آخر تحديث:12:41(بيروت)
الخميس 14/05/2020
share

"الديوان الإسبرطيّ".. وعِظام الجزائريين التي بيَّضت السُكَّر الفرنسي

جان هاشم | الخميس 14/05/2020
شارك المقال :
"الديوان الإسبرطيّ".. وعِظام الجزائريين التي بيَّضت السُكَّر الفرنسي عبد الوهاب عيساوي
يطرح عبد الوهاب عيساوي في روايته الديوان الإسبرطي، الفائزة بجازة بوكر للرواية العربيّة للعام 2020، مباشرة، الإشكاليّة التي يرمي إلى معالجتها ويتناول فيها موضوع الاستعمار الفرنسيّ بنوع خاص للجزائر في ثلاثينات القرن التاسع عشر، وما أنتج فيه من سياسات متناقضة وعلاقات ملتبِسة بين المستعمِر والمستعمَر. وهي تفتح على مشهد معبِّر له رمزيّته بقدر ما هو مقزّز. بواخر المستعمِر الفرنسي تشحن العِظام من مقابر الجزائر لاستعمالها في تبييض السكر. فليست الثروات والأموال هي ما ينهبه المحتلّ وحسب، بل ما يربط أهل الأرض بجذورهم ومقدّساتهم، وكأنّ المراد بذلك الإجهاز على هذه الشعوب عبر اجتثاثها من ماضيها وحاضرها بالترافق مع تغيير معالم بلادها وعمرانها وحضارتها.


إن تكن الديوان الإسبرطي رواية تاريخيّة، إلا أنّ عيساوي استعرض فيها أحداث تلك الحقبة ووقائعها من تحت، أعني على مستوى الناس العاديّين وبعض المعنيّين بالحملة العسكرية من قادة يتّخذون القرارات على الأرض وليس من فوق على مستوى كبار الحكّام من ملوك وسلاطين ذلك الزمن الذين لا يظهرون في الرواية بشكلٍ مباشر. تتوالى رواية الأحداث على ألسنة خمس شخصيات رئيسة تلاقت في تلك الحقبة وتقاطعت. وعبر هذا السرد المتقاطع، تتبدّى المواقف وتنجلي حقيقة الأهداف التي تحدو الشخصيّات في تصرّفاتها العاكسة لمواقف وآراء سائر أطراف النزاع على أرض عاصمة البلاد، المحروسة أو القصبة الجزائريّة، والتي تتناقض النظرة إليها منذ بداية الرواية عبر التسمية التي تطلق عليها. فهي "إسبرطة"، في نظر كافيار، منظّم الحملة وأحد قادتها، بما لهذه المدينة الإغريقية التاريخيّة من دلالة رمزية، وهي أرض الشدّة والبأس والعسكر والقتال، وباختصار أرض حرب، بعكس أثينا التي هي مدينة العلم والمعرفة. ويُصرّ كافيار على هذه التسمية في مدوَّناته التي أعطت اسم الرواية. وهذا ما ينتقده الصحافيّ ديبون، المرافق للحملة، منحازاً إلى أهلها الذين يرون فيها المدينة المميَّزة والمزدهرة في تاريخهم، وأرضهم الأم التي تحمل معالمها كلّ تراثهم وعاداتهم وتقاليدهم. المحروسة إذن هي بؤرة الصراع المركزيّة، وفيها وحولها تتمحور الأحداث، متنقلّة ما بينها مع سائر المناطق الجزائريّة وبين مرسيليا وباريس في فرنسا الدولة الغازية حيث مركز القرار.

يترك الروائيّ للشخصيات، مهمّة رواية الأحداث، كلّ من منظورها، لتتضَّح للقارئ حقيقة المواقف وتفاصيلها وتتبلور في النهاية خلاصة الإشكالية التي يطرحها. العلاقة بين الغرب والشرق، في تلك الحقبة، هي علاقة مستعمِر، ساعٍ إلى التوسّع والإخضاع ونهب الثروات، بمستعمَر منتهَك الحقوق مهما جرت محاولات تلبيسها الطابع التبشريّ والتطويريّ والتنويريّ، وحتى ولو كانت هناك محاولات صادقة وجادّة في هذ المجال. وتتباين مواقف الشعوب الواقعة تحت الاحتلال والاستعمار ما بين متعامل ومساير تأميناً لمصلحة أو منصب، وبين مصدِّق للأهداف المعلَنة من الحملة ومؤمنٍ بجدوى التحاور والسعي إلى إحقاق الحقّ بالطرق الديبلوماسيّة السلميّة، وبين رافض لا يرى الوصول إلى الحقّ إلا عبر الثورة والقتال. وهذه هي المواقف التي حمّلها الكاتب للشخصيات الخمس كما لسائر الشخصيات الثانوية.

الراوي الأول، ديبون، هو الصحافي-المُبَشِّر، يرافق الحملة لينقل وقائعها ويراقب تطبيق الأهداف السامية التي جرت الحملة على أساسها، متحفِّظاً عن الممارسات العمليّة على الأرض، فيصطدم بصديقه كافيار، الراوي الثاني، الجندي السابق في جيش نابليون والذي شهد هزيمة واترلو، كما وقع سابقاً أسيراً لدى الأتراك وعانى في المحروسة أصناف العذاب والعبودية والأشغال الشاقة، فإذا هو يشارك في الحملة، ولو تحت قيادة بورمون الذي هرب من المعركة في واترلو خائناً نابوليون، النموذج العظيم الذي يقتدي به كافيار. وهو يشارك من أجل الانتقام من أهل المحروسة من عرب ومورٍ وأتراك، على حدّ سواء، ولا يخفي كرهه واحتقاره لهم ولطريقة حياتهم ومعتقداتهم. هذا التناقض بين ديبون وكافيار، هو ما تقوم عليه الرواية ويشكل نقطة الصراع بين نظرتين، الخير والشرّ.

الراوي الثالث، ابن ميّار، الميّال إلى زمن الأتراك المنهزمين أمام الفرنسيّين، والذي استمرّ في لعب دورٍ سياسيّ في المدينة بعد الاحتلال، يلاحق الفرنسيّين وصولاً إلى باريس وقصر الملك، بالعرائض المطالبة باحترام الاتفاقيّات والحفاظ على تراث المدينة، يساعده في ذلك ديبون، ويعارضه كافيار، وتأتي النتيجة مخيّبة. وبعكس ابن ميّار، لا يرى حمّة السلّاوي، الراوي الرابع، فائدة من الديبلوماسيّة والتفاوض، ويؤمن بالثورة والحرب على المحتلّ، يعرِّض نفسه للخطر والملاحقة، ويمضي حياته فارّاً من الفرنسيّين كما العثمانيين من قبلهم، لا يثبت على حال ولا في مكان، ما يحرمه من الارتباط بدوجَة (الراوية الخامسة) الفتاة التي أنقذها من المبغى ومن أجلها قتل قوّادها (المِزوار) الذي اصطادها يتيمةً مشرَّدة من الشارع واغتصبها وشغَّلها قسراً في المبغى، فتقيم مع السلاوي على أمل الزواج، لكن لم يكن أمامها سوى الانتظار الدائم لعودته من فراراته وضربه في البلاد سعياً إلى المقاومة. سببٌ آخر دفعه إلى قتل المزوار، هو تقلّبه وفق مصلحته، فقد عمل لصالح العثمانيّين ثم للفرنسيّين بعد مجيئهم. وهو من الشخصيّات الرئيسة، إنما غير الناطقة في الرواية، إذ يرد ذكره على ألسنة الشخصيات الأخرى.

تشكّل هذه الشخصيّات الخمس، برواياتها، نموذجاً مصغّراً عن بيئة الجزائر إبّان الاحتلال الفرنسيّ، ما بين المُستعمِر الذي تتناقض مواقف رموزه (ديبون وكافيار)، وتنفضح أهدافه الأساسيّة وهي تغيير معالم البلاد ونهب ثرواتها وطمس جذورها وتاريخها. وما شحن عظام المقابر لتبييض السكّر، إلا لإعطاء فكرة رمزيّة تبيِّن بأي ثمنٍ كان يؤمِّن الفرنسيّ المحتَّل رفاهه. وتلك هي القضيّة التي من أجلها واكب الصحافيّ- المبشّر ديبون الحملة، علَّه يفضحها ويمنعها، وهو ما لم ينجح في تحقيقه إزاء استخفاف صديق رحلته كافيار به، وسخريته منه، ودعوته إلى العودة إلى فرنسا مع أحلامه الطوباويّة: "إنّ الشيطان إلهُ هذا العالم يا صديقي المبجَّل ديبون وإنّي لَمُشفق عليك ممّا يحمله رأسك من أوهام... أفِق يا ديبون، أفِق أو عُد إلى مرسيليا". إذن ليست الدعوة التبشيريّة المعلنة، أو التستّر وراء الصراع الديني "الكريستياني" الاسلامي، سوى قناع للهدف الأساسيّ الساعي إلى استغلال الأرض والبشر ونهب الثروات. وفي تلك البيئة نرى السياسيّ المحنَّك الذي يحاول، بالحوار والسبل القانونيّة، استرجاع الحقوق لكنّ مساعيه تبوء بالفشل، والثائر العربي الذي يمضي حياته مستنهضاً مقاومة لا تنهض، فيبقى مشرَّداً وراء أوهامه، والمرأة البسيطة بنت المجتمع الفقير المعدم والمحروم، التي تمثّل عامة الناس في توقها إلى الحرّية والسعادة، فلا تجد أمامها سوى انتظار يبدو أن لا نهاية له.

ويواجَه تعنُّت المحتَل بمواقف أهل البلاد المتضاربة والمتخاذلة أو العاجزة. الباشا العثماني لم يستعدّ ولم يقد المقاومة كما يجب، فانهزم وغادر منفيّاً بما أمكنه حمله من ثروات. وأهل البلاد فئة متخاذلة منصرفة إلى مهادنة أو مسايرة الفرنسيّين تأميناً لمصالحها، وفئة تسعى إلى استعادة امتيازات بني عثمان وتطبيق المعاهدات (ابن ميّار) وقد أُسقِط في يدها، وفئة مقاتلة شرسة (العرب) لكن لا يمكنها الحسم ولا التضحية دوماً بمصالحها، وربّما على هذه الفئة كان يتكّل حمّة السلاوي في ثورته الدائمة وإليها غادر في فراره الأخير على أمل العودة.

بأسلوبه السرديّ المنساب والمشوّق، يدع عيساوي هذه الشخصيّات تتفاعل في ما بينها عبر بنية روائيّة متماسكة يُتقِن فيها توقيع الأحداث في المكان والزمان. نرى كلّ راوٍ يتنقل بأخباره، في الفصل الواحد، ما بين المحروسة مثلاً ومرسيليا، أو بين مرسيليا وباريس، أو بين البحر على متن سفن الأسطول وبين البرّ مكان الإنزال. لتشكِّل هذه الأمكنة إطاراً رديفاً ومكمِّلاً للمكان المِحور "المحروسة"، وذلك على خطِّ زمنيّ غير متواصل دوماً، فالأحداث تتوزّع على أزمنة متقطِّعة، بين استعادات من زمن سابق للعودة إلى زمن الرواية الحقيقيّ، وكل ذلك في حبكة متماسكة ومشوِّقة، تتولَّد أحداثها المتقاطعة بشكل منطقيّ مقنع خصوصاً مع تعدّد زوايا النظر إلى الحدث الواحد حينما يعمل الكاتب على تبريره وتوقيعه بالشكل المناسب لبلورته وإظهار أبعاده.

لكن المأخذ على أسلوب الروائيّ، إن كان هناك من مأخذ، فهو أنّه على بساطة أسلوبه وانسيابيّته وتشويقه، ومع أنّه بنى بشكل جيّد شخصيّاته القويّة كما يتّضح من حواراتها ومواقفها، فإنه لم ينجح في إعطاء كلّ شخصية لغتها الخاصة. فالأسلوب في الرواية واحد، نحسّ معه أنه لا فرق بين لغة الديبلوماسي ولغة الثائر العادي أو اليتيمة المشرَّدة. فأسلوب الروائيّ، ولغته وطريقة كلامه، هي الطاغية على لغات الشخصيّات الراوية، وهذه هِنة قليلاً ما يتنبَّه إليها الكثير من الروائيّين. وإن تكن للغة المغرب العربي خصوصيتها، كما لكل منطقة، إلا أن الناحية التركيبيّة في بناء جمله، بمعزل عن الأخطاء اللغوية البسيطة التي كان بالإمكان تفاديها بمراجعة دقيقة، جاءت ضعيفة أحياناً نتيجة اهتزاز أو عدم تناسب العمليّة الإسنادية بين مقوّمات جملته. إلا أنّ ذلك لا يقلّل من انسيابيّة الأسلوب السرديّ كما ذكرنا.

تنهل الرواية من معين التاريخ، من دون أن تخلو من تأريخ. هذا ما يبدو أنّه يرضي لجان التحكيم في جائزة بوكر، إذ إن غالبية الروايات الفائزة بها هي من هذا النوع، كأنّ العرب لم يستنفِدوا بعدُ تاريخهم ودروسه وعِبره، وكأنّ التقييم يقوم على هذا الأساس وحسب من دون الالتفات بشكل وافٍ إلى شروط العمل الروائي ككلّ. لكن يبقى أن عبد الوهاب عيساوي عرف كيف يستنطق التاريخ ويصبّه في قالب روائيّ جميل ومتقن لا تخلو قراءته من متعةٍ وفائدة. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

جان هاشم

جان هاشم

كاتب وناقد لبناني