آخر تحديث:13:14(بيروت)
الخميس 09/04/2020
share

عبد الهادي السعدون: مصارعة غير حرة مع الكورونا.. وانتصرتُ!

المدن - ثقافة | الخميس 09/04/2020
شارك المقال :
عبد الهادي السعدون: مصارعة غير حرة مع الكورونا.. وانتصرتُ! لا شيء أكثر رعباً من مواجهة المجهول
(من 13 مارس حتى 1 أبريل 2020)

1
الآن أستطيع الكتابة والقول إنني قد خرجت ظافراً من صراعي مع فيروس الكورونا.
لم يتمكن مني رغم الإلحاح والملاحقة ليل نهار.
لم أمت ولهذا أكتب هذه الكلمات.

2
اليوم 1 أبريل، ما أن استيقظت صباحاً حتى أدركت إنني قد شفيت من الكورونا وظلاله المتوجة بالموت.
المهم أنني خرجت من النفق بعد أكثر من 10 ايام ملازماً الغرفة والفراش، وأكثر من 15 يوماً بعدها حذراً ومتوجساً ومراقباً الآثار المتبقية منه، ملازماً علب الباراسيتامول وشراب السعال بنكهة الأعشاب والعسل والشرابات الساخنة كلها بلا استثناء.
لم أعد أشعر بطبول الرأس ولا حرقة البلعوم والسعال. استرجعت شهيتي والجسد بدأ يطاوعني وأستطيع النهوض والمشي من الغرفة إلى صالة البيت. وهذا بحد ذاته احتفال لا حد له.
هل شفيت تماماً أم تقريباً؟ لا علم لي. إذ لا أحد اليوم يمنحك الضمانة التامة أنك لو اجتزت المرض لمرة واحدة لن تقع في حفرته مرة أخرى.

3
لم أخبر أحداً بمرضي وسقطتي في الفراش. لم أرد أن أقلق لا الأهل ولا الصحب.
ثم إنك في تلك الدوامة لا قدرة لك على حراك ولا رغبة بإجابة على هاتف ولا كتابة رسالة ولا مكالمة حتى. كل شيء منطفئ فيك، تترقب سعالك إن تصاعد أم خف، وتتمسك بأمل الانتهاء من الوجع عندما تخف طبول الرأس قليلاً وترحمك لتنام بلا ضجيج ولا وجع.
تتأمل أنك لو حركت الجسد سينتفض وينهض من دون دوخة وبكامل قواه السابقة. لكن الطبول مستمرة والسعال ينهك الصدر والجسد يروح في ميوعته وغيبوبته.
الوحدة قاسمك الوحيد. وحدك متشبثاً بأذيال الأمل حتى تهزم ذلك الذي لا يرى ولا تعرف له من مدخل كي تنقض عليه بكليتي يديك، وترتاح لأنك ستعرف أنك قد انتصرت عليه.
لا أحد قادراً عليه، أشعر به من وهني ومن الأرقام التي أسمعها عن الموتى والمصابين فيها في إيطاليا تتبعها إسبانيا.

4
الشيء الغريب أنك عندما تعود للحياة وتتأمل كل هذه الأرقام بالآلاف من موتى الكورونا، تتساءل ما الذي فيك من شيء خاص حتى لا تكون رقماً من تلك الأرقام؟ ولماذا لم ترحل مع كل هذه الجموع الراحلة؟
هل أنك متميز عنهم، ام أنك محظوظ؟ أم أن البركة حلت عليك أنت بالذات ولم يصبك الكورونا بتاجه المميت مصاباً قاتلاً.
هل كان مروره عابراً فعلاً، أم أن جسدك المقاوم كان يأبى الرحيل وينتظر أياماً وسنوات لتمرين التعود على الحياة الطويلة.

5
طوال تلك الأيام من 13 مارس حتى نهاية الشهر كنت اصارع فعلاً هذا الفيروس الخبيث.
صراع لن يدرك حقيقته إلا الذي ابتلي به، وأمضى لياليه بالسعال ووجع الرأس الصارخ مع انهيار قوة الجسد نهائياً.
العينان لا تقويان على النظر، فتحهما يحتاج لمعجزة، خاصة الأيام الأولى من السقطة.
اليوم الأول لم أستطع سوى شرب كأس من الماء ونمت كل اليوم.
الأيام التالية لم تكن أحسن.
زوجتي كانت تجبرني بين وقت وآخر لتناول الحساء أو الشوربة.
لو كان بيدي لم أذق أي شيء، ربما الماء أو أي شراب آخر قوي يساعدني على التحمل.
في الأيام الأولى جربت كل المشروبات الكحولية. كنت حتى هذا اليوم لا أطيق المشروبات القوية، أقصى مشروباتي البيرة والنبيذ الأحمر، أما الويسكي والجن والعرق وما إليه فلا أطيقها ولا أشربها. لكنني وإزاء الهجمة الشرسة، قررت تجريب كل شيء. بحثت في مستودع البيت والمخزن ما عندي، فاكتشفت من القناني الكثير، هدايا من الصحب في كل زياراتهم لبيتنا. قناني ويسكي وعرق بكل انواعه من لبناني وعراقي وتركي وصربي.
بدأت جولاتي بالعرق التركي Yin Raki تليه القناني واحدة وراء أخرى. المدهش في الأمر انني أشرب الكأس بعد الآخر ولا أسكر حتى وأنا لا أخلطه بماء ولا ثلج ولا يليه أي مزات ولا لبلبي ولا خيار ولا أي شيء آخر مما اعتاد "الشرّيبة" اتخاذه صاحباً في صينية الشراب المعتادة. الآن بدأت التفكير والشك فعلاً أن الشراب يمضي لمعدة الكورونا ولا يصل معدتي.

6
لست رقماً بين مرضى الكورونا لأنني لم اشأ أن أتصل ولا أعلم المستشفى ولا رقم الطوارئ لحالة مثل حالتي. الحكومة لم تدرجني في سجل مرضاها. فضلت البقاء في البيت، أن اهزمه في البيت أو أموت في البيت نفسه!
أخبرت زوجتي أنني سأنام في غرفة ابنتنا علية، وأن تنام البنتان رفقة أمهما في غرفتنا الأخرى. كل قلقي أن أصيب ابنتاي أو زوجتي بالعدوى.
كل قلقي حتى وأنا محموم هما ابنتاي.
من غرفتي أسمع صوت ابنتي الصغيرة مايا وهي تكرر (بابا، بابا) وهي المتعودة أن تمضي كل وقتها معي وبرفقتي، لذا لم تفهم كيف أنني في غرفة موصدة ولا تستطيع أن تدخل عندي. (علية) ابنتي الكبيرة ذات الستة الأعوام، بشكل وآخر فهمت ذلك من أمها، أما مايا (سنة ونصف) فلا تفهم ولا تنسى للحظة الباب الموصد.

7
الآن أدرك حقاً أن تشبثي بالحياة ومقاومتي مردها لسماعي لأصوات ابنتاي وهما تلعبان وتناديان على الباب طرقاً وأحياناً بكاءً عندما لا تسمح زوجتي وعلية لـ مايا بالدخول.
صوت مايا ونداءات علية من خلف الباب (وبعدها بأيام من التحسن، داخل الغرفة)، هو ما جعلني أحيا إلى الآن.
بلا شك هما من منحاني الحياة.

8
احتضان مايا وعلية بعد أيام من العزل، هو كل ما رد لروحي الحياة من جديد. لو كانت لي القدرة والقوة آنذاك لصورت (سيلفي) لي ولمايا وهي تنحني بأجمل ابتسامة، تدردم مع نفسها وتحكي بكلمات غير مفهومة ومن ثم تقبلني وتضع رأسها على صدري.
صدري عاد للعمل من جديد.
مايا وعلية منحتاني فرصة جديدة للنظر للحياة ومتعها.

9
أتعس الأشياء في فترة (المصارعة غير الحرة) مع كورونا هو عدم قدرتي على القراءة.
لا أتذكر أن مر يوم في حياتي من دون قراءة، قليلة أو ساعات طويلة. المهم ألا يمر يومي من دون قراءة.
أما الكتابة فأمرها آخر، ويمكنني أن أنساها أو أؤجلها طالما امرها بيدي.
في كل سني حياتي كنت أتساءل عن جدوى حياة تمر من دون قراءة، بل أستغرب عندما أتعرف على بشر لا يقربون من كتاب ولا يفهمون معنى تعلقي بالكتب.
مع محنة كورونا، شعرت باليتم والجهل والفراغ والحزن. كيف يمر يومي من دون قدرة على القراءة. كيف؟

10
عندما خرجت اليوم (بعد 10 أيام ممدداً في الفراش) وبلحية طويلة وقميص غير مكوي رفقة ابنتيّ وزوجتي حتى شرفة البيت لنصفق مع الجيران المطلين برؤوسهم من شرفاتهم، شعرت وكأنني المعني بالتصفيق، بل حتى نظرات الجيران وهم يحيونني وأردها لهم، كنت المعني بها أو هذا شعرته.
إضافة إلى التصفيق، أحد الجيران كان يبدأها ببث أغنية (سأقاوم resisteré) وينهيها بأغنية (ما أحلى الحياة).
بالفعل ما أجمل الحياة، انت تستطيع الإطلالة من شرفة البيت بقدمين صلبتين وجسد قادر على حملك وتوصيلك حتى فضاء السماء لترى وتسمع وتستنشق الهواء.

11
ـ ما تخرج منه بعد هذه المحنة المضنية، أن لا قيمة لأي شيء في حياة مشلولة وجسد مريض.
ـ الحياة بكليتها تقاس في جسدك بحجم فيروس غير مرئي.
ـ أول يوم استطعت النظر من دون جهد، اشتهيت أن أدخن ولعنت ذلك اليوم الذي تركت فيه التدخين منذ سنوات خمس.
ـ أن الرأس تصفى تماماً ولم تعد تتذكر من شيء غير صور الأقربين. وكل تلك اللحظات الحلوة من حياتك القصيرة.
ـ مع كل هزة جديدة حتى لو كان وجع رأس عادي أو عطاس طارئ ستنتابك الشكوك والهلع والتصورات التي لا نهاية لها.
ـ وإذا كان هناك شيء إيجابي مع هذا الفيروس (هل هناك شيء إيجابي فعلاً؟!)، هو فقداني لأكثر من 10 كيلوات من وزني. البنطلون ينزل مع كل خطوة، والقمصان التي تركتها لضيقها على كرش نامٍ، بدت وكأنها قد شعرت بالارتياح أخيراً.

في الختام
ـ حقيقة واحدة لا غير: لا شيء أكثر رعباً من مواجهة المجهول!

(*) مدونة نشرها الكاتب العراقي المقيم في مدريد، عبد الهادي السعدون، في صفحته الفايسبوكية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها