آخر تحديث:14:01(بيروت)
الجمعة 15/05/2020
share

"بميت وش": لصوص ظرفاء

شادي لويس | الجمعة 15/05/2020
شارك المقال :
"بميت وش": لصوص ظرفاء
ربما ليس هناك ما هو أكثر جماهيرية من أفلام الجريمة والعصابات، سلاسل الإثارة البوليسية وأدب الخروج على القانون، المسلسلات التي تتناول كارتيلات المخدرات والمحققين الوحيدين وهم يحلون الجرائم الصعبة، حلقة بعد حلقة. وبالطبع، ليس هناك ما هو أكثر إثارة لوسائل الإعلام من أن يتحول الفنانون/الأدباء أنفسهم إلى خارجين عن القانون، أو أن يحدث العكس ويعبر المجرمون التائبون الخط الفاصل إلى الجهة الأخرى، حيث يمكن لكل الجرائم أن تحدث في المخيلة بلا مخاطرة ولا عواقب.

لكن تلك الشعبية لا يمكن نسبتها فقط للإثارة، ولألاعيب التغطية والكشف، ولا لذة الفضول التي تنتاب المتلقي وهو يتجول بحرية وأمان في هوامش المجتمع ومجاريره، أو وهو يفك لغز الجريمة بنفسه أو يُكشف له الجناة في اللحظة الأخيرة. فالجرائم والخارجون عن القانون، سواء في الواقع أو الفن، يسمحون لنا بأكثر من هذا، أشياء عديدة ومتناقضة، الكشف عن المخاوف الفردية من التعدي، وعن العنف كأساس دفين لعلاقات المجتمع، لا مجرد استثناء، وعن الهشاشة التي تحيط بما نعتبره حكم القانون والعادي واليومي، وفتح أفق خطر لإمكانية كسر القواعد والقفز على الحدود والتحرر من الحياة اليومية الضيقة والروتينية، وفي أحيان كثيرة إعادة كل الأمور لنصابها كما كانت، لتأكيد رسوخ العالم الذي نعيش فيه وقوانينه.

ليس من المدهش إذاً، أن ينال المسلسل المصري "بميت وش" كل هذا الاهتمام والإطراء الاستثنائي في الموسم الرمضاني المتخم بالأعمال متواضعة المستوى هذا العام. فالمسلسل الكوميدي البوليسي، الذي يتناول سلسلة من عمليات النصب، تقوم بها مجموعة غير متجانسة من الأفراد، يحمل كل منهم مبررات النجاح. إيقاع خفيف ومشوق، شبكة من الخطوط السردية المتوازية والمتقاطعة، بطولة جماعية تعتمد على طاقم أكثر من رائع من الممثلين، يتفوق فيه الأقل شهرة على الأكثر شهرة، وينال فيه الجميع فرصاً شبه متكافئة للظهور، والأهم أن لصوصه ظرفاء.

الخارجون على القانون، كغيرهم، أنواع. اللصوص القساة، هؤلاء الذين نبتهج لسقوطهم في النهاية أو نتوحد مع نقمتهم على العالم للحظات، نرتعب منهم أو بسببهم، ونشعر بالأسى لمصائرهم الحزينة. هناك لصوص أغبياء، أغبياء جداً دائماً، يمنحونا شعوراً مبهجاً بالشماتة، خفيف ولطيف، ثقة في رجاحة النظام وانتصاره النهائي على أعدائه التافهين، والتأكيد على أنهم يستحقون مصائرهم، إن لم يكن بسبب الجريمة، فعلى الأقل بسبب غبائهم في تنفيذها. وهناك لصوص شرفاء بالطبع، وهؤلاء هم الأكثر أسطورية، والأكثر فلسفية أيضاً، بحس تاريخي ووعي اجتماعي بشكل ما، مضمر أو معلن بشكل فج. وهناك لصوص ظرفاء، وهؤلاء شديدو الإنسانية، أي يشبهوننا، لا هم أشرار تماماً ولا أبرياء تماماً، يمكن أن نحبهم ونكرههم في الوقت ذاته، نحبهم ولا نحترمهم، أو نكرههم ويضحكوننا، أو حتى نكره أفعالهم ونحبهم كأشخاص.

يقدم صنّاع "بميت وش" تشكيلة من النماذج الكلاسيكية للص خفيف الظل، الذي يمنحنا أسباباً للتعاطف معه، بنت الحي الشعبي التي تعمل كوافيرة، وتحمل عبء أمّ وأخت صغيرة، وجارها طيار الدليفري الذكي والأبله بشكل لئيم ومحبب ومحبط عاطفياً. الممرضة اليتيمة التي أفنت عشرة أعوام من حياتها في رعاية مليونير مسنّ، حتى البطل الوسيم الذي ينتمى للطبقة العليا في الظاهر فيظهر إنه يعاني مادياً أيضاً ويفعل كل ما يفعله ليعوض أمّه عن زواج سيء، انتهى بإفلاسها. أما الممثل غير المتحقق في عمله والمحطم والمدمن على الكحول، فيجد فرصته أخيراً في الجريمة ليستعرض مواهبة وليترك وديعة مالية باسم ابنته. أما ابنة أخته، فنموذج للسوقية المحببة التلقائية والرخيصة. السائق الشاب صاحب اللازمات الكلامية المضحكة والسوقية أيضاً، كابتن الجيم "الجدع" والبلطجي، ومخلّصاتي السجل المدني الذي يتقلب بشكل مفاجئ بين طيبة الريفي وجشع المزور، وفنانة المؤثرات الخاصة المحبة للحياة والتلقائية إلى حد البلاهة والتي تعاني دائما مالياً بسبب إسرافها. أما الضحايا فلا يستحقون الكثير من التعاطف: مليونير ميت، أقاربه جشعون لم يظهروا سوى بعد موته ليرثوا كل شيء، زبائن سيارات فخمة بملايين الجنيهات، أسر تبحث عن حضانات ألمانية لأطفالها برسوم فادحة. 

في جرائم "بميت وش"، كما في كل عمل فني عن الجريمة، هناك حلم بالثراء السريع، بإمكانية الوصول للتبذير السفه الذي تحتكره طبقات بعينها، واحدة من صور إعادة توزيع الثروة وتوزيع السلطة أيضاً، المؤامرة كتضامن، انتصار الهامش ولو لبعض الوقت، ربما سينتصر القانون في نهاية المسلسل كالعادة، أو يتوب أبطاله. لكن لا يهم، المهم إنه حين يصبح كل شيء جامداً في الواقع، ومليئاً بالقسوة المريعة، وتصبح الجريمة الوحشية هي القانون، فالوعد الكوميدي بأن هذا كله يمكن أن يتغير، بالتحايل والتخفي وراء مئة وجه، وبالتزوير، فهذا الوعد لا يخدعنا بأنه حقيقي، ولا يحاول هذا حتى، لكنه يضحكنا على الأقل، وبالرغم من كل شيء.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها