آخر تحديث:12:37(بيروت)
الخميس 30/04/2020
share

حاكم الملل

رشا الأطرش | الخميس 30/04/2020
شارك المقال :
حاكم الملل قناع رياض سلامة (غيتي)

منذ وَعَينا الدنيا، طلاباً جدد في الجامعة، بعد الخواتيم المزعومة للحرب اللبنانية، ورياض سلامة هو حاكم مصرف لبنان. شأنه شأن الملوك العرب، وديكتاتوريي الجمهوريات التي استقلَّت – أو رُكِّبت على عجل – بخطَط عسكر ما زالت وجوه من صفوفهم وورثتهم تحتل سُدد رئاساتها. ومع ذلك، كنا نعرف عن "طِوال العمر" أولئك، الأحياء منهم والأموات، حكايات ألم وضحك ورعب وسوريالية، أكثر بكثير مما عرفنا عن سلامة طوال 27 عاماً. ذلك أن جُلّ معرفة المواطن اللبناني بحاكم مصرفه المركزي، لم يتعدَّ ما اكتفى به من تلك السطور القليلة الملونة بقلم فوسفوري، عن خبرة طويلة راكمها في شركة "ميريل لينش" قبل أن يتبوأ منصبه المكين. ثم، بعد المنصب، باعتباره ذلك الساحر الشاطر الأول في صفّه، إذ أنجز، كما قيل، ما لم ولن يقدر عليه سواه، فثبّت سعر صرف الليرة التي لم تنسَ البيوت اللبنانية وركاب السرفيسات صوت الراديو يصدح ببهلوانياتها كل صباح، وما زالت مئات العائلات تندب ميراثاً أو مدخرات تبخّرت في رمشة مضاربة.

في باكورة تلك التسعينات من القرن الماضي، المحمّلة بالآمال في وطن جديد وحياة طبيعية، بلَعنا الطُّعم، أو الحلم، عن طيب خاطر. ثم اعتادت أنظارنا وعقولنا، ترقّب وتعقّب الأسماء مالئة صفحات الجرائد ونشرات الأخبار. ونسينا سلامة، كما قد ينسى واحدنا ظلّه. أو تناسيناه كما يتوقف المرء عن رؤية أثاث بيته، وصُور الأولاد الثابتة في أطرها فوق طاولات في زوايا الصالون، الطاولات نفسها التي نستعين بها يومياً لتحمل فنجان القهوة. كان سلامة ذلك المدماك الصامت في خلفية كل شيء، الوظيفة التي تُؤدَّى، والنتيجة المحسومة في خرافة (الآن أدركنا خرافيتها) أن القطاع المصرفي/النظام المالي اللبناني، هو الشيء الوحيد الذي يمكن التعويل عليه في هذا البلد الرابخ على فوالق زلزالية تستفيق كل بضع سنوات. ومن جهتها، ارتاحت هذه "الوظيفة" المُسمّاة سلامة، في شبحيّتها، ولم تسعَ إلى ظهورات إعلامية أو شعبية أو سياسية، إلا نادراً، وعند مفاصل واستحقاقات مصيرية معدودة. حتى عندما طُرح اسم سلامة لرئاسة الجمهورية، ظلّ اسماً برَصيد سعر الليرة، مجرد اسم بخاصِّية أو اثنتين. وحتى عندما كانت تعلو الصرخات من الدَّين العام وخدمته، كان اللبنانيون يرددون تلك "المانترا" المُطَمئنة السخيفة، بأن دَين لبنان داخلي، وأن هذا كافٍ لجعل مصائرهم المالية بمنأى من كارثيته المقيمة في حيز التجاذب السياسي تحت عنوان اقتصادي بعيد من حساباتهم المصرفية الآمنة والضامنة لغَدهم المتذبذب...

إلى أن، ومنذ أشهر فقط، صارت تعاميم مصرف لبنان وتصريحات حاكمه أكثر من الهمّ في القلب، وبرزت بطاقة عضويته في نادي "طِوال العمر" فجأة، لماعةً ذبّاحة، بفضل السوريالية أولاً: "الليرة بخير"، كما أكد سلامة مراراً.. ثم "لا أعرف" رداً على سؤال عن مستقبل الليرة أمام الدولار.

وبالأمس، حينما ظهر رياض سلامة، في خطاب متلفز رُوّج له مسبقاً بأنه سيكون الرد المفحم على حسان دياب واتهاماته للحاكم بـ"أداء غامض مريب"، وسبقته بالونات اختبار شتى عاد ونفاها الإعلام المخلص للحاكم، جلس اللبنانيون شاخصين إلى شاشات التلفزيون. تغاضوا عن غياب الصحافيين، والأسئلة والنقاش، عما يفترض أنه مؤتمر صحافي يخاطب من خلاله حاكم المصرف المركزي شعباً مهدداً في بقائه، خائفاً من كل شيء، غاضباً من كل شيء. ترفعوا عن تحليل الكلمة التي جاءت مسجلة بكاميرات وميكروفونات شركة خاصة، بدلاً من "تلفزيون لبنان" المولج بنشاطات الدولة. ونحوا جانباً، بفعل أهمية اللحظة، كل ما ذكّرهم بخطابات ميشال عون الكاريكاتورية الأخيرة، كما دهشتهم للتجاعيد المتفاقمة في الوجه المزدان أبداً بتسريحة أسد، غزاه الشيب لكن شعرة في رأسه لم تهتز منذ عقود (متى كانت آخر مرة دققوا في تلفزة تلك الملامح؟). ثم ضربت الصاعقة: الرجل يفتح فمه ويصدر أصواتاً وتمتمات، أرقاماً وهذراً إدارياً، لكنه لا يحكي. يستحيل أن يكون هذا كلاماً ذا معنى انتظروه طويلاً.

ثمة من تصَبَّر وكابَر، وأكمَل الكلمة للنهاية، متسلحاً بما التقطه من كلمات مفتاحية وأصفار ملايين ومليارات، علّ الأحجية تتراكب من تلقائها. وثمة من فقد الأمل باكراً، فالتجأ إلى مجموعات "واتسآب" وصفحات التواصل الاجتماعي الأليفة، بحثاً بين الأصدقاء عمّن يفك شيفرة سلامة، ليفاجأ بأنه ليس الوحيد الحائر، وأن الفهم في هذه اللحظة الحرجة، سواء في سياق المماحكة السياسية أو المُناهَبة المالية، معجزة تُطبخ على مهل، أي إلى حين تُعمّم الكلمة مكتوبة، أو يفنّدها لنا كما تستحق (أو لا تستحق) خبراء نظيفون ثقاة، لا يتجاوز عددهم هذه الأيام أصابع اليد الواحدة.

هل تعمَّد سلامة طلاسمه تلك؟ أم خذلت العصى السحرية صاحبها، فأبدته على حقيقته؟ أم أنها العصا التي نطقت تعاويذ الملل والروتين الدولتيّ، كي تعفيه وتحصّنه؟ وكل ذلك الضجر الاحترافي، أهو عُقم التكنوقراط الأصيل؟ أم قناع الحاوي ولعبة الورقات الثلاث في وجه الشعب اللبناني والعهد وحكومته معاً؟ وهل كان يلعب وحده؟ أم أنها لعبة مشتركة مع شركاء السلطة، قديمهم وجديدهم، للتلويح بالمُخبَّأ المخيف في جيوبه العميقة الذي مرّت عناوينه بين سطور البديهي الممجوج؟ غامر اللبنانيون بالإجابات، واستقوا من حركة السفراء وقرارات العهد وتصريحات المعارضة الجديدة، ما يؤكد شكوكهم، لكن بلا يقين. المؤكد الآن هو الشارع وما يغلي فيه، دماء ثوّاره، ووجع الناس المفرغ في واجهات البنوك ومباني "مصرف لبنان".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب