آخر تحديث:12:53(بيروت)
الخميس 30/04/2020
share

الرسول والوحي ومنمنمات مزوّقة

محمود الزيباوي | الخميس 30/04/2020
شارك المقال :
  • الرسول والوحي ومنمنمات مزوّقة
    منمنمة من "سير النبي"، إسطنبول، القرن السابع عشر، مكتبك توبكابي.
  • منمنمة من "سير النبي"، إسطنبول، القرن السابع عشر، مكتبك توبكابي.
    منمنمة من "سير النبي"، إسطنبول، القرن السابع عشر، مكتبك توبكابي.
  •  منمنمة من "مجمع التواريخ"، هرات، النصف الأول من القرن الخامس عشر، متحف متروبوليتان، نيويورك.
    منمنمة من "مجمع التواريخ"، هرات، النصف الأول من القرن الخامس عشر، متحف متروبوليتان، نيويورك.
  • - منمنمة من "جامع التواريخ"، تبريز، 1314، مكتبة أدنبرغ.
    - منمنمة من "جامع التواريخ"، تبريز، 1314، مكتبة أدنبرغ.
شكّل شهر رمضان مسرحاً زمنياً للعديد من الأحداث الكبرى في تاريخ المسلمين، ومنها بدء نزول الوحي على الرسول، كما تشير الآية القرآنية: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان" (البقرة 185). بدأ هذا النزول في ليلة القدر، كما جاء في الآية الأولى سورة القدر: "إنا أنزلناه في ليلة القدر"، ويفيد التقليد الإسلامي بأن ذلك كان في ليلة 21 من رمضان في السنة الأولى للبعثة، قبل طلوع الفجر، أي في العاشر من آب/أغسطس 610، يوم كان النبي في سن الأربعين.

في عهد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وضع عبد الملك بن هشام السيرة النبوية، وفيها استعاد وهذّب سيرة لم تصل إلينا كاملة ألّفها في القرن الثامن إمام المغازي والسير أبو بكر محمد بن إسحاق المطلبي. تبعاً لما جاء في هذه السيرة، وُلد محمد في مكة وعاش في كنف جدّه عبد المطلب ثماني سنين، ثم كفله عمه أبو طالب بعد وفاة جدّه، وكبر في زمن كان الشِّرك سائداً في قريش والجزيرة، وكانت عبادة الأصنام منتشرة بين أهل العربية، إلا أنه كان غريباً عن هذه العبادات، وتحلّى بالرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح.

"وحبّب الله تعالى إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده‏". فكان يقضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها، ولا يمر بحجر ولا شجر إلا وقال: السلام عليك يا رسول الله. فكان يلتفت من حوله، فلا يرى إلا الشجر والحجارة. ومكث على هذه الحال "ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاءه من كرامة الله، وهو بحراء في شهر رمضان". يأتي وصف هذه اللقاء على لسان النبي، وفيه يقول: "فجاءني جبريل، وأنا نائم، بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال‏‏:‏‏ اقرأ. قلت: ما أقرأ؟ ‏‏ فغتَّني به (أي حبس نفسي) حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال:‏‏ اقرأ. قلت:‏‏ ما أقرأ‏‏؟ ‏‏ فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ‏‏ما أقرأ؟ فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال:‏‏ اقرأ. فقلت‏‏: ‏‏ماذا أقرأ؟ ‏‏ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي. فقال‏‏: {اقرأ باسم ربك الذي خلق‏‏. ‏‏خلق الإنسان من علق‏‏.‏‏ اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم‏‏.‏‏ علّم الإنسان ما لم يعلم} (العلق 1-5). فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني وهببت من نومي، فكأنما كتبت في قلبي كتاباً. فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول:‏‏ يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء يقول: ‏‏يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء. فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفاً ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني"‏‏.

بحسب ما نقله ابن الجوزي عن محمد بن أحمد البراء في "المنتظم في التاريخ": "بَعَثَ الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم وله يومئذ أربعون سنة ويوم، فأتاه جبريل عليه السلام ليلة السبت وليلة الأحد، ثم ظهر له بالرسالة يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان بحراء، وهو أول موضع نزل فيه القرآن". نقل جبريل إلى الرسول الآيات الأولى من سورة العلق، "ثم فحص بعقبه الأرض، فنبع منها ماء فعلّمه الوضوء والصلاة ركعتين".

وجد هذا المشهد صيغته التشكيلية في عدد من المنمنمات التي النبي "وهو بحراء في شهر رمضان". أقدم ما وصلنا من هذه الصور منمنمة تعود إلى مخطوط "جامع التواريخ"، أُنجز في تبريز عام 1314، والمعروف أن هذا الكتاب وضعه الوزير رشيد الدين فضل الله الهمداني بأمر من محمود غازان، السلطان الذي جعل من الإسلام ديناً رسمياً لدولة الإيلخانات في إيران والعراق. يظهر النبي في هذه المنمنمة جالساً على أرض صخرية ذات طابع صيني واضح، ويظهر جبريل واقفاً امامه، ماداً ذراعه باتجاهه، مشيراً إليه بإصبع من يمناه. يرتدي الرسول ثوباً فضفاضاً أبيض اللون، ويعتمر عمامة من اللون ذاته، ويبدو هنا من دون هالة، واللافت أن سائر الأنبياء الذين صوّروا في هذه المخطوط بدوا كذلك من غير هالات، على عكس ما نرى في نتاج الفن الديني الذي ترسّخ كتقليد ثابت في مرحلة لاحقة. في المقابل، يتميز الملاك بهيئته غير المألوفة، وتظهر هذه الغرابة في شكل الجناحين اللذين يكسوان ذراعي جبريل بريشهما. ويتردد هذا الشكل في المنمنمات التي تظهر فيها الملائكة في هذا المخطوط، إلا أنه يغيب عن فن التصوير الإسلامي كما يتجلى في وجوهه المتعددة في المرحلة الممتدة من القرن الرابع عشر إلى القرن السابع عشر، مما يدل على أن المصورين لم يتبنوه خارج هذا العمل التأسيسي. 

يتكرر مشهد لقاء النبي بجبريل في غار حراء، في منمنمة من كتاب "مجمع التواريخ" تعود إلى النصف الأول من القرن الخامس عشر، مصدرها مدينة هرات الخراسانية، وهي من محفوظات متحف متروبوليتان في نيويورك. وقد ضع حافظ آبرو هذا الكتاب بطلب من شاه رخ بن تيمور، واتبع فيه النهج الذي سار عليه رشيد الدين فضل الله الهمداني من قبله. يظهر الرسول في هذه المنمنمة جاثياً على قدميه فوق هضبة صخرية، شاخصاً بثبات باتجاه جبريل الذي يقف في مواجهته في أسفل هذه الهضبة، ماداً ذراعيه باتجاهه. تشهد عناصر التأليف لتطور فن التصوير الفارسي واختماره في هرات في عهد الحكام التيموريين. يرتدي النبي ثوباً من لون الزمرد الغامق، تكلّل رأسه بهالة نارية مذهّبة تحيط بعمامته البيضاء. أما جبريل، فيرتدي الثوب التيموري التقليدي، وتحيط برأسه هالة مماثلة لهالة الرسول. يتشكل غار حراء من كتلتين متراصتين تختلفان في اللون فحسب. يجلس الرسول وسط الكتلة الأمامية الرمادية الموشّحة باللون البنفسجي، ويقف جبريل عند الطرف الأسفل من هذه الكتلة، وتظهر من ورائه الكتلة الخلفية العسلية. 

يأخذ المشهد طابعاً عثمانياً في منمنمتين من موسوعة "سير النبي" التي أُنجزت بطلب من السلطان مراد الثالث، وهي مؤلفة من ستة أجزاء، تزينها ثمانمائة وأربع عشرة منمنمة تمثل مختلف مراحل حياة الرسول. يعود نص هذه الموسوعة إلى مصطفى بن يوسف الملقّب بضرير، وهو شاعر درويش من ارزروم في أذربيجان، عهد إليه السلطان برقوق بهذه المهمة، فأنجزها العام 1388، معتمداً على سيل من المصادر العربية والتركية. وبدت السيرة التركية التي أنجزها، أشبه بانطولوجيا كبيرة تجمع قصائد عربية وتركية تتقاطع مع آيات من القرآن الكريم، وأخباراً لا تُحصى، منها ما يستند على المصادر الموثوقة، ومنها ما يعتمد على الأخبار الرائجة ذات الطابع الشعبي. في السنين الأخيرة من عهده، أوكل السلطان مراد الثالث لأهم فناني عصره مهمة إنجاز نسخة مزوّقة من هذه السيرة النبوية التي وضعها مصطفى ضرير بأمر من السلطان برقوق قبل قرنين من الزمن، وسخا في تقديم كل ما يلزمهم لتحقيق هذه المهمة بأكمل وجه، إلا أن المنيّة وافته العام 1595 قبل أن ينتهي فريق العمل من إنجاز هذا المخطوط، وكان في التاسعة والأربعين من عمره، فخلفه ابنه محمد الثالث، وفي عهده أُكملت هذه السيرة الموسوعية المزوقة.

تتشكّل سيرة الرسول في هذه الموسوعة عبر منمنمات تتبع التسلسل التاريخي بدقّة فائقة. تبدأ البعثة في غار حراء حيث هبط عليه جبريل بالوحي. يظهر الرسول بلباس أخضر، جاثياً على ركبتيه وسط هالة من النار تلف قامته بأكملها، رافعاً يديه باتجاه صدره في حركة ابتهاليه، ويظهر جبريل وهو ينحدر من السماء باتجاهه، رافعاً يديه نحو صدره في حركة موازية. وفي منمنمة ثانية، يظهر الرسول بلباس أبيض وسط الهالة النارية، منتصباً فوق أرض الغار المتوهّجة. وفي أعلى الصورة التي صيغت بالذهب، تمتلئ السماء بوجوه الملائكة. يصوّر الرسام هنا، بلُغة تشكيلية بديعة، الرسول وهو يصرف وجهه عبثاً عن جبريل في آفاق السماء، فلا ينظر من ناحية منها إلاّ يراه فيها. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها