آخر تحديث:13:05(بيروت)
السبت 02/05/2020
share

فيديو رامي مخلوف ينهي الدمج بين الدولة والنظام

ياسر أبو شقرة | السبت 02/05/2020
شارك المقال :
فيديو رامي مخلوف ينهي الدمج بين الدولة والنظام سيارات محمد رامي مخلوف (عن انستغرام)
في فيديو قارب الـ15 دقيقة في "فايسبوك"، استطاع رجل النظام الاقتصادي الأشهر، رامي مخلوف، أن يترك مشاعر مختلطة لدى السوريين، أكانوا من محبيه أو كارهيه. الفيديو الذي تصدر صفحات السوريين، كان له وقع عاطفي غير مألوف. فبعدما سمعوا عن رامي، الرجل الخفي لعقود، والذي تدور حوله أساطير كثيرة، بتنا نراه يتحدث إلينا للمرة الأولى، ويحاول الاستنجاد بنا!

يتفق معظم من شاركوا فيديو رامي مخلوف، في صفحاتهم الشخصية، أنهم صُدموا بأن الرجل "معتوه"، ويوحي خطابه بخليط رهيب من طريقة بشار الأسد في الكلام، وطريقة المجرم المهرج العسكري سهيل الحسن، حيث لا وجود لنبرة واضحة مفهومة، ولا ترابط منطقياً بين الجُمل والأفكار، ولا حتى أدنى مهارات التواصل. تلك البديهيات التي لا بد لأي رجل أعمال ناشئ أن يمتلكها، فكيف إن كان رامي مخلوف، الذي يمتلك حياة السوريين وموتهم في الوقت نفسه.

بعد مشاهدات متكررة للفيديو، يحاول المرء استخلاص ما أراد ابن محمد مخلوف، خال بشار الأسد، إيصاله. فالموضوع هنا غاية في الدقة، إذ خرج مخلوف مخاطباً الناس، ومتوسلاً الأسد، بينما لطالما ظنّ السوريون أنه يستطيع الوصول لبشار الأسد متى شاء من دون أن يعلم أحد بالأمر، وأنه ما من أبواب تغلق في وجهه. هذه بداية الصدمة التي ستكتمل من خلال الفرجة على أسلوب صاحب الشركات الأكبر والاستثمارات الأوسع في سوريا، للمرة الأولى، وهو يبدو أقل براعة في الكلام من أي صبي يعمل في أسواق دمشق.

عقب انطلاق الثورة السورية بأعوام، تحولت سوريا إلى مجتمعات مختلفة، يعيش كل منها في وادٍ وبأسلوب حياة مختلف عن الآخر، حسب سيطرة النظام عليه، أو عدمها. وفي المجتمعات التي يسيطر عليها النظام، بدأ الأخير يسمح بهامش صغير للانتقاد تجاه مسؤولين لا قيمة لهم، كوزير الكهرباء مثلاً. وعلى امتداد أعوام، أوهم الأسد هذه المجتمعات أنه فتح باباً للحرية والانتقاد، بينما كانت صورة بشار الأسد تتحول من "رئيس منتخَب" إلى إله مخلص، فكلما ضاقت الأمور الحياتية على الناس، وعدموا الوسيلة، ناشدوا الأسد تخليصَهم من المسؤولين الظالمين الفاسدين وعديمي الجدارة، الذين أوصلوا البلاد إلى الهاوية. ورغم عدم استجابة الأسد ولا لمرة واحدة، فقد استطاع "سيادته" أن يفصل، في وعي الناس، بين النظام الذين لا يستطيعون حياله شيء وبالتالي وضعوه خارج دائرة المحاكمة، وبين الحكومة والمسؤولين الفاسدين وعديمي الموهبة الذين يقفون بين الرئيس الرحيم والشعب العظيم ويُعتبَرون مسؤولين عن خراب البلاد. كان هذا كله يجري من ناحية، بينما، من ناحية أخرى، استمر الإعلام بأبواقه من شتى المجالات، وعلى رأسهم الفنانون السوريون، في الدمج بين الوطن والدولة والحكومة والنظام، وراحوا يتحدثون عن هذا كله بقداسة مائعة لا يمكن لها أن تحمل أي منطق.

الأمر الأبرز في ظهور رامي مخلوف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، هو أنه كسر الصورة التي رسمها النظام خلال الأعوام الماضية، عبر أبواقه في شتى المجالات من فنانين ورياضيين وإعلاميين، حيث الاعتراض على النظام الحاكم في سوريا والمتجسد في العصابة الحاكمة، هو اعتراض على الدولة السورية، وهو اعتراض على الوطن. فكل هذه المصطلحات تعني شيئاً واحداً في سوريا، الطرف الذي يمتلك القوة والبطش، يقابله في الطرف الآخر إما المواطن الشريف الذي يحب البلاد كتلة واحدة ويقف في صفها ويدعمها، أو الإرهابي المعترض على أي تفصيل فيها، حتى لو كان اعتراضه على شرعية أموال رامي مخلوف، أو رغبته في معرفة مصادره أو طرق دفع ضرائبه. خروج رامي مخلوف، مناشداً الأسد ليحميه من الدولة التي تطالبه بقرابة 12 ضعف ضرائبه السنوية، حسب زعمه، مُحكّماً الناس، كان أول انقسام بين مفهومي الدولة والنظام، وقد صنعه أحد أرباب النظام في سوريا.

الفصل بين نجاسة المسؤولين وطهر النظام، من أهم ما مهد لرامي مخلوف كي يقول بالفم الملآن أنهم – ومن دون أن يحدد من هم – تذرعوا بكل الحجج القانونية ليأخذوا منه 130- 125 ملياراً، ولم يحدد بدقة، رغم أن الرقم لا بد أن يكون مطبوعا في ذهنه، فنحن نتحدث عن مليارات، وقال إنه لا يمانع دفع هذا المبلغ غير المستحق، رغم رغبته في عدم إحراج الأسد، إلا أنه يريد منه أن يتسلم المبلغ بنفسه ويوزعه على الفقراء!! إذن، وحسب خيال رامي مخلوف "الفهلوي"، نحن الآن ننتظر من الأسد أن ينزل إلى المؤسسات الخيرية وفي يديه أموال رامي مخلوف غير المستحقة، ليوزعها على الفقراء، لأن رامي مخلوف لا يثق في الدولة، ويريد أن يحل هذه المشكلة من خلال فيديو، بينه وبين الأسد، بعدما أخبروه بأن الأسد هو من أمر بأن يؤخذ منه هذا المبلغ على حد تعبيره. فأي غروتسك نشهد هنا؟ وهل هذا فعلاً هو هدف رامي مخلوف من ظهوره الأول بعدما ذاع صيته لعقود؟

أبرز التحليلات يقول أن المشكلة الرئيسية بدأت عندما طالبت روسيا، الأسد، بسداد ديونه وهي ثلاثة مليارات دولار، وعندما حاول الأسد التذرع بعدم امتلاكه لهذا المبلغ، طالبته روسيا بأن يأخذه من رامي مخلوف الذي باتت صور أبنائه، في موقع "إنستغرام"، إحدى فضائح العصر الحديث، وأشهر مضرب مثل للبذخ واستعراض المال. فطالب الأسد، مخلوف، بأن يدفع، خصوصاً أن التهرب الضريبي الذي يقوم به، ما عاد في الإمكان السكوت عنه، وما "جمعية البستان الخيرية" إلا أحد أبواب هذا التهرب الضريبي، والأبواب الأخرى كثيرة. وفي ظل وجود منافس مثل مهند الدباغ، ابن خالة أسماء الأسد، القادر على سداد الدَّين للروس في مقابل التربع على عرش رامي مخلوف، بات لا خيار للأخير إلا اللجوء للناس "أبناء طائفته على الأقل" كي يحمي مملكته. وهكذا، يكون الفقراء الذين ذكرهم في حديثه، والذين سيعطيهم الأسد النقود، هم الروس، وما من سبب لعدم تذكّره للمبلغ بالضبط إلا لأن المبلغ ليس بالليرة السورية، وإن أراد تحويله لليرة السورية سيكون تقريباً كما ذكره في الفيديو. لكن على الأسد أن يعي أنه، إن أخذ من مخلوف نقوده، لا بد أن يأخذها بهذه الطريقة المعلنة، وبعد أن يقف الناس إلى جانب رامي مخلوف بصورة "الإنساني، الذي تنازل ليطعم الفقراء" فلا يصبح تهديده سهلاً بعد ذلك.

ورغم من أن هذا التحليل يبدو الأقرب للدقة، إلا أن التحليلات والتكهنات تكثر حول الغاية من خروج رامي مخلوف من قمقمه، وتوجهه للأسد عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ربما يريد حلاً لمشاكله الضريبية فعلاً، وهذا أكثر أمر مستبعد ولا يشي به تاريخ عائلة اللصوص هذه. وربما هي فعلاً خلافات بينه وبين أسماء الأسد، التي تجهز لابن خالتها المناخ الاقتصادي ليصبح فتى الدولة بعد أن يبتلع مخلوف وأمواله، وربما هو تقاسم النفوذ والسيطرة بين رامي مخلوف ومنافسيه الجدد، مثل سامر فوز وآخرين مدعومين من جهات خارجية. أو ربما هي بداية الحرب بين آل مخلوف والأسد. مع هذا لا يمكن لأحد الجزم بما يجري داخل دهاليز النظام السوري، خصوصاً أن هذه الدهاليز لم تعد مغلقة كالسابق، مع دخول دول عديدة إليها، وضيقها على المستثمرين بمختلف جنسياتهم، واتساع مساحة مواقع التواصل الاجتماعي التي أطل منها مخلوف اليوم. ولا ندري من يطل غداً، فيخلق عدداً رهيباً من النكات التي يصنعها السوريون ليضحكوا، واعين لأول إسفين يُدقّ في العائلة التي أوصلت البلاد إلى هذا البلاء ولم تكتف بعد، ومدركين أن النظام اليوم لم يعد هو الدولة بعدما أعلنه المعتوه رامي صراحة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها