آخر تحديث:15:48(بيروت)
الخميس 14/05/2020
share

جورجيو أغامبين: عن الطب باعتباره ديانة

ترجمة: أيوب المزين | الخميس 14/05/2020
شارك المقال :
جورجيو أغامبين: عن الطب باعتباره ديانة "شفاء الجنون" للرسام الهولندي جيروم بوش.
تمتدُّ حالة الطوارئ الصحية، مُسجّلة بذلك "الحرب" ضد الفيروس في امتداد الزمن. إبّان هذه الأزمة التي لا نجد لها حلاّ، يبدو أن المجتمع بأكمله يبذل قصارى جهده لمقاومة عدو لامرئي يتداول الإعلام ما يُحدثه من خراب. يفكّر الفيلسوف الإيطالي، جورجيو أغامبين، في هذه اللحظة السياسية باعتبارها لحظة تزيح الدين وتكرّس أسبقيّة العلم على المسيحية والرأسمالية. من خلال إجابتها على مستلزمات حياة سليمة، تقوم التعليمات الصحية المتطرفة بترسيخ ممارسة ثقافية للطب تكتسح الوجود، حتى أنها تحلّ محلّ الشعائر القديمة. إنّنا نشهد، على المستوى العالمي، شكلاً جديداً من الحرب الأهليّة، بطابع دينيّ، حيث تسمح الرأسمالية للعلم بتشييد مملكته على أنقاض المسيحية. يُذكرّ أغامبين في هذا المقال بالدور الذي على الفيلسوف أن يلعبه: أن يشهد ضدّ الديانة العلمية وضد الكوارث التي تخلقها.


أن يكون الطب قد صار ديانة زمننا، أي ما يعتقد الناس في إيمانهم به، فإنّ ذلك بديهي منذ وقت طويل. في الغرب الحديث، وبشكل من الأشكال، تعايشت وماتزال تتعايش ثلاثة أنظمة كبرى للاعتقاد: المسيحية والرأسمالية والعِلم. لقد تلاقت بالضرورة، في تاريخ الحداثة، هذه "الديانات" الثلاث، ودخلت بين الفينة والأخرى في الصراع، ثم تصالحت بطرائق مختلفة حتى بلغت تدريجياً نوعاً من التعايش السلمي الواضح، إن لم يكن تعاوناً حقيقياً باسم المصلحة المشتركة.

لكن المُستجدّ هو أن صراعاً خفيّاً وشديداً انبعث بين العِلم والديانتين الأخريَين، من دون أن نفطن إلى ذلك؛ صراع تحقق فيه النصر للعِلم اليوم، وبطريقة خارقة أضحى مُحدِّدَ كل جوانب كينونتنا. لا يتعلق هذا الصراع، كما كان عليه في السابق، بالمنهج والقواعد العامّة، فلنقل إنه أصبح ممارسة ثقافية. إنّ العلم بدوره، كأي ديانة، يعرف صيغاً ومستويات مختلفة يُنظم ويُنسّق من خلالها بنيته الخاصة، فبلورة عقيدة دقيقة وصارمة تتوافق في الممارسة مع مجال ثقافي شاسع وذائع للغاية يتّسقُ مع ما نسمّيه التكنولوجيا.

غير مفاجئ أن يكون متزعّم هذه الحرب الدينية الجديدة هو ذلك الجزء من العِلم حيث تتراجع صرامة الدوغمائية ويقوى الجانب البراغماتي، أي الطب الذي يستهدف الجسد الحيّ للكائنات البشرية. فلنحاول تحديد المميزات الجوهرية لهذه العقيدة الغالبة، التي سيكون علينا مواجهتها على نحو متصاعد:

أوّلاً: تتمثل الميزة الأولى في كون الطب، مثل الرأسمالية، لا يحتاج عقيدة خاصة، بل يقتصر على اقتراض مبادئه من البيولوجيا ومفاهيمها الأساسية. لكن، وخلافاً للبيولوجيا، يقيم الطب مفاهيمه بشكل غنوصي ومانويّ، أي عبر معارضة ثنائيّة مثيرة. فهنالك إله أو عِلّة ضارّة: المرض بالتحديد، حيث الفاعلين المحدّدين هم البكتيريات والفيروسات؛ وإله أو عِلّة نافعة، وهي ليست الصحة، بل الشفاء، وفاعلوها الثقافيون هم الأطبّاء والعلاج. كما هو الحال في أي عقيدة غنوصية، يكون المبدآن منفصلين بجلاء، لكن قد يتلوّث بعضهما بعض في الممارسة. هكذا، قد تعتلُّ العلة النافعة، ومعها الطبيب الذي يمثلها، ويتواطآن عن غير قصد مع عدوّهما، من دون أن ينفي ذلك بأي شكال من الأشكال واقع الثنائية ولا الضرورة الطقوسية التي تسوق بها العلة النافعة معركتها. يدلّ هذا على أن اللاّهوتيين، الذين يتوجّب عليهم تحديد تلك الاستراتيجية، هم ممثلو عِلم ما، هو علم الفيروسات، وهو علم لا موضع خاصاً له، إنّما يقع على الحدود بين البيولوجيا والطب.

ثانياً: حتى الآن، إذا كانت هذه الممارسة الثقافية عرضية ومحدودة في الزمن، شأنها شأن أي طقس ديني، فإنّ الظاهرة المباغتة التي نشهدها تتمثل في تحوّلها إلى ممارسة مستمرّة ومُكتسحِة؛ فالأمر لم يعد مقتصراً على تناول الأدوية أو الخضوع لزيارة طبية أو تدخل جراحيّ، إذا اقتضى الحال ذلك، بل صار على حياة الكائنات البشرية جميعها أن تكون في كل لحظة موضع احتفال ثقافي غير منقطع. فهذا العدو، الذي يمثله الفيروس، متواجد أبداً ومحاربته ضرورية، متواصلة وبلا هوادة ممكنة. لقد عرفت الديانة المسيحيّة بدورها ميولاً شمولية مماثلة، لكنها كانت مقتصرة على بعض الأفراد، الرّهبان خاصة، الذين اختاروا وضع كينونتهم كاملة تحت شعار: فلنصلّ بلا لُبثة. على منوال الديانة، يستقي الطب هذا التعليم الرسوليّ لبولس، ويقلبه في الآن نفسه، فبينما كان الرّهبان يجتمعون داخل الأديرة للصلاة سويّاً، أصبح الآن لازماً ممارسة الشعيرة بحماس كبير، لكن في انفصال وابتعاد.

ثالثاً: لم تعد الممارسة الثقافية، لا حُرّة ولا طوعيّة، خاضعةً فقط للعقاب الروحي كما كانت عليه، وإنّما صارت إلزامية طبقاً للقوانين. إنّ التآمر بين الديانة والسلطة الدنيويّة ليس بلا شك حدثاً جديداً، لكن المُستجدّ بامتياز تراجعها عن تلقين العقائد، كما كان الحال مع الهرطقات، واقتصارها على الاحتفال الشعائري. فعلى السلطة الدنيويّة أن تعتني بجعل طقس الديانة الطبية، التي تتقاطع من الآن فصاعداً مع الحياة كلّها، طقساً مشهوداً بدقّة في الوقائع. بديهيٌّ على الفور هنا أن الأمر يتعلق بممارسة ثقافية لا بلزوم علمي عقلاني. إنّ أمراض القلب والشرايين هي أبعد من أن تكون المُسبّب المألوف للوفاة في بلدنا، ونعرف أيضاً أن هذه الأمراض قد تتراجع إذا اتُبع نظام صحيّ خاص واعتُمدت صيغة سليمة للعيش. لكن لم يخطر في بال طبيب البتة أن هذه الصيغة من العيش والتغذية، التي كان ينصح بها مرضاه، ستصير موضوع تقعيد شرعيّ فيُملي طبقاً للقانون ماذا نأكل وكيف نحيا، في تحويل للكينونة بأكملها إلى إجبار صحي. هذا بالضبط ما حدث، حتى الآن على الأقل، وقبله الناس كما لو كان طبيعيّاً أن يتخلّوا عن حريتهم في التنقل والعمل والصداقة والحب والعلاقات الاجتماعية، وعن معتقداتهم الدينية والسياسية.

ههنا، نقيس النحو الذي انسحبت عليه ديانتا الغرب الأُخريان، ديانة المسيح وديانة المال، تاركة الأسبقية للطب والعلم، وذلك بلا نزاع ظاهر. فقد نكرت الكنيسة مبادئها الخاصة من دون قيد أو شرط، متناسية أنّ القدّيس الذي يحمل البابا الحالي اسمه كان يُقبّل البُرص، وأن واحدة من صنائع الرحمة كانت عيادة المرضى، وأنّ الطقوس المقدسة لا تقام إلاّ في الحضور. أما الرأسمالية فقد وافقت من جهتها، رغم بعض الاحتجاج، على خسارة إنتاجية لم تكن لتفترضها قط، ربما أملاً في إيجاد توافق لاحق مع الديانة الجديدة التي تبدو مستعدة للمفاوضة بهذا الخصوص. 

رابعاً: لقد حصدت الديانة الطبية من المسيحية، من دون أي تحفّظٍ يُذكر، الرّكن الأُخْرَويَّ الذي تخلّتُ عنه هي نفسها. عبر علمنتها الباراديغم اللاهوتي للخلاص، كانت الرأسمالية قد تخلّصت من فكرة فناء الأزمنة، مع إبدالها بحالة أزمة مستمرّة، بلا خلاص ولا نهاية. أزمة (Krisis) هي في الأصل مفهوم طبي كان يُقصد به، في المتن الأبقراطيّ، اللحظة التي يقرّر فيها الطبيب بشأن مقدرة المريض على تخطّي المرض، وقد اقترض اللاهوتيون الاصطلاح للدلالة على يوم القيامة، الحادث في اليوم الأخير. إذا تأمّلنا حالة الاستثناء التي نعيشها، يمكننا القول إنّ الديانة الطبية تدغم معاً الأزمة المستمرة للرأسمالية والفكرة المسيحية عن زمان نهائي، أي عن موضوعٍ وخطابٍ للفناء (eschaton) يصير فيه القرار الختامي قيد الحدوث، والنهاية مستعجَلة ومُرجأة في آن، في محاولة دؤوبة للسيطرة عليها، قطعاً من دون التخلص منها إلى الأبد. إنها وضعية عالَم يستشعر النهاية لكنه عاجز، مثل الطبيب الأبقراطي، عن تقرير الحياة أو الموت.

خامساً: كما الرأسمالية، وخلافاً للمسيحيّة، لا تمنح الديانة الطبية النجاة والخلاص. بل على العكس، فالشفاء الذي تبتغيه لا يكون إلاّ مؤقتاً، على اعتبار استحالة القضاء التام على الإله الخبيث، أي الفيروس، وذلك لأنه في تغيّر دائم، وباستمرار يأخذُ أشكالاً مختلفة قد تكون أكثر خطورة. إنّ الوباء (Epidemia)، باعتماد اشتقاق الكلمة، "ديموس" هو في اليونانية الشعب باعتباره جسداً سياسيّاً، و"بوليموس" هو عند هوميروس الاسم الذي يطلق على الحرب الأهلية؛ هذا الوباء هو قبل كل شيء مفهوم سياسيّ بصدد التحول إلى الأرضية الجديدة للسياسة، أو اللاّسياسة، العالمية. من الممكن حتى أن يكون هذا الوباء الذي نعيشه هو تحقُّق الحرب الأهلية العالمية، التي يعتبر علماء السياسة الأكثر تفطّناً أنها أخذت مكان الحروب العالمية التقليدية. لقد أصبحت جميع الأمم وجميع الشعوب، من الآن وصاعداً، في حرب ضد أنفسها، لأن العدو اللامرئي وغير المدرك الذي يقاومونه يوجد فينا.

كما درج لمرّات عديدة على مدار التاريخ، سيكون على الفلاسفة مجدّداً الدخول في صراع مع الدين، الذي لم يعد المسيحية، وإنما صار العلمَ أو ذلك الجزء من العلمِ الذي أخذ شكل ديانة. لا أعلم ما إذا كانت المحارق ستوقدُ من جديد أو إذا كانت الكتب ستُنبذ، لكن فكر أولئك الملازمين لدرب الحقيقة، الرافضين للكذب السائد، كما يحدث أمام عيوننا؛ فكرهم سيبقى مُبعداً ومتهماً بإذاعة أخبار كاذبة، أقول أخباراً لا أفكاراً، ما دامت الأخبار أهم من الواقع! وكما هو الحال في جميع لحظات الاستثناء، حقيقية كانت أم مصطنعة، سنشهد اتهامات الجاهلين للفلاسفة، وسيبحث الدنيئون عن الاسترزاق من كوارث كانوا أصل حدوثها. لقد حدث هذا كله من قبل، وسيستمرّ في الحدوث، لكن مَن يشهدون للحق لن يتراجعوا عن ذلك، فلا أحد يشهد للشاهد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها