آخر تحديث:13:10(بيروت)
الإثنين 27/04/2020
share

مناحة في الحجر...

ماري طوق | الإثنين 27/04/2020
شارك المقال :
مناحة في الحجر... كيرستن دانست في "ميلانخوليا"
"كان مطاردونا أخفّ من نسور السماء. ثاروا في أعقابنا على الجبال وكمنوا لنا في البرية" (مراثي إرميا).
في الليل، تدبّ الكائنات الصامتة. في سكون الليل، يُسمع صوت تكسّر قواقعها الخافت. أقف عند الباب. النجوم تظهر محدثة جلبة خافتة قبل أن تختفي. وهذه البطاح الغامضة الممتدة أمامي بخرائبها القديمة. تتناهى إليّ أيضاً هسهسة تفتّت حجارتها المتداعية، تفتّت خفيّ بطيء كسلحفاة ساهمة، كسحلية مصبّرة في حركتها. أسمع أيضاً خطوات الرجل قرب النهر، سقسقة الماء المرتعدة، ارتطام أستون بندقيّته بالأغصان المتمادية، أسمعه يعبر ضفاف النهر لاهثاً بمن أباد أنفاسهم.

أحنّ لصورة سهوتُ عن التقاطها حين رمشت ألف ألف فراشة ببتلات الأزهار الرقيقة وطارت من الشجرة حارسة النار. طارت قبل أن تحترق، قبل ان تُدّخَر. صورة لم ألتقطها، صورة طارت ولا ريب من فيلم "ميلانخوليا"، متهادية صوبي لتبقّى معلّقة في هواء المستحيل. طارت ألف ألف فراشة محلّقة في حديقة العروس الكئيبة، وبغتة تلطّخ ثوب كيرستن دانست(*) الأبيض بدماء منال تيماني. لم تغب عن مدى عينيّ طراوة وجه القتيلة ودَعَتِه المعذّبة. ترى كيف استطاع وجهها أن يحصد كلّ هؤلاء القتلى؟ كان الجزّار القنّاص جائعاً وعطشانَ، لم يشبع جوعه كل ذلك اللحم ولم يروِه كلّ هذا الدم. طلب ماء وطعاماً. طلب ماء وطعاماً. يتردّد صدى هذه الجملة في حنايا المنحدرات أمامي. خلت معدته من حديد ولسانه من حجر. ترى ما الذي أتلف قوّته فامتنع عن القنص. لم يتبقّ معه ذخيرة. لم يتبقّ معه ذخيرة.

هذه أيضاً تتردّد بلا أسى من فم المهزلة. العروس لم تظهر عاراً ولم تكشف عن نقاب، ولم تشمّر عن ذيل. هي التي زناها لا يرحم، زنت مع السرير والخشب، مع مصاريع الخزانة وألوان الثياب، مع نظرات غفلت عنها، مع معصيّة شرود، مع الأقلام والدفاتر والأمشاط والدبابيس والفساتين والأحلام والصمت، وشرّعت هكذا طرقها وكرمها للمارّة والعابرين الذين لم ترهم وجلبت الشر من عين عمياء. سيكون عطرها مزلقة في الظلام وفساتينها ميراث الرماد البفسجي. هال الجميلة ما رأته فأدارت ظهرها وضاق كلّ شيء. أدارت ظهرها لغدرٍ ارتسم في المرآة أمامها، لوحشٍ اضطجع فاجراً على غطاء السرير، أو كمن نابه تحت الوسادة. أدارت ظهرها فامتشق الذابح سكّينه في الفسحة بين السرير والخزانة ونطق بأحكامه طعناً. لن تبيت في داخله أفكاره الأثيمة بل انسحبت إلى جبروت يده: "هذا الشعر المنوفر سأجزّه بسكيني وأرميه للشوك، سأقتنص دبابيسه من نخاريب الصخر، من وبر الثعالب، سأصطاد كل من جاور الكرم أو من ارتطمت قدمه بحصاة، كل من عاين عنقوداً أو حصرمة، وأقنصهم الواحد تلو الآخر". دمّر الناحر الجميلة واغتسل: يجب أن يكون نظيفاً للمقتلة الآتية.

رمى بنظرة أخيرة إلى الذبيحة: أنّى لهذا الحمل أن يفتدي بدمائه يوم القتل العظيم، وأرانا انتقامه كلّه. ليس بوسع الصيّاد إلا أن يجعل العاقبة تقترب فمن ذا الذي يباري سكيناً أو بندقية أو قنّاصين بقلوب غلف ينصبون الكمائن للعصافير ويسفّهون كلّ شيء؟ أرانا انتقامه كلّه وإن شابه أسف على نقصان أو تقاعس، أرانا امتعاضة شفتيه فالجعبة نفدت من الرصاص والحجر أفلت من يده وتدحرج  باتجاه القبر المفتوح. أسأل العروس المجلاة المتقلّدة بمحبّيها، أسأل ظلّها المطعون الذي انسلّ منه بنو ثكلها القتلى المتفرّقون وقد ضمّتهم رصاصة واحدة. أسأل الذبيحة التي أطعمت من لحم مهرقاتها وأسكرت من دمهم في هذه المأدبة الراعبة: ما التقدمة؟ ما من كسرة خبز لهذه المناحة. أُبطل صوت الراثيات وامتنعت المناحة على الحقل. 

(*)كيرستن دانست، بطلة فيلم "ميلانخوليا" للمخرج الدنماركي لارس فون ترير.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ماري طوق

ماري طوق

كاتبة ومترجمة لبنانية

مقالات أخرى للكاتب

ثالث الأمكنة السبت 16/05/2020