آخر تحديث:17:51(بيروت)
الإثنين 18/05/2020
share

سينما الوباء (5): من الصعب أن تكون إنساناً

محمد صبحي | الإثنين 18/05/2020
شارك المقال :
سينما الوباء (5): من الصعب أن تكون إنساناً من فيلم روي أندرسون "حمامة جلست على غصنٍ تتأمّل الوجود"(2014)
فجأة أصبح العالم يشبه فيلماً لروي أندرسون. تقارب أفلام المخرج السويدي، الحالة الإنسانية من منظور الوحدة الوجودية التي تبدو، فجأة، حقيقية وملموسة في واقعنا الوبائي الراهن. في الحلقة الخامسة من سلسلتنا، نتتبع جماليات العزلة لدى روي أندرسون للوقوف على الجذر الجمعي لمواقف فردية تماماً تحاكي أوقاتنا في عزلات كورونا ومخاوفها.

في مشفى فقير الملامح، يريد رجل رؤية الطبيب، لكن لا يُسمح له بذلك، لأن العيادة أغلقت. غير أنه يركض إلى حجرة الكشف متوسلاً، فيجرّه موظف الاستقبال والطبيب إلى الخارج. يبقى هناك، خارجاً، بينما ينتظر الناس في الداخل حتى تخمد صرخاته اليائسة. هل يبدو هذا المشهد مألوفاً مع بعض صور وقصص الأزمة الوبائية الحالية التي حصدت - حتى الآن – أرواح أكثر من 300 ألف شخص؟

تعتمد التجربة السينمائية، مهما أحببنا أن نفقد أنفسنا فيها، دائماً على السياق الذي نختبرها فيه. وبما أننا نرى كل شيء تقريباً هذه الأيام عبر فلتر وباء كورونا، يبرق الفيروس القاتل محتلاً صور الأفلام، منشئاً صيغة غير متوقعة من مزاملة المعاني وتعدّدها وانعكاسها لم نكن لنفكر بها لولاه. بالنسبة للمخرج السويدي، فالتباعد الإجتماعي ليست حتمية مشروطة بوضعٍ استثنائي، بل "شرطاً إنسانياً" بامتياز. تحافظ شخصياته بشكل عام على مسافتها من الآخرين، وإذا حدث اتصال جسدي، نادراً ما يعمل بصورة "طبيعية"، يتساوى في ذلك الاتصال الجنسي والتواصل اليومي وكل الأنشطة البشرية الإجتماعية البسيطة. هنا، لا عواطف حارة ولا قابلية للتحاور والجدل، بل وجوه شديدة البياض ممصوصة وشاحبة يحملها بشر عالقون في تيههم للبحث عما لا يعرفونه، ينتظرون موتهم في عالم تحكمه العزلة والخوف من الآخر.


أن تكون إنساناً
مشاهدة أفلام أندرسون هذه الأيام - على سبيل المثال، ثلاثيته المعتبرة "الوجود"، بأفلامها "أغنيات من الطابق الثاني"(2000) و"أنت، العائش"(2007) و"حمامة جلست على غصنٍ تتأمّل الوجود"(2014) – تعني اختبار تجربة مشاهدة مطبوعة بالغرابة والفزع أحياناً. الغرابة والفزع مصدرهما اكتشاف كيف أن الصور التجريدية المقاربة لوحدة البشر وعزلتهم في تلك الأفلام، تبدو كأنها توثيقات لعالم يحيا راهناً من الوحدة والعزلة والخوف من القادم، كما هو حالنا الآن.

يغوص أندرسون بحرّية في مستودع الصور لما يُسمّى حضارة ومجتمع العالم الأول، مجتمع دولة الرفاه والوفرة. لا يخفي غضبه ولا يتردد في القسوة على المتفرجين بإجبارهم على التحديق في مآسي شخصياته التي لا تختلف كثيراً عن ما يعانيه أي كائن بشري مع معضلات وجوده. ورغم ما يبدو من تفكّك بنائي يميّز أفلامه، يتلاحم هذا الملمح مع أطروحات أندرسون حول الإشكاليات الإنسانية المتعددة باعتبارها اعراضاً جانبية لإشكالية الوجود البشري ذاته. وعبر إظهار فشل وتعطّل وانهيار كل ما من شأنه إقامة علاقة إنسانية طبيعية/كلاسيكية، في مجتمعات فقدت تقدير وممارسة مشاعر الانتماء والتشارك والتواصل، يقدّم نقداً سينمائياً رصيناً وبليغاً لتلك المجتمعات الغنية المعاصرة الهاوية في حفرة وجودها الهشّ والركيك، موغلاً في نبرته السوداوية ونظرته التشاؤمية الساخرة من حاضر ومستقبل العالم.

أفلام أندرسون، المتأثرة بفن الرسم أكثر من السينما، تتكوَّن عادة من اللقطات الثابتة (المثال العربي الأقرب لهذا النهج ما يفعله إيليا سليمان في أفلامه): لوحات يتحرَّك فيها الناس، في طريقهم إلى مكان ما، للوصول في الأخير إلى نهايات مسدودة غالباً. مَشاهد أفلامه تشكّل في بعض الأحيان سرديات صغيرة داخل نسيج ناظم، وفي أحيان أخرى وحدات مستقلة بذاتها، وأحياناً تحدث في مكان خاص، وأحياناً في أماكن عامة، وأحياناً في الأحلام، وأحياناً في اللاوعي. وجميعها، يجمعها همٌّ وحيد: ما معنى ان تكون إنساناً. فيلم "أغنيات من الطابق الثاني" يختزن بداخله واحد من أبلغ تلك اللوحات الكوميدية: زيارة ضخمة يقوم بها كبار جنرالات الجيش لإحدى دور رعاية المسنّين، للاحتفال بقائدهم القديم في عيد ميلاده المائة، بما في ذلك خطاب مثير للشفقة يلقيه جنرال كبير، بينما الرجل العجوز محبوساً في سريره الشبيه بمهد كبير لرضيع، يتمتم بتلعثم محييّاً هيرمان غورينغ (قائد عسكري نازي) قبل أن يرفع ذراعه في تحية هتلرية.

وإذا كان "الشرط الإنساني" الذي يشير إليه أندرسون، في صميمه، أوروبي المركز تماماً، فهو يسمّيه بلا مواربة وفي صورٍ مؤذية، في أفضل الأوصاف. يحاكي أندرسون هشاشة بيئته الأوروبية المتقدمة، ملتقطاً أناساً في كامل يقظتهم بالجرم المشهود وانطلاقهم في تطبيع العيش وفقاً لمعادلات ينقصها الشهامة والتضامن، كما في وجودهم المنهزم أمام أقدار طارئة تستكمل صيرورة لا سبيل لردّ نتائجها. في الفيلم نفسه، يضرب زوجان من النازيين الجدد رجلاً لا يتحدث اللغة السويدية جيداً في الشارع؛ لينتهي المشهد به ملقى على الرصيف يتحسّس نزيفه. ثم سرعان ما يهمله الفيلم، مثلما فعل المارة ومنتظري الحافلة على الجانب الآخر من الشارع أو الشابان المتزلجان في الشارع، من دون تفريق. 


الإنسانية ليست مجاملة
حين لا تبقى تابلوهات أندرسون في حدود اليومي، منتقلة بأطرها إلى السياسي ومغامرة كذلك بالدخول إلى قلب الوحش (في فيلمه الأخير "عن الأبدية" ثمة مشهد كامل في مخبأ هتلر)؛ عندها يتحوّل إلى الشاطيء المواجه لأنسنة التفاهة والتحقير. أن تكون إنساناً ليس مديحاً ولا مثالية، بل وصفاً لمشكلة. وفقاً لذلك، يوتوبيا أندرسون لا يمكن العثور عليها في مفهوم مؤكد وواضح للإنسانية، بل بالأحرى في البحث عما تسمّيه كاثلين ستيوارت "التأثيرات العادية" (كما ذكرنا في مقال سابق من السلسلة)، في البحث المستمر عن مواقف حياتية نموذجية في فرادتها وجروتسكيتها، تختزن في قلبها المتنافر إمكانات التعبير عن خبرة/تجربة إنسانية مشتركة.

في "عن الأبدية"، هناك مشهد جميل يعزّز نظرية التأثير: يجلس مراهقان في غرفة، ويحاول الصبي إثارة إعجاب الفتاة بقليل من الديناميكا الحرارية: "أنتِ طاقة. أنا طاقة. وطاقتك وطاقتي لن تختفي أبداً. لا يمكنها إلا أن تتحول إلى شيء جديد. لذلك، من الناحية النظرية، من الممكن أن يُعاد دمج طاقتينا عبر ملايين السنين. ربما تحولِّتِ إلى حبة بطاطس. أو طماطم.".  تقول الفتاة، "أفضل أن أكون طماطم"، محولِّة العلم إلى رغبة.

بالنسبة إلى أندرسون، نحن لسنا مجرد أفراد، بل نحن وجود بشري منقسم على نفسه، بالمعنى الكامل للكلمة. أحد المشاهد الكابوسية في "أغنيات من الطابق الثاني" يدور حول ساحرٍ يريد قطع شخص إلى نصفين، في إعادة تمثيل لتلك الخدعة المعروفة، لكنه في الواقع ينشر الضحية في معدته. في اللقطة التالية، يذهب الرجل مباشرة إلى المستشفى مبقور البطن. على أية حال: إذا تم التغلُّب على المسافة المادية في حالة أندرسون، فنادراً ما يتبعها شيء جيد. في "عن الأبدية" يخشى مريض الحقن عند طبيب الأسنان ويصرّ على ألا يُخدَّر. لكن عندما يبدأ الطبيب الحفر بمثقابه، يصرخ بشكل مزعج لدرجة أن الطبيب يتركه على الكرسي ويذهب لتناول مشروب في أقرب بار. في الخارج يتساقط الثلج. رجل في البار يسأل الحضور، "أليس هذا رائعًا؟" - "ماذا؟"، يسأله أحدهم. يقول الرجل: "كل شيء".

هناك لحظة سامية مماثلة في "أغنيات من الطابق الثاني": رجلٌ أحرق لتوه شركته يقف مسود الوجه والملابس في عربة المترو المزدحم حيث الجميع فرادى في الزحام يحدقّون في مستقبلٍ غامض. في الخلفية، يمكن سماع هدير أوبرالي هادئ، سرعان ما ينضم إليه جميع الركّاب كما لو بضغطة زر، وينتقل الهدير إلى اللقطة التالية في مكان مختلف تماماً: لوحة هوبرية تماماً (نسبة للرسّام الأميركي إدوارد هوبر) تشرح فيها امرأة لزوجها على الهاتف أنها عالقة في زحمة السير وقد قطعت بضعة أمتار فقط في أربع ساعات. وبالفعل: في الخارج، سيارة وراء سيارة في زحامٍ ممتد، وفي شارع آخر فوج من البشر يضربون أنفسهم وبعضهم البعض في طقوس كربلائية، تبدو معها نهاية العالم قريبة.

جماليات العزلة
لتصوير كل هذه المشاهد، لم يكن على أندرسون مغادرة بيته. فهو يصوِّر كل شيء في الطابق السفلي من منزله، والذي حوَّله إلى استديو ضخم. هناك يصمّم مشاهد أفلامه ويصوّرها؛ أما عمليات ما بعد الإنتاج فتتمّ في الطابق العلوي من بيته. لذا يبدو روي أندرسون مناسباً تماماً لأوقاتنا الحالية، ليس فقط بسبب جماليات العزلة في أفلامه، التي تروي القصة الحزينة للإنسانية في طورها الأكثر تقدماً كوحش منهزم يلتهم نفسه، ولكن أيضاً لتناسبها مع ممارساته الإنتاجية الخاصة: سينمائي محنَّك خبير بالحياة والناس ينجز أفلامه من مكتبه المنزلي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها