آخر تحديث:13:59(بيروت)
الأربعاء 08/04/2020
share

دنى غالي.. روبيرتو إيسبوسيتو وبينما هو خاضع للحجر الصحي!

المدن - ثقافة | الأربعاء 08/04/2020
شارك المقال :
دنى غالي.. روبيرتو إيسبوسيتو وبينما هو خاضع للحجر الصحي!
(*) الجائحة والمغالاة في التحصّن ضدها! متى يتضاعف الشعور القومي ومن يقف وراء تكريسه خلال الأزمات! حين يتهدّد أمان الفرد هل يختار الديموقراطية أم يسلّم أمره إلى السلطة التي تظهر بمظهر الحامي! أوروبا الديموقراطية، أوروبا المفتوحة تحت الاختبار! هل تتجلى العلاقة وتتلخّص في "حاكم وتابع" عبر السياسة التي تتخذها الدول الديموقراطية مع مواطنيها في ظل أزمة الوباء! ما علاقة ما نمرّ به بمصطلح السياسة البيولوجية والسلطة البيولوجية لدى صاحب القاعات السبع ميشيل فوكو (هي السياسة التي تخصّ الجسد بكل ما يرتبط وقوة الدولة وسيطرتها وقد اختلفت الترجمة العربية بين البيولوجيا السياسية والسياسة البيولوجية). مصطلح المناعة واستغلاله بالاتجاهات المختلفة من قبل السلطة. مرض المناعة الذاتي الذي يتردّد ذكره من ضمن الطروحات الفلسفية وتأثيره في جسد المجتمع أو الجماعة community!

جملة من الأسئلة الحية تُثار جراء مقال نشرته جريدة "الانفورميشيون" الدنماركية اليوم بقلم مارتن غوتسكه، يعرّف من خلاله بفِكْر الفيلسوف الإيطالي روبيرتو إيسبوسيتو، 70 عاماً، أستاذ الفلسفة التنظيرية الذي وظّف فكره في دراسة هذا المجال عبر نصف قرن، وله مؤلفات مهمة تمت ترجمتها وتداولها عالمياً، ما جعله يحتل مكانة رصينة في الفلسفة الحديثة. وقد قمتُ بترجمة أهم ما طرحه غوتسكه في المقال، من الدنماركية، تحت عنوان "حين تهدأ عاصفة الكورونا قد تخلّف أوروبا ضعيفة". وإن كان تناولاً صحافياً سريعاً، لكنه برأيي يفتح الشهية لمتابعة التساؤلات والبحث بتوسع في مصادرها.

من مكتبه في بيته الكائن في نابولي، خاضعاً للحجر الصحي، يحذّر هذا الفيلسوف من أن الديموقراطية التي نتمتع بها قد لا تدوم طويلاً في ظل نقص الحرية والتفاعل الاجتماعي. ما الذي يمكن أن يحدث للديموقراطية إن تم تعليق حرياتنا لزمن طويل؟ لفترة يتم من خلالها إدخال أجهزة مراقبة جديدة من قبل الدولة، وحيث لا يعود لنا الحق في التجمع والاعتراض وقد تمّ عزلنا؟ لفترة يحصل فيها أصحاب السلطة تحت الأزمة على دعم ضخم للغاية، حين يرى جزءٌ أكبر من المعتاد من الشعب، أن ليس من الواجب انتقاد الحكومة بل العكس، على الجميع التعاضد في وقت الأزمات. كيف ستكون عليه التوازنات ما بين الشعب وأصحاب السلطة، ما بين الحكومة والبرلمان؟

ما طرحه يتكشّف جلياً في الواقع الدرامي لإيطاليا وفي كل القارة: كيف يحاول أصحاب السلطة تحصين مجتمعاتهم ضد أي عدو خارجي بطريقة عدوانية تشير إلى مدى الخطورة فيما لو قوّض المواطنون الركائز الأساسية في المجتمع، والتي يحاول أصحاب السلطة ذاتها الدفاع عنها.

"عندما نذهب بعيداً في محاولة حماية أنفسنا يحدث الشيء ذاته لمجتمعنا، كما في جسم الانسان الذي يعاني من مرض مناعي ذاتي: autoimmune disease، رد الفعل العنيف للجهاز المناعي يضر بوظيفة أعضاء الجسم الحيوية وبالتالي قد يتسبب في قتله"، يقول إيسبوسيتو.

تتخذ الدول اجراءات غاية في الصرامة لحماية نفسها من فيروس الكورونا، لكن هذه الإجراءات التي تفرض الضغوط على الحريات الفردية يمكن أن تكون في حد ذاتها على الدرجة نفسها من التدمير للمجتمع. ما نراه حالياً من إجراءات سياسية تتخذها الدول الديموقراطية، يقترب من إجراءات الانظمة الاستبدادية، ولهذا يصبح من الضرورة القصوى ألا تطول هذه الفترة قدر الإمكان لئلا يكون الضرر كبيراً.

في معظم كتاباته على مدى نصف قرن، ركّز إسبوسيتو على الكيفية التي تحاول بها المجتمعات تحصين نفسها ضد الظواهر التي تقتحم حدودها، التي لا يمكن السيطرة عليها والقادمة من الخارج - سواء كانت تسمى موجات اللاجئين، ظلال الاقتصاد المعولم أو الأوبئة. لكن أيضًا كيف يمكن أن تؤدي الحماية الذاتية المفرطة إلى التدمير الذاتي، وكيف تقع المجتمعات التي تحاول حماية نفسها تحت إغراء استبعاد كل ما هو مجهول وغريب وشيطنته.

تبحث اعمال إيسبوسيتو في فهم العلاقة ما بين المجتمع والسياسة البيولوجية والسلطة البيولوجية.

وهو مصطلح عرّفه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في السبعينيات على انه القوة أو السلطة التي تمكّن أصحاب السلطة من التحكم في حياة تابعيهم وصحتهم. تتميز تلك القوة بكيفية استخدامها من قبل السلطات أو أصحاب السلطة للسيطرة على الحياة البيولوجية والهيمنة عليها- لكن حمايتها أيضاً - من خلال كافة جوانب الحياة، كل شيء بدءًا من تحديد النسل وبرامج الصحة الحكومية، والتطعيم القسري وحظر التدخين العام إلى التدابير السياسية الصارمة لتحصين السكان ضد وباء مميت.

يرى إيسبوسيتو إن الفيروس يوسّع ويركّز أو يكثّف المشاكل التي كانت موجودة أصلاً، كما يقول. أن وباء الكورونا هو عدسة مكبرة عملاقة، يسلّط الضوء على النزعات الموجودة مسبقاً في المجتمعات الأوروبية. الوباء يعمل على تنامي الحس القومي وكذلك الخوف بشكل أكبر. تكون فيه صور العدو مطلية بفرشاة أكبر. تزداد رغبة أصحاب السلطة والحكام في السيطرة ومضاعفة صلاحياتهم السياسية، تصبح أكبر، وكذلك رغبة المواطنين بالخضوع لهذه السيطرة.

يشير إيسبوسيتو على وجه الخصوص إلى أن الوباء أصبح مربوطاً بعربة القوميين والشعبويين اليمينيين. في الماضي كانوا يودون تحصين المجتمع ضد الهجرة. الآن الكورونا والهجرة مضفورتان معاً، حيث يحاول سياسيو الجناح اليميني في كل أوروبا، استغلال الوباء لتقوية مبررات سياساتهم من حيث غلق الحدود بوجه الاجانب بتصويرهم للعلاقة التي لا وجود لها ما بين الفيروس والمهاجرين من الشرق الاوسط وأفريقيا. وفي الوقت نفسه، ان أوروبا المفتوحة قد انهارت، فلقد أغلقت الدولة القومية حدودها!
...
رغم ان كتابه في أصل الجماعة ومصيرها، كان قد صدر في العام 1998، يستشرف الفيلسوف إيسبوسيتو، موقف العالم اليوم أمام الجائحة التي تقتضي أن يقف العالم جنباً إلأى جنب في محاربتها.

كتاب الفيلسوف الإيطالي روبيرتو إيسبوسيتو يؤكد على أنه "لا يمكن للجماعة أو المجتمع أن يوجد من دون شكل من أشكال نظام مناعة. لكن لا يقتضي للجماعات أو المجتمعات أن تتكون من أشخاص لديهم خصائص مشتركة، معتقدات مشتركة أو ثقافة متماثلة. الأساس المشترك للمجتمعات هو أن مؤسسي الجماعات أو المجتمعات يشتركون في شيء ما يمكّنهم في نهاية المطاف من استقبال وضمّ أناس آخرين إلى مجموعاتهم أو مجتمعاتهم من دون تحصّنهم ضد هؤلاء".
Roberto Esposito, Communitas,The Origin and Destiny of Community

(*) مدونة نشرتها الشاعرة والروائية العراقية، دنى غالي، في صفحتها الفايسبوكية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها