة، وقلّصت شاشات الحواسيب والموبايلات الصغيرة فضاءات الرؤية ومساحات الاستيعاب والتفكر والتخييل، فجاءت العروض في مجملها بمثابة هزيمة كاملة للإبداع بسبب أوعيتها الإلكترونية الباردة غير المناسبة، إلى درجة أن طالب البعض بتوقف بث هذه العروض تمامًا، على اعتبار أن التجمّد المؤقت لأي فن أفضل من تشويهه والإساءة إليه.

في المسرح مثلًا، ليس هناك أصدق من العبارة الأولية البسيطة "المسرح هو الجمهور"، فالعملية الفنية برمتها جوفاء بدون هذه العلاقة الحية المتبادلة مع الحضور "وجهًا لوجه"، ومقياس النجاح في الإبداع هو قدرة صُنّاع العمل على تطوير الأداء وتطويعه لامتلاك انتباه المتفرج والاشتغال المباشر على حواسّه ومدركاته على مدار العرض، إلى جانب الإفادة من رجع الصدى واتخاذ رد الفعل مؤشرًا للتجويد والانحرافات والارتجالات المبررة.
 

ومن البديهي كذلك أن الصناعة المسرحية العملاقة بكافة مفرداتها ومقوماتها وعلى رأسها العُلبة أو الخشبة أو المنصة والممثلون المتحركون والديكور والملابس وكشافات الإضاءة والتوزيعات الموسيقية ووسائل الإبهار المبتكرة من شاشات عرض وغيرها، تكاد تكون غائبة عن العروض الافتراضية الضيقة، التي يستحيل فيها متابعة هذه التفاصيل في آن واحد، كما يتعذر تقصي مهارات الممثلين وقدراتهم الخاصة في التعبير الجسدي والإيمائي والانفعالي، وتنتفي إمكانية الربط بين حركة أحدهم في موضع ما، وتحركات الآخرين في جوانب أخرى من المسرح.

في هذه العروض، لا يكاد يتبقى من المسرح سوى رسائله الصوتية الكلامية الواضحة، وتلك الصور الأفقية المسطحة المتحركة على الشاشة الصغيرة وفق معطيات الإخراج التليفزيوني، إلى جانب تشوهات إضافية تحدث بسبب تضاؤل مساحة الشاشة إلى أضيق الحدود حال المشاهدة على التابلت أو الموبايل، ووضع الكثير من اللوجوهات الدعائية والأيقونات على شريط العرض (اسم القناة، صاحب المبادرة، عنوان العمل، الخ). ومن هذه النماذج على سبيل المثال، مسرحية "هبوط اضطراري" للمخرج خالد جلال، التي جرى عرضها افتراضيًّا عبر قناة وزارة الثقافة المصرية، وكانت في الأساس إحدى المسرحيات المشاركة في دورة سابقة لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، كنتاج عمل ورشة الارتجال والتمثيل بمركز الإبداع الفني.


وتزداد الأمور ضحالة مع العروض الأوبرالية والموسيقية والراقصة، حيث تحجب الشاشات الصغيرة كل إمكانات متابعة الحركات والصور والأصوات المتداخلة، ولا يتبقى من العمل سوى بعض الإشارات أو الرموز الدالة عليه، أما جوهره فغائب تمامًا، إلى جانب عناصره الأساسية من إخراج وسينوغرافيا وتمثيل وإضاءة وموسيقى. ومن ذلك "أوبرا عايدة" الشهيرة لفرقة باليه أوبرا القاهرة، التي افتقرت في ثوبها الافتراضي إلى ملامح الهارموني والتراكيب الأدائية الجماعية بما فيها من تنويعات وتشابكات وتداخلات، رغم تحقيقها بضعة آلاف مشاهدة بمجرد بثها على قناة اليوتيوب، كما عانت مشكلات كثيرة إضافية بسبب التصوير السيئ وبُعد الكادرات وعدم التركيز على الممثلين وثبات وضعية الكاميرا طوال الوقت.

وكذلك الحال بالنسبة لعروض "فرقة رضا للفنون للشعبية"، رائدة الفلكلور المصري الصميم والاستعراضات التراثية الحركية على المسرح، التي فقدت الكثير من جاذبيتها وحيويتها بالبث الإلكتروني، وهي عروض جماهيرية خصيبة، تعبر بامتياز عن ثراء الحياة وتنوعها في الأقاليم والمحافظات المصرية، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا. 


وبالنسبة للفنون البصرية والتشكيلية المتنوعة، فهل يمكن استقبال العروض المتحفية المجسّمة أو استشفاف جماليات النحت على سبيل المثال، بدون قراءة تفاصيل الكتلة في علاقتها بالفراغ المحيط بها؟ وهل تكفي هذه الصور الفوتوغرافية، المسطحة البعيدة، أو حتى الفيديوية المتحركة، لمنح المتلقي دلالات الخامة وسحرها وعمقها ورائحتها؟ إن أي تصور لغاليري إلكتروني يضم قطعًا نحتية وأعمالًا ثلاثية الأبعاد هو محكوم عليه بالقصور النسبي، مهما تفوقت جودة الصور وآليات نقلها، ومهما علا سقف طموح التخيلات.

لقد انطلقت في الفضاء الافتراضي معارض متعددة، منها على سبيل المثال معرض جماعي خاص للنحّاتات المصريات الشابّات عبر إحدى صفحات السوشيال ميديا، لكن هذه الفعاليات وإن كانت قد حققت بعض أهدافها بتوفير زيارات آمنة للجمهور، وإتاحة المجال لإنعاش الحركة التشكيلية المتوقفة، وترويج الأعمال وتسويقها تجاريًّا، فإنها قد أوقعت الفن ذاته في مأزق حقيقي، وذلك بعرضه بأسلوب لا يليق به، ولا يلائم خصائصه الفريدة، ولا يُرضي محبّيه الأوفياء.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها