آخر تحديث:14:20(بيروت)
الأربعاء 13/05/2020
share

رفاق مهدي عامل يودّعون ايفلين

المدن - ثقافة | الأربعاء 13/05/2020
شارك المقال :
رفاق مهدي عامل يودّعون ايفلين
ودّع الحزب الشيوعي اللبناني، ايفلين بران حمدان، زوجة المفكر الماركسي مهدي عامل (حسن حمدان) الذي اغتيل في بيروت العام 1987. ايفلين، لم تتردد لحظة اثر اغتياله في رفع الصوت قائلة: "صامدة أنا هنا في بيروت لأكمل طريق مهدي وأحفظ إرثه ولن تدفعني أي بيئة معادية الى التخلي أو الهجرة". وفي الذكرى الثلاثين لاغتياله، ألّفت كتاب "رجل في خفين من نار" وفيه تتحدث الراحلة عن حياة مهدي عامل وعن فكره وتأثيره، معتمدة على الشراكة التي جمعت بينهما وعلى شهادات رفاقه ومن عرفوه من قرب. ومما قال فيها حسن حمدان: "أمجد عينيك، تسعفني عيناك، أحبك.. لا تخطئ عيناي ضرورتها"...

وفي رثائها كتب الشاعر عباس بيضون
يأتي خبر رحيل ايفلين حمدان. منذ اغتيال مهدي عامل لم نلتق سوى مرة واحدة وفي ذكرى اغتيال زوجها. لكن لا ننسى كيف كانت تستقبلنا في بيتها حين كنا نقصده لزيارة حسن حمدان. بقيت أيفلين في لبنان الى جانب أسرتها بعد الإغتيال. كان ذلك بدون شك علامة حب لم ينقض بالموت بل انتقل إلى المحيط كله. بقيت مع حسن بعد موته. بهذا الوجه النبيل استمرت في حب لم يصرخ بل بقي نفسه، قبل وبعد. يمكننا نحن اصدقاء حسن، بل نحن اللبنانيين أيضا، أن نكون تلقينا جميعا هذا الحب الذي نرده الآن وبالقدر ذاته من الحسرة، لها ولزوجها. وداعا لهما.

وكتب الباحث زياد ماجد
إيفلين بران حمدان، أستاذتي العزيزة، صاحبة الفضل الكبير في دفعي - وجميع طلّابها - الى القراءة وطرح الأسئلة والتمرّد على الكثير من المفاهيم السائدة، التي شرّفتني لاحقاً بالعمل معها (وتعريفها الى بعض قواعد اللغة العربية)، رحلت البارحة في بيروت، قبل أيام معدودة من ذكرى رحيل زوجها حسن حمدان (مهدي عامل) اغتيالاً في 18 أيار/مايو 1987.
قبل هذا الرحيل الحزين، كرّست إيفلين سنواتٍ طويلة لكتابة مؤلّفٍ صدر قبل عامين بالفرنسية والعربية (رجلٌ في خفّين من نار) يروي سيرة مهدي، صديقاً وحبيباً ورفيقاً ومفكّراً ماركسياً...
لروحها السلام، ولكريم وياسمين ومروان ورضا وسابين وللعائلة الكبيرة كلّها أحرّ التعازي والكثير من المحبّة.

وكتب رفيق سعد
البارحة غادرتنا إيفلين بران حمدان زوجة الرفيق مهدي عامل - حسن حمدان. ليس لي ان اتكلم عن مزاياها، فهناك من هو أقدر مني على ذلك. في وداعها أُود فقط أن أُعبر عن بعض الانطباعات التي ترسخت في وجداني عن إيفلين خلال لقاءاتنا الاخيرة في ٢٠١٨ و من خلال النشاطات التي شارك فيها مركز مهدي عامل الثقافي، كذلك من قراءتي لكتابها عن مهدي عامل "رجل في حنين من نار".

إيفلين التي أغُرمت بحسن الشاب الشيوعي، واجهت عائلتها المحافظة وذات الميول اليمينية والمقتدرة مادياً. اختارت الشيوعي وتزوجته رغم معارضة العائلة لهذا الأمر. عرّفها حسن على الشبيبة الشيوعية فشاركت في نشاطاتهم.

لم تكن معارضة وجفاء الأهل الحاجز الوحيد الذي تجاوزته إيفلين. في مقابلة معها عبر إذاعة "صوت الشعب" في أيار 2018، تقول إيفلين أنها أصيبت بالرعب في أواسط الستينات عند سماعها أخبار المجازر ضد الشيوعيين في اندونسيا في فترة 1965-1966. هي المجازر التي نفذها الجيش الاندونيسي وذهبت ضحيتها مئات الآلاف من الشيوعيين وأنصارهم. أيقنت إيفلين حينها، حسب قولها، أن التمسك بالخيار الشيوعي يحمل خطراً كبيراً على حياة الشيوعيين ومناصريهم. لكنها في الوقت نفسه أيقنت وحشية العدو. تعمق الخيار- الاستعداد للتضحية بالحياة.

وضع استشهاد الرفيق مهدي إيفلين والأولاد (كريم، ياسمين ورضا) أمام سؤال: البقاء في لبنان أو مغادرته والعيش في فرنسا. لم يأخذ التفكير في الجواب ساعات كثيرة، إيفلين قررت "سأبقى أعيش وأكافح في البلد الذي عاش وناضل فيه حسن".

عدا تربية الأولاد والتعليم، قبل التقاعد وبعده، ولفترة ثلاثة وثلاثين سنة وهبت إيفلين وقتها وطاقتها، ذهنها وأعصابها... لنشر فكر مهدي عبر إحياء يوم الإنتصار لحرية الفكر والبحث العلمي في العالم العربي (19 أيار من كل سنة)، والمساهمة في الكتب الصادرة عن هذه المناسبة الجامعة للمفكرين التقدميين العرب وغير العرب، لأرشفة جميع أعمال وكتابات ومخطوطات مهدي عامل وصولاً الى حفظ الملاحظات التي دونها على هوامش الكتب والمقالات التي قرأها، والمشاركة في الكثير من الندوات والنشاطات تحث فيها الشباب على التعرف على فكر مهدي كما تدعوهم إلى نقد وتطوير أبحاث مهدي عامل وعدم التوقف عند ما أنتجه، لتأسيس مركز مهدي عامل الثقافي في 2008 وكانت المساهمة الرئيسية في تنظيم نشاطاته، لإنجاز عملها الضخم حول حياة مهدي والعصر الذي عاش وناضل فيه... 33 سنة من العطاء والنضال بثبات حتى آخر رمق. لم تتردد، لم تتراجع ولم تتعب حتى عندما تراجع الحزب الذي انتمى إليه مهدي. هو الإخلاص للحبيب حسن وللقضية التي كرسا حياتهما من أجلها، قضية تحرير الإنسان من جميع أشكال الإضطهاد. هذا كان رد إيفلين حمدان على إغتيال مهدي عامل- حسن حمدان.

في كتابها الضخم المكرس لحياة مهدي عامل، ترسم إيفلين بوضوح عمق هذا الانتماء لقضية تحرير الإنسان. هي تفتح للقارئ صفحة من صفحات حياتها العائلية، ثم وبموهبةٍ استثنائية، ومن دون أن يشعر القارئ، تنتقل إلى ساحة من ساحات بيروت بكل تفاصيلها، او إلى حلقة نقاش سياسي مع الرفاق، أو حتى إلى جبهة من جبهات الصراع ضد القوى الفاشية، ثم تعود بالقارئ وأيضاً من دون أن يشعر إلى الحياة العائلية. بكلام آخر تنقل إيفلين إلى القارئ، عبر فكره ومشاعره، التداخل والاندماج بين حياة مهدي عامل العائلية وحياته النضالية. لا تكتفي إيفلين في كتابها برسم هذا التداخل بل تقتحم قاعدة المنظومة الفكرية لمهدي عامل. تسأله عن درجة نضوج مفهوم نمط الإنتاج الكولونيالي وتذكره بقوله ضرورة تطوير هذا المفهوم. الملفت في كتاب "رجل في خفين من نار". أنه في الكثير من الأحيان، عندما تتكلم إيفلين عن حسن حمدان فهي لا تكلمه في صيغة الغائب، إنها تخاطبه أي تكلمه بصيغة المخاطب الحاضر معها. في بعض المقاطع تخاطبه بلطف، بإعجاب شديد وحب شبيه بحب المراهقين. إيفلين وبعد استشهاد حسن ما زالت مغرمة به، تكلمه ناطقةً بعيون العاشقة.

حتى بعد صدور عملها الضخم و بالرغم من تقدمها بالسن، ثابرت إيفلين على المشاركة بالنشاطات المكرسة لإحياء ذكرى استشهاد الرفيق مهدي. أذكر عندما قامت في حزيران 2018 بزيارة كفررمان والنبطية حيث التقت العديد من الرفاق والرفيقات. منهم من التقى ورافق الرفيق مهدي، وخصوصاً في الجولات التي قام بها في الجنوب تحت إسم الرفيق طارق. سرد الرفاق ذكرياتهم وأحاديثهم معه. كانت الذكريات حية، تكلم الرفاق والرفيقات وكأن الرفيق مهدي حاضر بينهم. هو لقاء أهل البيت الواحد. في مقطع من كلمتها في كفررمان توجهت إيفلين إلى مقاومي "جمول" قائلةً: "أنتم ذهب هذه الارض، ذهب الوطن…" على طريق العودة إلى بيروت، وبعد يوم طويل، لم أر التعب عليها كما كنت أتوقع، بل أمامي امرأة في العقد الثامن مليئة بالطاقة والحيوية، تعيد وتكرر ما سمعته من الرفيقات والرفاق مزهوةً، تعبر عن فرحها بلقاء الرفيق عبد الكريم، تفكر في النشاطات المقبلة... عادت من الجنوب بروح قتالية. اعتبرَت ذاك اليوم يوماً مليئاً بالفرح والسعادة.

إيفلين حمدان وردة حمراء تعبق حباً وإخلاصاً وتفانياً. البارحة نثرت عطرها علينا. سلام لك وسلام لحبيبكِ. حكايتكما ستروى في الزمن الراهن والزمن الآتي. وعدنا لكما الانتصار للإنسان.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها