آخر تحديث:13:00(بيروت)
الجمعة 22/05/2020
share

المدن التي كانت..

رشا الأطرش | الجمعة 22/05/2020
شارك المقال :
المدن التي كانت.. الشرطة تسائل مرتادي الحدائق في باريس بعد رفع الحجر (غيتي)
في الشاشة الإعلانية قبالة المقهى المغلق، وضعت بلدية باريس ملصقاً توعوياً تخاطب به مواطنيها من باب مدحهم: "نحن الباريسيون، نُجيد الحفاظ على المسافة.. نحمي بعضنا بعضاً"، والصورة لشخصين متقابلَين يرتديان الكمّامة، وبينهما ما يفترض أنه مسافة متر. كانت الشاشة الإلكترونية نفسها، قبل ثلاثة شهور تقريباً، تبث رسائل قصيرة كتبها وأرسلها أشخاص عاديون لمعايدة أحبّتهم في عيد العشاق، على مرأى المدينة ومسمعها، ليخبروهم بكلمات مكثفة عُمقَ ما يعنونه لهم. هكذا، وبهذه السرعة، حلّ التباعد كـ"إتيكيت المرحلة"، محلّ الحميمية العلنية والعناق بالبوح على رأس السطح. المدينة تتحوّل. ليست باريس وحدها، بل المدينة كمفهوم ووظيفة ومعنى. كوفيد-19 يهزم، في المدينة، لم يستطعه سواه من الغزاة.

لا مفرّ لمتأمّل في الشرط المديني من ملاحظة تغيراته الكثيرة والجذرية، وإن لم يتضح بعد تعريف دقيق لهذا الكائن الحضريّ الجديد، فهذا ما ستشتغل عليه العلوم الإنسانية لسنوات آتية. أما اللحظة الراهنة فهي لتلقي الإشارات وجمعها، وإعادة بناء الحياة على أسس جديدة.

المدينة بما هي فضاء التنوع، تلاقي الغرباء وتعارفهم، ولو فقط بإيماءة أو ابتسامة يتبادلها زبائن دائمون في مقهى، أو المنتظرون في محطة الباص في موعد يومي محدد. شبكة المواصلات العامة، خزان الفرص، احتمالات التطور المهني والترقي الاجتماعي، المطاعم، السهر، التجمعات الثقافية والسياسية ("السترات الصفراء" أتت من خارج باريس لتحتجّ في الشانزليزيه)... كل ما تقدمه المدينة الأمّ من خدمات ووعود، أصبح مجمّداً، مؤجلاً، أو غير ذي جدوى. لم يعد يذهب إلى مقرّ العمل إلا المضطر، خيار العمل من المنزل تتخذه نصف القوى العاملة، أكثر أو أقل قليلاً بحسب المدينة، وهذا منحى غير محدد الأجل، وبالتالي ما عاد السكن في المدينة ضرورياً. بديهي الانتقال إلى الضواحي أو حتى الأرياف، حيث إيجارات البيوت وكلفة الحياة اليومية أرخص، طالما أن العمل يُنجز في البيت، والحركة الاجتماعية والمهنية الترفيهية مقنّنة في كل مكان. المدينة العالمية، الكوزموبوليتية، تنكمش، وهي التي لطالما كان "الخارج" أرضية العيش الأساسية لأهلها. البيوت الضيقة غالباً للنوم والأكل والاستحمام. الحياة تجري خارجها، في المكتب والحانة، في المتحف والغاليري والحديقة والساحة العامة، على الشواطئ وضفاف الأنهر والبحيرات.

أتذكّر الآن تلك الأسابيع الشتوية الطويلة التي نفّذ خلالها العاملون في قطاع المواصلات العامة إضرابهم احتجاجاً على تعديلات الحكومة على قوانين التقاعد. كان موقف الباص يزدحم بمنتظري الحافلات القليلة المتوافرة، نحشر أنفسنا داخلها كما لو أنها العلب الحتمية ونحن أسماك السردين. غالباً ما تتطوع سيدة لوضع ابني في حضنها، أو يقوم شاب ليجلسني وصغيري مكانه، وقد يدردش واحدنا مع جاره في مجريات الإضراب الذي خربط حيواتنا. في مثل تلك المواقف، يتّحد غرباء المدن في اغترابهم. يتشاركون حقّهم وعادية – بل متعة – أن يكونوا مجهولين، لطفاء أو جافّين. وإن احتكّ بعضهم ببعض، فعلى هذا الأساس. والآن هم غرباء العُزلات، آلاف الغيتوهات المنمنمة تمشي في الشارع. إن استخدمت وسائل النقل العام، جلس كل منها في الوسط بين مقعدين مُفرغين قسراً، وتحصّن شاغلوها بكمّاماتهم التي تُسكت الكلام أيضاً. وإن جلست في أحد مقاهي الرصيف، التي اخترعتها باريس، ونقلت عنها مدن العالم سوسيولوجيا التلاقي والخصوصية والوقت الفردي المستقطع، في وسط الشارع، فستكون الجلسة مشروطة بتلك الحواجز الشفافة التي فرضها الوباء. بالأمس، بُثّ تقرير تلفزيوني عن مطعم في هولندا بُنيت في شرفته الواسعة كابينات زجاجية تحتضن طاولة لشخصين. التضامن الاجتماعي الذي نظَّر له دوركهايم يغيّر فحواه. تتكلّ الآن على شريكك في المجتمع ليساعدك في حفظ المسافة وصون خيمتك وخيمته الشفافتين، بدلاً من انخراطكما "العضوي" في الحياة المشتركة. أما العائدون إلى الاختلاط كما في زمن ما قبل كورونا، فسيقترب منهم رجل الشرطة ليسائلهم، وسيطالبهم صاحب المتجر بكل أدب أن يحترموا الإجراءات المبيّنة على المدخل، وسينظر إليهم بعض المارة شزراً باعتبارهم "مستهترين". لعل هؤلاء سيكونون مرتكبي الجُنح ومتمردي الحقبة. 

في السجالات النظرية التي لا تنتهي، حول الريف والمدينة، برز، منذ نحو سنتين، مصطلح "النرجسية الجغرافية" الذي حلّل نظرة أبناء المدن إلى أبناء الريف بأدوات علم النفس، بعد هيمنة طويلة للنظريات الاقتصادية والثقافية على أدبيات هذه العلاقة الملتبسة. وتدور شروحات "النرجسية الجغرافية" في فُلك إحساس "المديني" بتفوق مهني واجتماعي، بل وأخلاقي، على "الريفي"، والتروما الناتجة عن ذلك، إضافة إلى "المديني كلّي القدرة" الذي يصدّق بأنه قادر على هزيمة الطبيعة كيفما عاندته. والحال إن أسئلة من نوع "ما الذي حصل حتى غادرت المدينة؟ ومتى تعود؟"، قلما بدت مستغربة، إذ أن الفكرة السائدة عن الانتقال للعيش خارج المدينة، عيشاً كاملاً مكتفياً ومنقطعاً، هي أنه علامة فشل وتقهقر وانزواء. اليوم هي الخطوة المنطقية.

المدينة المركزية تخلع وشاح البطل الخارق، لكنها لا تنضب. الـ"ستايل" المرتقب يحتاج مزيداً من الوقت والتجارب لتكتمل معالمه، وليأتي بمباهجه المطابقة للمواصفات. وإذا كان "أسلوب الحياة" هو أفضل ما تنتجه المدن، فالأرجح أن تلك الملصقات الصغيرة التي تزين السيارات وشُنط الظهر، عن نيويورك ولندن وباريس، ستبتكر معاني جديدة عن "صُرَّة العالم". وقد بدأت فعلاً ابتكارات التسويق تظهر في الإعلانات المتلفزة: ماكينة لضخ معقّم اليدين بلا لمس، بطاقة مصرفية بلا لمس رُفع سقفها اليومي، خدمات الدليفري القائمة على التعقيم الشامل... وشركة "غوغل" تطلق التطبيق المجاني Google Meet للاجتماعات بالفيديو، إذ لا يُعقل ترك الساحة لهواة مثل Zoom الذي لا يؤمن حماية كافية لخصوصية مستخدميه. المدن لا تعدم المخيلة، وهذه إحدى شركات إعلانات الطّرق تخاطب الباريسيين الخارجين لتوهم من الحجر: "هذا الملصق لا شيء فيه للبيع.. نحن فقط مسرورون برؤيتكم مجدداً". 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب