آخر تحديث:13:11(بيروت)
السبت 04/04/2020
share

الحَجر بلا أدبه

روجيه عوطة | السبت 04/04/2020
شارك المقال :
الحَجر بلا أدبه يوميات الحجر
كيف من الممكن أن نقرأ تلك اليوميات التي تُنشر في صفحات التواصل الاجتماعي خلال الحجر المنزلي؟
هذا السؤال مردّه أمر بعينه، وهو الإسراع، من هنا وهناك، إلى إدراجها في سياق ذلك الأدب، الذي يحملها، أو تصدر عنه، أي أدب اليوميات. إذ توصف المنشورات بأنها من هذا الأدب، ولأنها تدور حول الحجر إياه، فقد يشط وصفها، لتصير، وعلى نكتة تسويقية، من "أدب الكورونا" جذعاً، ومن يومياته فرعاً.

على أن ذلك الإسراع، عدا عن وصفه، وشطّه، لا يسجل سوى بغية اعتبار تلك اليوميات من أدبها، الذي يشارك في تأليفه عدد من المحجورين حول العالم. فحتى لو امتلك كل محجور منهم لغته، فإنهم يتماثلون في التأليف إياه، وما تماثلهم هذا سوى دليل على كون أدبهم، وعلى نحو توزعهم، عالمياً.

بعد هذا، يصح قلب السؤال نفسه إلى استفهام مختلف: ما سبب تلك البغية، أي بغية اعتبار المنشورات، التي تتشكل كيوميات، من أدبها؟
بدايةً، لا بد من تعريف أدب اليوميات بما كان دوماً، بما هو أدب منفصل عن الأدب الطاغي، فلا يلتزم بهمومه، ولا يرضخ لقواعده. فحتى حين صار هذا الأدب كناية عن آداب -وظل طاغياً بالطبع- بفعل انفجاره الذي يسمى دمقرطة، بقي أدب اليوميات في حيزه الذي لا يتصل به، ولا بجمعه. بالطبع، انفصال وانقطاع هذا الأدب ليس موقفاً، إنما هو من أسسه، بحيث أنه لا يقوم سوى بكتابة على حدة، كتابة خلال شيء محدد، وهو التجربة.

هذه الكتابة لا تتساوى مع التعليق على التجربة، ولا مع تعليقها، إنما ترافقها لتكون جزءاً منها. بعبارة أخرى: هي كتابة تجربة، وفي الوقت نفسه، التجربة، وأثناء حصولها، تؤلفها، بمعنى أنها تترك أثرها فيها مباشرةً. فلا تكون هذه الكتابة، وفي يومها الأخير، مثلما كانت في يومها الأول. إنما، ونتيجة خوض ممارسها لتجربته بها، تنتهي واياه إلى التحول. هذا التحول، من دونه، لا تستوي اليوميات، ولا كتابتها، على أدبها البتة.

من هنا، ليست بغية اعتبار تلك المنشورات ضرباً من أدب اليوميات سوى بغية تقديمها ككتابة تجربة، وقبل هذا، سوى بغية تقديم موضوعها، أي الحجر، كتجربة. لكن، هل الحجر تجربة؟ في الواقع، الحجر، بما هو وقاية من الفيروس، واحتماء منه، ومحاولة لـ"محاربته" من دون أي "حرب"، ليس تجربة، إنما هو وقوف خلفها. التجربة تقتضي، وباختصار شديد، الخوض، وليس تجنبه، وتقتضي مذهباً في مجهول ما، أياً كان قدره، وليس امتناعاً عنه. بالتالي، من أين تأتي هذه الحاجة إلى جعل الحجر تجربة؟

قد يكون مردّ ذلك، تبدلاً في معنى التجربة نفسها، بحيث أنها لاقت، ومنذ زمن بعيد، حتفها، بحيث ما عاد الدخول فيها يؤدي إلى ذلك التحول المذكور آنفاً، إنما الثبات على الوضع السابق عليها. والسبب أن "خلالها" معروف، مملوء، ولا ضياع فيه. تماماً مثل "التجارب" التي يتحدث عنها علم المبيعات، بحيث أنها ليست تجارب، بل أنشطة ومعلومات (التجارب على تطبيق "AirBnB" مثلاً). بهذا، من الممكن القول أن التجربة "ترسملت"، بمعنى أنih صارت تتراكم على منوال تراكم رأس المال، قبل نقلها، ومداولتها، واستثمارها.

بهذه الطريقة، تقديم الحجر كتجربة لا يرمي سوى إلى رسملته، إلى مد "إقتصاد التجربة" عليه. ونافلة الإشارة أن المرسمِل في هذا السياق هو الفرد البرجوازي، الذي لا يمكنه أن يتعقل حجره سوى على أساس منطق نظامه. وحين يفعل ذلك، فبالكتابة، التي بالتأكيد لا تعود كتابة تجربة، إنما تسجيل عكسها، وهو، وببساطة، الاستعراض، الذي سمته تلك اللافتة في إيطاليا عن "رومانسية الحجر" بـ"الامتياز الطبقي".

لذلك، يوميات الحجر هي يوميات رسملته، الذي يجعله واجهة لعرض الالتزام بالنجاة من كل تجربة، من كل أدب أيضاً. ألم يعلمنا عالم الرياضيات، أوليفييه ري، ذات مرة، أن الأدب كان فضاءً لكل تجربة لا حساب فيها، ولا رسملة؟!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب