آخر تحديث:15:49(بيروت)
الخميس 23/04/2020
share

ليلة حب على طريق المطار: إن كنت ناسي أفكرك

محمد أبي سمرا | الخميس 23/04/2020
شارك المقال :
ليلة حب على طريق المطار: إن كنت ناسي أفكرك وتخيلا أن أيديهما تكاد تصطدم بجثمان طائرة ضخمة على المدرج (المدن)
بعد منتصف ليلٍ ربيعي الطقس، خرج شخصان من محجر بيولوجي في ما كان يشبه مدينة، ومشَيا مثل شبحين يتخيلان أن ظليهما يذكّران بمنتحري الفجر. تجاوزا مدخل بناية صارت فجأةً شبحيّة خلفهما في شارع مقفر بين بنايات مغبرّةٍ في أضواءَ شحيحيةٍ تُلطّخ عتمة خفيفة أمامهما على الرصيف. فوقهما، في ما يشبه نوراً قمرياً شاحباً، شبكةُ أسلاكٍ عنكبوتية تمتد من عمود الإنارة العمومية إلى البنايات المطفأة.

إنه وقت يشبه فجر المنتحرين، عندما يصير البشر ظلالاً، أو من مادة الظلال، ويصير الانتحار فنًّا جماليًّا خالصاً، مثل تناول كأس من الحليب على ضفة بحيرة في ضوء القمر.

لا شيء من هذا في وقت وحال شخصيْ الشارع المقفر ما بعد منتصف ليل، السائريَن بخطىً بلا صدى في سكون متجمّد كبصريهما الثابتين على ما يشبه طيرٍ غير مرئي في الأفق، وليس من أفق لمنتحري الفجر المتخيّلين.

****

في موقف سيارات خلف محطة محروقاتٍ مهجورة، يصعد الشخصان إلى سيارة صغيرة مقفلة النوافذ، يشغِّل أحدهُما محركَها، يسير بها في خلاء شارعٍ موحش، يثبّتُ بثَّ الراديو على إذاعة الشرق. هدى سلطان تغني: إن كنت ناسي، أفكرك يا ما كان غرامي بيسهرك.

الأغنية تسجيلٌ حيٌّ لحفلة في حضور جمهور القاهرة الساهر الطروب في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي. لا ليل في دنيا العرب لولا أمثال هذه الأغنية التي واكبت ومثيلاتها سني حروبٍ وهزائم ومآسٍ وكوارث.

أغانٍ قديمة كانت ككوكب الشرق تبعث أُنساً مريضاً في ليالي الشرق، فاستفاقت من سباتها وبعثت حياةً راحت تتدفف في صمت تجوال شخصين هاربين في سيارة من محجرهما البيولوجي، بعد منتصف ليل في ما كان مدينة، ليشهدا أو يتخيّلا غيبة البشر وفجر المنتحرين الجمالي على ضفة بحيرةٍ في ضوء القمر.

****

تتجه السيارة نحو طريق المطار. هل هي رغبة مجهضة سلفاً تقود الشخصين إلى السفر؟ لمشاهدة المطار المهجور؟ قد تشبه المطارات المهجورة في الليل فجر المنتحرين.

في الطريق يلمح الشخصان رجلاً شبحيًّا وحيداً، ينقشع في ضوء مصباحي السيارة. على نصف وجهه الأسفل كمامة زرقاء، صارت أيقونة العالم منذ نحو شهرين. لكن لا لزوم لها على نصف وجه رجل الطريق في هذا الخلاء الليلي الموحش.

بحركةٍ مجهضة سلفاً يرفعُ الرجل الشبحيُّ يده في توسل صامت. يخاف أن تتوقف السيارة التي أومأ إليها، علها تقلّه إلى محجره البيولوجي. بدا لشخصَي السيارة كائناً أثريًّا خائفاً، أو حائراً بين خوفه من العدوى الوبائية، ورغبته في اختصار وقت وقوفه في العراء المعتم على مفترق شارعين، ربما لم يعد يدري أيهما عليه أن يسلكه ليصل إلى محجره.

وتغني هدى سلطان: إن كنت ناسي أفكرك...

****

وعلى الطريق نحو المطار أشباحُ أشجار نخيل تنتصب وسط الطريق. ومحطة الأيتام، وقلعة فندق الساحة التراثي تشعشع منه أنوارٌ جامدة على جدران القلعة الحصينة في استعادتها التراثَ أصناماً يضخمها الكيتش المعماري المتعملق بأضواءٍ مبذولة بسخاء في الخواء الفندقي وسط شحٍّ مزمن في الإنارة وعتمة وفيرة.

ومن القلعة إلى مستشفى الرسول الأعظم، تنتصب أشباح النخيل التي غُلِّفت سعفاتها طوال سنين بأكياس جنفيص لتحمي نموّها من السموم، فنُسيت على هذه الحال، وصارت الأكياس أكفاناً للسعف الميت، ويَبُست جذوع النخيل الطويلة.

وكان على شخصي السيارة أن يتذكرا غرام رفيق الحريري بالكيتش وعمارة الصروح التي تحتفظ بجِدّتها الأبدية الخاوية. وهو من أشار إلى بلدية بيروت أن تغرس نخيلاً جاهزاً على طريق المطار ومستديرة الطيونة، تشريفاً واستقبالاً لصديقه جاك شيراك في زيارته لبنان أواسط تسعينات القرن الماضي تقريباً.

وها رفيق الحريري يرقد منذ 15 سنة في مدفنه الموحش في عراء ساحة الشهداء الموحشة. وبعد سنين من موت نخلاته البيروتية بالاختناق، مات جاك شيراك قبل أن يضرب الوباءُ الخانق الأرضَ ويرمي سكانها في محاجرهم البيولوجية.

وعلى طريق النخيل اليابس في أكفانه على طريق المطار الميت، شخصان فرا في سيارة من محجرهما بعد منتصف ليل. ومن إذاعة الشرق وأغاني الشرق في راديو السيارة تغني هدى سلطان وتعيد: إن كنت ناسي، أفكرك يا ما كان غرامي بيسهرك.

****

سريعاً يلمحُ شخصا السيارة لافتة ضخمة كُتِبت عليها عبارة "العقار ضمانتك". لا تُكمِلُ اللافتةُ الإعلانية القولَ ولا تفصح: بعد الانهيار المالي وتبخّر الأموال وإفلاس البلاد وأهلها. لكن الإعلان المبتور والمسكوت عنه فيه، صارا من ذكريات زمن مضى وابتعد.

زمنٌ مبتور، مثل شخص سافر إلى قبرص لتخليص أمواله من الحجر المصرفي بعد الانهيار، فاحتجزه الوباء وموت المطارات في محجر بيولوجي بلارنكا.

وزمنٌ يستحيل بترُهُ في لافتة إعلانية أخرى تثير الرعب على طريق المطار الميت: صورة خارج الزمن لقائد خلاصي كبير من "سادة قافلة الوجود". وتبشِّر اللافتة العالم والبشر: "سيأتي ومعه جيش من الشهداء".

وتقترب سيارة النوافذ المقفلة، وأغاني الشرق الليلية من مبنى المطار الميت. شخصا السيارة بثياب النوم واليقظة والليل والنهار والحجر والخروج، إياها طوال أيام. وتقترب السيارة بهما، حتى تخيلا أن أيديهما تكاد تصطدم بجثمان طائرة ضخمة على المدرج.

وتغني هدى سلطان وتعيد: إن كنت ناسي، أفكرك...

****

في طريق عودتهما من المطار الميت، يقرأ شخصا السيارة رسالة هاتفية من شخص في روما: أهي الوحشة أم الجمال؟

البوليس منذ الصباح ينتظر سيارةً، عابراً... حتى قطة عابرة.

من خلف النافذة سمعتُ في الشارع أصواتاً. هناك أحدٌ ما يتكلم. أنظر إلى الشارع في الأسفل، أتلفّتُ حولي.

لا أحد! حتى في البعيد لا أحد. فمن أين، إذاً، تأتي هذه الأصوات؟ ثمة من يتكلم!

أخيراً وجدته: هناك نافذةٌ مفتوحة في الطبقة الرابعة من بناية قريبة. وحدها النوافذ والشرفات تسيل منها بعض أصوات وبعض حياة.

ومنذ بداية هذه العزلة في روما، أتساءل: ماذا كان سيفعل بسام حجار في هذه العزلة؟ هل كان أحسّ، مثلاً، أن العالم كله بانكفائه إلى عزلةٍ شبيهةٍ بعزلته، غدرَهُ، تآمر عليه، فأدخل عزلَتَهُ الشخصية والانفرادية في نظامٍ عام؟ أم أنه كان سيشعر بأن عزلته ازدادت عزلةً وتوحداً؟

****

وفي الجزء الثاني من الأعمال الشعرية الكاملة لبسام حجار، يقرأ شخصا السيارة في محجرهما:

"لأن الوقت في الآحاد الطويلة لا يعود هو الوقتَ، بل الأبدَ المتصل لساعاتٍ ودقائقَ وثوانٍ تتكرر لا فاصل بينها. ولك أن تقيس الوقت بالخطوات طوال الرواق مضروباً بعدد المرات التي تجتازه فيها جيئة وذهاباً. وتمارين أخرى كثيرة (...) كأن تجلس على الكنبة وتسند رأسك الى الخلف وتبدأ تمارين التوقُّف عن التنفس. وكلما طال احتمالك للاختناق (...) تدرك أنها الوسيلة الوحيدة التي تجعلك قادراً على الخروج من رتابة الوقت، في الآحاد الطويلة، من دون أن تقفز من مكان مرتفع أو تنتقي حبْلاً متيناً وسقفاً وخطّافاً مثبتاً في سقف. أو أن تقول، كما في البداية، وهذا أحد أيضاً. ويليه الاثنين".

(من "تمارين مرتجلة لغبطة الأحد"، في مجموعة "مهن القسوة")

ويقرأ شخصا السيارة لبسام حجار أيضاً:

"هل يجدي الصباح حقاً؟ أعني حين يأتي (دائماً يأتي) ولا أعرف، صدقاً، ماذا أفعل به. وليس لديّ، حين أفتح عيني (...) ما أحدّثُه به. ما أفعلُه لكي لا يبقى وحيداً، صامتاً خلف النافذة".

(من مجموعة "صحبة الظلال")

ويقرآن أخيراً وأيضاً لبسام حجار:

"حسنا، لم أصدق حين قال الغريب إن السروة شجن الشجرة وليس الشجرة. وإنها لا تقيم إلا بجوار الحجرات البيضاء، هناك، وحين قال: لا ظلَّ لأنها ظلُّ الشجرة وإن السروة هتافُ الوحشةَ إذ يمر بها السابلة ويدركون أنها مشجب الأصداء".

(من "هي ذي الأبواب المغلقة"، في مجموعة "مجرد تعب")


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها