آخر تحديث:12:50(بيروت)
الأربعاء 08/04/2020
share

في مديح الراعي وإصابته (نقابة الفنانين السوريين)

أدهم حنا | الأربعاء 08/04/2020
شارك المقال :
في مديح الراعي وإصابته (نقابة الفنانين السوريين) بشار اسماعيل
لا تظهر الدولة في سوريا، سوى بوصفها قولاً مفبركاً لنوع بائس من الدولة المنفصلة كُلياً عن المجتمع. قول قابل للتداول الغرائزي بوصفه وحشاً غير معقلن. لكن يمكن في الوقت ذاته، قهر الدولة، ليّها، أو شراءها. إنها دولة طبقة مسيطرة خلقت كيانها بتوحش في مركز وجودها. أما البقايا غير المؤثرة في علاقات السلطة بالمجتمع، فتُشترى، لذلك شراؤها شائع. أما قاهروها فهم الطبقة العليا المسيطرة اقتصادياً، الناعمة في ظهورها ووسومها أولاً، وقاهروها المنتشرين بيننا كرجال أمن وذويهم وعائلاتهم ثانياً. إلى حدٍ يجعل الدولة آمنة لقاهريها، والمجتمع عبودي أمامها. 

يعيش النظام والمجتمع كُله في فلك الرعاية، رعاية الراعي موحد الأرض وخالقها أحياناً. الراعي بالمعنى الذي شرحه هيغل للطغيانية الشرقية للإله الراعي (رع)، أو اللغة التوراتية عن النبي والملك. الراعي هو حاكم البلاد كاملةً والمتحكم بمصير بشرها. في السمات التي يعيشها السوريون تقبع فكرة الخالق الأسدي بكلمات نُشرت في أرجاء البلاد. "سوريا الأسد". خاصة المؤسسة العنفية (الجيش \ الأمن) تضع صورة الراعي وأبيه الراعي الأول، وتحتها عبارة محددة (سوريا الأسد). وجمل من المعيار الديني الآلهوي بصيغة الترسيل والتراسل بين الله والأسد. "سوريا الله حاميها". الجملة التي قيلت ووضعت تحت صور الرئيس باتت شأناً دينياً خاصاً للراعي، علاقته التي تبدأ مع الله، وتنتهي بحاكميته المطلقة على الشعب بأداة الدولة التي تعتبر في الأصل انفصالاً عن المجتمع. ولا يتحدث أحد في السياسة في سوريا، إلا أن لغة اشتقت حديثاً، هي لغة ولهجة مُعتمة ومتوارية، حصل عليها بعض السوريين من دون أن يشعروا، كنقدٍ لما لا هو راعي البتة، بل لما يبدو لابساً له ويُصيبه.

في مقابلات متكررة للممثل بشار إسماعيل، وبعض أقرانه من الفنانين السوريين، ممن كانوا أشد الموالاة حرصاً على حماية الراعي الأسدي وتقريظه بالمديح، هاجموا فيها نقيبهم، نقيب الفنانين السوريين عبر الإذاعات والتلفزة وقنواتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. زهير رمضان، أحد أسوأ الخطباء الوطنيين والأكثر إضحاكاً، بدا في مرمى بسام كوسا، وبشار إسماعيل وتولاي هارون، سليم صبري، ثناء دبسي وغيرهم. لم يكن نقده ملتبساً أو خائفاً، بالأصل هو لا يبدو أنيقاً أو مثقفاً أبداً ليتم نقده بوصفه نقيباً أو فناناً، لكن نقده بدا إشكالياً، لأنه يصيب فكرة منطقية سابقة، أو قولاً مستأنفاً، على حد تعبير المناطقة، وهي أن ما يكون لزهير رمضان من نقد واستهزاء، ينطبق على الراعي الأول والأصلي بشار الأسد.

هذا القول المستأنف والذي ورد في لاوعي كل سوري وهو يستمع لبشار إسماعيل، أن الكلام وكأنه على الأسد شخصياً. فقصّ اسم زهير رمضان كافٍ ليظن المستمع أن المقصود هو بشار الأسد. فبشار إسماعيل وغيره اتهموا زهير رمضان بالسيطرة على مؤسسات الفن والسينما والمسرح، وبتمسكه بالكرسي وكأنها ملك شخصي، وردد بشار اسماعيل قائلاً عن زهير: (كُرسي أبوه). وأنه يتشبث بها، وأن نقيب الفنانين مثل أي محافظ أو مسؤول في سوريا لا يتنازل عن منصبه وهذه المواقف المعارضة كُلها لسلوك المسؤول، مواقف سوغتها المعارضة رداً على بشار الأسد، ليست المعارضة بالشكل السياسي فقط، بل معارضة النظام قيمياً وأخلاقياً ببداهة تفكير البشر ووعيهم. وما أن تبدو المواقف مُكررة حتى تُصبح المواقف "مقولة"، والمقولة تلتبس أحداثاً متعددة، وتقصد الراعي الأول الذي وضعت هذه المواقف التي باتت مقولات عنه شخصياً.

وكلام الفنانين الآخرين عن زهير رمضان، أنه يسيطر على منصبه مدعوماً "من فوق". والأعلى – الفوق - قول رعوي، توراتي في جزء منه، يُشير للآلهة المستجدة أثناء العصور الوثنية والمجتمعات البدائية. الآلهة الهجينة التي خُلقت قبل الأديان السماوية واحتفظت الأديان السماوية بكثيرٍ من سماتها في أن يكون الأعلى راعياً وحاكماً ومتجرداً. المجرد الأعلى أي الآلهة المتحكمة المنفصلة عن المجتمع، من كونها ما ورائية، تحتكر التشريع والتقاليد لأنها مصنوعة من غير البشر، كبحث بشري قديم لتأسيس عدالة متخيلة خوفاً من تسلط البشر على بعضهم البعض. لكن السوريين لا يجدون الإلهي الأعلى الراعي الأسدي، منفصلاً عن المجتمع كدينٍ فقط، بل هو دين تسلطي سياسي فاشي، يُنتقد بمحض الصدفة علناً من فنانين يدورون في فلك الراعي ويترجونه. لكن جرأة ما قد ازدادت، جعلتهم يتحدثون عن الفوق بوصفه منفصلاً عنهم، بعدما عاينوا التضرع له طول سنين الثورة، إلى أن انتصر عليها النظام فعاد إلى تموضع كمجردٍ مستحيل مسّه. ما يظهر في سوريا من نقدٍ مستأنف للراعي الأول، لن يطول طويلاً، حتى موالو النظام أزعجتهم تقاليد النقد الجديدة من الفنانين، ونقد الفوق بهذه الصراحة. المؤسسات التي يصنعها الراعي يضع فيها شيئاً منه، من طريقته في الرعاية، ونقدها نقدٌ له.

هنا يبدو النظام أفلاطونياً على مستوى التقنية، فأفلاطون يجعل كل مسؤول راعياً، لكن الراعي الأسدي يضع الرعاة على صورته ومثاله، ونمو القول المستأنف منطقياً سيزعجه بلا شك.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها